من فعاليات معرض الكتاب في الجزائر العاصمة
يولد المثقف الغربي ويعيش، خارج المدن الكبرى، في ضاحية أو في بلدة بعيدة، على سفح جبل أو في جزيرة صغيرة، فمثلاً جان ماري غوستاف لوكليزيو، وُلد وعاش في مدينة «نيس» أقصى جنوب فرنسا، بعيداً عن إشعاعات باريس وحيها اللاتيني، مع ذلك صار من أهم كتاب بلده، وحاز نوبل (2008). وقبله ويليام فوكنر وُلد وكبر جنوب المسيسيبي، لا في نيويورك ولا في واشنطن. أما هاروكي موراكامي فقد وُلد وعاش في كيوتو، على مسافة خمس ساعات من طوكيو، ومارغريت دورسا ولدت وعاشت في ضاحية بعيدة من العاصمة سايغون في فيتنام، على مسافة ما يربو عن عشرين ساعة بالطائرة من باريس. من جهتها هيرتا ميلر ولدت وعاشت في قرية، لم يكن يسكنها أكثر من ألف شخص، على الحدود بين رومانيا وصربيا.
مع ذلك فإن الأسماء التي سبق ذكرها وأخرى خاضت الأدب من منظور تجربة فردية، تتكل على نصها لا موقعها الجغرافي، جعل الكتّاب من عزلتهم محرضاً على كتاباتهم، فبعض المثقفين الغربيين ولدوا وكبروا في بلدات لا صلة لها بالثقافة، ولم تكن فيها مكتبات، إلا أنهم لم يتعاملوا مع معطى الجغرافيا، بوصفه عاملا حاسماً، لم يستكينوا إلى الشكوى ورثاء حالهم، بل جعلوا منه مجرد تفصيل ثانوي، عكس ما يحصل في الجزائر، حيث ما نزال نسمع صراخات وتأوهات مثقفين يربطون فشلهم في الإبداع، أو صنوف الفنون الأخرى بموقعهم الجغرافي، يجعلون من مسقط رأسهم حجة في تبرير قلة اهتمام النقاد بهم، يجاهرون بأن نزولهم إلى العالم في مدن البلاد الداخلية أساء إليهم، يكنون سخطاً ـ غير مصرح به ـ لكل كاتب ولد أو يعيش في الجزائر العاصمة، يخفون مشاعر سوء ظن تجاه المركز، تجاه عاصمة البلاد، يتحججون، بأن عدم تواجدهم في المركز أحالهم على تقاعد مبكر من مقاعد الكتابة، هكذا شيئاً فشيئاً، توسع هذا الخطاب في السنوات الأخيرة، وبتنا نشهد طبقتين من المثقفين في الجزائر، لا نقصد طبقة معربة وأخرى فرانكفونية، بل طبقة ساكنة العاصمة، وطبقة ساكنة المدن الداخلية، الاثنان يتبادلان اللمز، كل واحد منهما ينظر إلى الآخر بوصفه خصماً، باتت صداقة الكاتب مع كاتب آخر يحددها الانتماء الجغرافي، لا الانتماء الأيديولوجي، من يحيا في العاصمة يصاحب عاصمياً مثله، ومن في الداخل يصاحب كاتبا من البلدة أو القرية ذاتها.
في هذا الزمن حيث الإنترنت صارت هي المركز، وكل التعاملات تتم عن بعد، هل يعقل أننا ما نزال نسمع من يبرر سوء طالعه كونه يعيش في مدينة داخلية؟ أو يبرر فشلاً ثقافياً من منظور جغرافي؟
نتذكر محمد ديب وآسيا جبار اللذين ولدا وكبرا خارج المركز، خارج عاصمة البلاد، مع ذلك صارا من أهم الكتاب في الجزائر، نتذكر مسرحيين وموسيقيين أو سينمائيين كذلك، مثل عبد الرحمن كاكي، أو محمد لخضر حمينة، نتذكر محمد أركون القادم من عمق قرية منسية أو مولود فرعون، لم يُطرح عامل الجغرافيا في الجزائر سوى بعيد الاستقلال، ولا ننكر أن الدولة وقعت في فخ المركزية، أثثت العاصمة بكل ما تحتاج إليه وأهملت مناطق أخرى، لكن الأدب ليس سوق تجارة أسبوعية، لا يهمه أن يقبل عليه زبائن، بل يعنيه ما يكتبه، فهو تجربة ذاتية، ألم تكن يمينة مشاكرة تكتب في بداياتها من بيت متهالك في جبال الأوراس البعيدة؟ ماذا حصل كي يصير مثقف الداخل ناقماً على مثقف العاصمة؟
لم تغفل عين السلطة عن هذه النقطة، كانت مدركة تداعيات هذا الصراع الصامت بين الطرفين، فبادرت منذ السبعينيات إلى احتواء مثقفين قادمين من الجنوب، ومن شمال الصحراء، من شعراء وقصاصين، وطنتهم في عاصمة البلاد، وصارت لهم مساحة أوسع في الجرائد وفي النشر، منهم من تبوأ مناصب ومسؤوليات متقدمة في جريدة «الشعب» وملحقها الأدبي مثلاً، ثم في مجلة «الوحدة» أو في مجلات مماثلة كانت تتبع حزب جبهة التحرير، لكن هذه المبادرة لم تكن كافية في نظر مثقف الجزائر العميقة (كما يُطلق عليه)، مثقف المدن الداخلية، فقد فتح عينيه على الثقافة الجماهيرية، كان تعريف المثقف ـ بالنسبة له ـ هو ذلك الشخص الذي يحرص على حضور الملتقيات والمهرجانات، أي مثقف السلطة، وكانت تلك التظاهرات تنظم جلها في الجزائر العاصمة، بحكم امتلاكها هياكل ومنشآت، خلفها الاستعمار، من قاعات محاضرات وفنادق، في هذا الجو من الثقافة السلطوية، ترسخ في بال مثقف الهامش (كما يُطلق على نفسه) أن الثقافة إنما هي مرادف من مرادفات عاصمة البلاد، متغاضياً عن أن السبب في ذلك كون العاصمة تحتضن منشآت لم تفكر الدولة في تشييد مثلها في مدينته، بدل أن يدافع عن حقه في بنية ثقافية، في قاعات وتجهيزات، فضل أن يدخل في صراع مع ساكنة العاصمة.
هذا الموقف الذي يتبناه مثقف الداخل ليس موقفاً ضد مثقف العاصمة في حد ذاته، بل هو موقف سلبي من الجزائر العاصمة كمدينة، لم يرضيه أن تحوز عاصمة البلاد الهياكل والمرافق الأساسية، مع أن العواصم في العالم بأسره تحوز هياكل ثقافية، كما إن هذا المثقف يكن نظرة سلبية لتلك المدينة باعتبارها مدينة أوروبية (مع أنها بدأت في التراجع وفي تشويه وجهها في السنين الأخيرة)، لا يروقه أن يرى مدينة تفضح عيبه وهو القادم من ضواح أو من بلدات، حيث لا اختلاط بين الجنسين، وحيث الحياة تسير بالحد الأدنى من الرفاهية، لكنه يخفي رأيه تجاه المدينة، مغلفاً إياه بنظرة عدائية تجاه مثقف العاصمة، مدعياً أنه سرق منه حظوة ولم يشاركه فيها، على الرغم من أن مثقفي الهامش صاروا يملأون المركز في العقدين الأخيرين، يحوزون مناصب وأولوية في النشر الحكومي، إلا إنهم لم ينزعوا عن أنفسهم رداء ماضيهم، رداء التباكي والتشكي، إنهم جاؤوا من مدن البلاد الداخلية، وإن حالهم كان سيكون أفضل لو إنهم ولدوا وتربوا في الجزائر العاصمة.
في هذا الزمن حيث الإنترنت صارت هي المركز، وكل التعاملات تتم عن بعد، هل يعقل أننا ما نزال نسمع من يبرر سوء طالعه كونه يعيش في مدينة داخلية؟ أو يبرر فشلاً ثقافياً من منظور جغرافي؟ ما يزال الأمر كذلك في الجزائر، رغم كل هذه السنوات، ما يزال المثقف كلما صادف أول عثرة يدعي أن موقعه الجغرافي قد حتم عليه التراجع للخلف، وأن المقيم في العاصمة قد سرق منه مكانته.
روائي جزائري