ما تزال محطات الراديو المحلية في الجزائر، تستجدي المستمعين بأن تقترح عليهم الأغاني التي يطلبونها، تميل إلى هذه الحيلة في استقطاب الناس إلى برامج لا علاقة لها بالغناء، في بعض الأحيان، قد نجد أنفسنا حيال برنامج مسابقات أو برنامج رياضي، وقصد ملأ الفراغ والتمويه عن ضعف المذيع، يستقطبون الناس ببث الأغنيات التي يرغبون في سماعها، وإذا عاينا ما يطلبه المستمعون فإنهم ـ في الغالب ـ يصرون على أغانٍ مشرقية أو غربية، أو أغانٍ جزائرية من موسيقى الراي، أو المألوف أو الشعبي، لم يسبق أن طلب مستمع بث أغنية وطنية، هذا النمط من الأغاني الذي لم يعد له جمهور، ولا أحد يهتم بالعودة إليه، مع ذلك فإن الإذاعات ومعها التلفزيون، تبادر إلى تقديم هذه الأغنيات الوطنية الحماسية، غير مستوعبة أن زمنها قد انتهى، وأن لا أحد يهتم فعلاً بالاستماع إليها.
التذكير بالماضي
في كل مرة ترغب إدارات الإذاعة والتلفزيون في تذكير الناس بالماضي، تسحب من الأرشيف أغاني قديمة، عن الثورة ومآثرها، لا يوجد جيل من الجزائريين لا يحفظ عن ظهر قلب تلك الأغاني، التي تتشابه في ما بينها في كلماتها وفي ألحانها، ومن كثرة تداولها باتت لا تحمل أثراً في المسامع، فمتى ندرك أن زمن الأغنية القومية قد انتهى؟ إن استعادتها ليس سوى حشو، وإن الموسيقى شيء آخر؟ وإن ما يوحد الجزائريين ليس تذكيرهم، كل مرة، بماضِ لم يعيشوه، إنما سمعوا عنه فقط، بل يوحدهم ابتكار مستقبل يجمع بينهم.
حرب التحرير (1954-1962) هي الحدث الأكبر في تاريخ الجزائر المعاصر، سيرتها في كل مكان، في كتب مدرسية، في السينما وفي خطب الجمعة أيضاً، في أغانٍ لم تمل من التناسخ ومن تكرار ذاتها، أغانٍ تستلهم كلمات من قاموس واحد، يحفظه جل الجزائريين، تستعين بعبارات من قبيل: الجبال، الثورة، أوراس، جرجرة، بن مهيدي، بوحيرد، وغيرها، من كثرة تداولها حفظتها الألسن والقلوب، والإصرار عليها لم يعد يثير فضول ولا شغف أحد، فكلما حاولت السلطة التأكيد على المشتركات بين الجزائريين، ملأت سمعهم بتلك الأغاني، استحضرت الماضي، بدل أن تشاركهم في صنع حاضر أو التفكير في مستقبل مشترك، بتنا نعيش في النوستالجيا لا في التشريع للأيام المقبلة، نحيي الشهداء والموتى بدل أن نحيا حياة مستقيمة ونرفع من حق الأحياء في عيش كريم.
ما هو الغرض إذن من بث هذا النوع من الأغاني، كل مرة، على الرغم من أنها لا تحظى بإجماع؟ السبب الوحيد هو رغبة رسمية في حشد الناس حول الرواية الوطنية، تذكيرهم بالماضي كي يتحملوا محن الحاضر، ولا يبالغوا في طموحاتهم إزاء المستقبل.
يُقاوم الجزائري حياة ضنك، مستبسلاً ضد كورونا، وشح مواد أساسية، غذائية أو طبية، بينما آخرون بدل أن يرأفوا بحاله، ويمدون له يد العون، يصرون على تذكيره بمقاومات السابقين، في الجبال ضد الاستعمار، بات الجزائري مضطراً للتفكير في حلول لمشاق العيش باستعادة الماضي والاستمساك به، لا بمنازلة راهنه، وطرح بدائل من أجل مستقبل أفضل. يعيش مثل حلزون عنيد في قوقعة الماضي التي تحجب عليه النظر إلى الحاضر. تلك الأغاني الوطنية، التي تملأ الإذاعة والتلفزيون، بمناسبة وغير مناسبة، تتغنى بمقاومة جماعية منتصف القرن الماضي، تتحدث عن توحد أفراد، بينما الجزائري اليوم يعيش مقاومته وحيداً، كل مواطن على حدة يبحث عن خلاص لنفسه، لذلك فإن تلك الأغاني والأناشيد لا تعني له شيئاً، لأنه يسبح في واقع مخالف تماماً للواقع الذي كتبت عنه تلك الأغاني.
لا يمكن أن نصنف تلك الأغاني بوصفها ظاهرة موسيقية، بل هي بالأحرى ظاهرة اجتماعية، غايتها كسب الجماهير لا الإعلاء من قيمة الفن، في أكثر الأحيان يتداول عليها مغنون رجال، بأصواتهم من طبقة الباريتون، التي ترتفع مرات في محاولة منهم وصول طبقة أوبرالية، لكنهم يظلون عاجزين عن ملائمة الأصوات مع الإيقاع، فالإيقاع في غالبه حربي أو خفيف، يسير بين متناقضين، والشيء اللافت في هذه الأغاني هو الكلمات المنتقاة من سجل تحفيز إنزيمات الفخر المبالغ فيه، لا إنزيمات التأمل والتفكير والنقد.
يبدو أن مغنيي الأناشيد الوطنية غير مقتنعين بما يفعلون أيضاً، لم يسبق أن صادفنا واحداً منهم أصدر ألبوماً كاملاً في هذا النوع، أو على الأقل أصدر أغنية واحدة في كل ألبوماته، في جل الحالات يكتفون بعمل يتيم، بغرض بثه من الراديو والتلفزيون، ثم ينصرفون في تأدية أنماط أخرى، يستمع إليها الناس، يعلم هؤلاء المغنون أن الأغنية الوطنية لا تدر لهم ربحاً ولا شهرة، بل يكتفون بالحد الأدنى منها، قصد الترويج لأنفسهم في وسائل الإعلام الحكومية، لا أكثر، إدراكاً منهم أنه لا يوجد جمهور لهم من الجيل الجديد، ومن يستمع لأغانٍ وطنية، أشخاص تجاوزوا الخمسين أو بعض أحفاد قدامى المجاهدين، فهي أغان تشوبها مسحة حزن أو خشوع أكثر مما تشوبها مسحة فرح أو تحفيز على الرقص.
كسب تعاطف شعب
ما هو الغرض إذن من بث هذا النوع من الأغاني، كل مرة، على الرغم من أنها لا تحظى بإجماع؟ السبب الوحيد هو رغبة رسمية في حشد الناس حول الرواية الوطنية، تذكيرهم بالماضي كي يتحملوا محن الحاضر، ولا يبالغوا في طموحاتهم إزاء المستقبل. رغبة رسمية في تذكيرهم بأن النظام أوصلهم إلى الاستقلال، وذلك أمر كفيل باتباعه لا عصيانه، فهذا الضخ المستمر للأغاني الوطنية ليس له غرض سوى كسب تعاطف شعبي، وتبرير الأزمات التي يمور فيها المواطن، كل يوم. «الأرض» و «الدم» من الكلمات التي تتكرر في الأناشيد الوطنية، مع أن الجزائري لا يود سوى عيش في سلم بعيداً عن الدم، تأتي الأغاني الوطنية كمكمل للنشيد الوطني، مع أن الواقع يثبت أن تأثيرها يكاد يزول، ويكفي النشيد الوطني وحده في تذكير الجزائريين بصلاتهم في ما بينهم، لاسيما أن غالبية هذه الأغاني كتب عقب الاستقلال، لا خلال الاحتلال، ما يعني أن مغنيها على مسافة واحدة من حرب التحرير تماما مثل المستمع، بالتالي لا غاية منها سوى الترويج للمغني عينه، لا إشراك المستمعين في عمله.
روائي جزائري