في الجزائر: الحياة المؤجلة للشعراء

حجم الخط
0

أتذكر رسائل جان سيناك (1926-1973) إلى صديقه جمال الدين بن الشيخ. الاثنان كانا شاعرين. الأول بقي في الجزائر والثاني غادرها إلى باريس. سيناك لم يجد مأوى أكثر من مغارة أو كهف، أو بالأحرى ثقب في جدار يأوي إليه في الليل، بينما الثاني عاش كما ينبغي أن يعيش مثقف عضوي في عاصمة الأنوار. أتذكر كلمات سيناك وهو يشتكي حاله إلى صديقه، كما لو أنه كان يبكي حين يكتب، عن ضيق المكان الذي يسكن فيه، ويقاسمه إياه جرذان وحشرات زاحفة وأخرى طائرة، عن الأيام التي قضاها بدون طعام، متحملا مشقة الجوع، على الرغم من كونه موظفاً في الإذاعة.
عن مأساة الكتابة في ظروف جد قاسية، في أوضاع مناهضة للأدب، وصعوبة إتمامه لنصوصه المؤجلة. استمرت الرسائل بين الرجلين في السبعينيات، وبما أن تلك المغارة التي سكنها سيناك لا هي مكتب ولا شقة، فلا عنوان له، ولا يصل إليها ساعي بريد، فظل يستقبل رسائل أصدقائه على عنوان الإذاعة، مرة تصل ومرات تضيع. هكذا عاش واحد من أهم شعراء الجزائر: جان سيناك أو يحيى الوهراني، الذي انخرط في الحركة الوطنية، ولم يخذل نضالات شعبه. ثم وجد نفسه، في الأخير، معزولاً، فقيراً شبه مشرد. ثم جاء خبر موته، على إثر طعنة سكين. هكذا من دومن مقدمات مات سيناك. من قتل الشاعر؟ لا أحد يعلم! لكن المعلوم أنه قد مات قبل 1973، مات نظير الجحود والتنكر وقلة رأفة الناس والمسؤولين به. مأساة جان سيناك لم تتوقف عند لحظة موته المفجع، بل صارت أشبه بلعنة، تطارد الشعراء. فكل بضع سنين نسمع عن «جان سيناك» جديد، نسمع عن شاعر آخر يحيا حياة في قسوة ولا أحد يرد على صدى شكواه.

وقائع الصمت

بات الشاعر يركض خلف لقمته، لا خلف نصه. لم يعد مشغولاً بما يكتب، بل ما يأكل. وهو يرى عزوف الناس عنه. لم تعد أمسيات الشعر تغدق عليه بالمهتمين، فهو ليس مغنيا ولا عازفا ولا ممثلا تتداول صورته التلفزيونات، أو يتبادلها ناشطو الإنستغرام، إنه يقبع خلف الطابور، بل من المحتمل أن صفته كشاعر لن تثير الفضول. لقد دخل الشعر أزمته من يوم انصرف الشعراء إلى نصرة المسؤول، بدل نصرة القصيدة. تحولوا، في لحظة تاريخية ليست بعيدة، إلى السعي صوب السلطة والملكية، يا ليتها كانت سلطة حقيقية، بل فقط في الدرج الأسفل، فهناك دائماً من هو فوقهم يأمرهم فلا يسعهم سوى الطاعة. انتهى زمن الشاعر الجزائري الصعلوك، زمن المتمردين على قوانين الطبيعة والجماعة، أولئك الذين فروا من جحيم الانصياع إلى جنة العصيان. لم يعد لأولئك الشعراء وجود، وناب عنهم شعراء آخرون، يرضون بالقليل مقابل أن يحافظوا على صفة شاعر حسب، بغض النظر عن متانة النص الذي يكتبونه. لقد دخل الشاعر غرفة الإنعاش، ومن المحتمل أن تطول إقامته هناك، وإن خرج منها فسيخرج بكدمات ظاهرة للعيان، متعباً غير قادر على الوقوف على قدميه وعلى استعادة مكانته الأصلية، على الأقل في المدى القصير. ورغم ما تعج به الجزائر من شعراء، على تفاوت مستوياتهم، فإنها تفتقر إلى حضور القصيدة، في الحياة اليومية، كما لو أنه كلما زاد عدد الشعراء، تراجعت مكانة الشعر إلى الوراء.

ما بعد الشعر

هل كُتب على الشاعر أن يعيش مأساته وحيداً؟ في مرضه وصمته وقلة الاستماع إليه كما يحصل مع بعض الشعراء هذه الأيام. شاعر على سرير وآخرا يواجه نصاً غير مكتمل ينتظر منه أن يقوم ويتم ما بدأه قبل سنين. بعدما عاش الشاعر في شعره، هو الآن يعيش على هامش الصفحة، يعيش في ضواحي الأدب لا في مركزه، يبحث عن يد ممدودة له، كي يستمر في الركض بين القراءات، والمسودات كما كان في ما سلف. نشعر في بعض المرات أن شعراء، على الرغم من حداثة أعمارهم تقدموا في العمر لكن شغف الكتابة لا يزال ينبض في قلوبهم كما كانوا في ما مضى، ما زالوا يؤمنون برؤى مفدي زكرياء وسان جان بيرس، وتراود كلمات شيوخ الملحون مناماتهم. معركة الشعراء الحاليين مع هذا الواقع الذي أدار ظهره لكلماتهم، هي معركة الشعر الأسمى، من أجل الوجود. فالشاعر لا يصارع صحراء الخلاء التي لا يؤم إليها القراء، بل يصارع أيضاً الجسد، الفقر، الحاجة، الخوف، العطش، قلة المال والزاد، بحكم أن الكتابة تستلزم حضور الحواس الخمس، فهي عملية ممتدة في البدن مثل امتدادها في الزمن. إنه يقبض على الكلمات مثل من يحاول أن يقبض على الماء. فهل نترك الشاعر كما هو مهملا في الخواء؟ صابراً ومنتظراً غودو في زمن تضاءل فيه أمل الانتظار. إن الانتصار للشاعر في هذه الأزمنة هو انتصار للشعر ولذاكرة الشعراء الذين مروا على البلاد ولا تزال ذكراهم حاضرة بين الناس. لم يعد هناك من سبيل آخر عدا المقاومة، المقاومة بالنص بدل الانسحاب خلف المكسب الآني، أن يجعل الشاعر من نصه سبباً في السير إلى الأمام، ويترفع عن نزواته الأخرى، أن يتصالح مع الناس ويعيد إقناعهم بجدوى الشعر، على الرغم من صعوبة المهمة مع زحف السوشيال ميديا وسطوة الصورة على الكتابة. هذا الشاعر يواجه أعداءً غير مرئيين اليوم، ليس معنياً بتعريفهم ولا بمصارعتهم واحداً تلو الآخر، بل هو معني فقط بالتمسك بخياره الفني، ألا يسقط في شعور اللاجدوى، وألا يثق في المدائح العابرة، التي يسمعها حين غرة، تلك المدائح المغشوشة، التي ترفع من هرمونات الغرور، وتنسيه المهمة التي جاء من أجلها. هذا الشاعر اليوم هو سيزيف يحمل صخرة على ظهره، وكل تعثر في الطريق هو سبب في مواصلة السير، لعله يبلغ منزلة مريحة، فيريح الأجيال القادمة، ويعفيها من مشقة الحروب التي يخوضها في القرن الحادي والعشرين.

روائي جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية