في صباح اليوم التالي لعملية إسرائيل في جنين استيقظ السكان على أضرار كبيرة في المدينة وفي مخيم اللاجئين – بيوت مهدمة وسيارات محطمة وشوارع تضررت، أعطت للمكان مشهد ساحة حرب. عشرات الآلاف شاركوا في جنازة عشرة قتلى من الـ12 قتيلاً، خرجت الجنازة من المستشفى الحكومي على مدخل المخيم. كان بين المشاركين عشرات المسلحين والملثمين الذين حصلوا على تأييد غير محدود من سكان المدينة، خصوصاً من فقدوا بيوتهم وممتلكاتهم.
المشاركون في الجنازة أطلقوا الهتافات ضد إسرائيل التي ظهرت منها رسالة واضحة تقول: “سنحمل السلاح وسنتنازل عن غصن الزيتون” و”لا يوجد في إسرائيل من نتحدث معه” و”إسرائيل لا تعرف سوى لغة القوة”. كانت الجنازة شعبية وكان غياب قوات الشرطة الفلسطينية بارزاً. وعندما حضر كبار رجال حركة فتح، وطلب منهم عشرات الشباب مغادرة المقبرة. وقال نشطاء فتح إن أعضاء حماس استغلوا الجنازة لصالح التصادم السياسي، لكن حماس قالت إن نشطاء فتح هم الذين تحدثوا ضد القيادة في رام الله.
“هذا المشهد أحرج الكثير من رجال السلطة وحركة فتح”، اعترف ناشط ميداني من فتح في محادثة مع “هآرتس”، وأضاف أن الكثير من المسلحين هم من حركة فتح وأبناء لأشخاص يتماهون مع حركة فتح. ولكن المدينة غاضبة من السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية. “شاهد الشباب مؤخراً كيف أن الجيش الإسرائيلي يفعل ما يشار على الأرض، والقناصة يطلقون النار على المسلحين، في حين أن رجال الأمن اختبأوا وراء جدران قياداتهم”، وتابع: “هذا أغضب الجمهور ولا سيما الشباب”. وحسب قوله، فإن الشباب أرسلوا للقيادة في رام الله بأنها “مقطوعة عما يحدث على الأرض، ومن الأفضل لها أن تعود إلى الشعب وتؤيده”.
جنازة عشرات القتلى، جميعهم شباب في أعمار 18 – 25 سنة، دشنت المقبرة الجديدة في المدينة. تم دفن العشرة في قبر جماعي حفره عشرات المتطوعين في الصباح الباكر. جعلوا حفرة بعرض 10 أمتار بينها فواصل، ودفنوا الشباب الواحد بجانب الآخر بدون تمييز حسب انتمائهم التنظيمي أو العائلي. الفلسطينيان الآخران اللذان قتلا في العملية دفنا قبل ذلك في قرية عرابة جنوب غرب جنين.
في الوقت نفسه، خارج المقبرة، بدأت طواقم من بلدية جنين في إخلاء الانقاض وتنظيف الشوارع التي تؤدي إلى المخيم في محاولة لإعادة النظام في المدينة. موظفون كبار في البلدية قالوا بأنه بدون مساعدة مباشرة من السلطة الفلسطينية والمجتمع الدولي لن ينجحوا في علاج الأضرار الكبيرة. أحمد القسام، المسؤول عن هيئة الطوارئ في محافظة جنين، قال في محادثة مع “هآرتس” بأن المحافظة لم تقدر حجم الأضرار. وأشار إلى بيوت تضررت بشكل كبير في البؤر التي جرى فيها تبادل لإطلاق النار، وبعضها لم يعد صالحاً للسكن. وقال أيضاً إن الجرافات الإسرائيلية دمرت الشوارع والطرق.
وأضاف القسام أنهم يحاولون فحص حجم الضرر على شبكة الكهرباء والمياه والبحث عن طرق لإصلاحها. “من الواضح أن قدرة المحافظة والبلدية محدودة”. وأكد: “يمكننا تقديم مساعدة أولية، لكن علاج وإقامة بنى تحتية أمر يحتاج إلى تدخل الحكومة الفلسطينية والمؤسسات الدولية مثل الأونروا”.
وقال موظفون في البلدية إن تبرعات كثيرة أرسلت إليها من عدة مدن في الضفة، ومنعت حدوث أي نقص في الغذاء والسلع الأساسية. وحسب قولهم، فإن أصحاب المحلات التجارية في المدينة سارعوا إلى مساعدة العائلات المحتاجة وتبرعوا بتموينها. “إذا كان هناك شيء جيد في كل ما حدث، فهو التكافل الاجتماعي”، قال أبو يوسف الذي يعيش في مخيم اللاجئين. “صناديق الفواكه والخضراوات ومئات الأكياس من الخبز ومنتجات الألبان على أنواعها وضعت في الميادين وفي أماكن رئيسية مثل مدخل المستشفى، وكل من هو بحاجة يمكنه المجيء والأخذ بالمجان”.
وزير الأشغال العامة والإسكان الفلسطيني، محمد زيادة، جاء إلى المدينة وقال إن الحكومة ستقوم بإعمار الدمار الذي أحدثه جيش الاحتلال. وأضاف بأنه السلطة ستعد خطة عمل لإعادة ترميم جنين في الأيام القريبة، تركز على البنى التحتية. تخطط المدينة لحملة تطالب الجمهور الفلسطيني في الضفة الغربية وعرب إسرائيل القدوم إليها ودعمها مالياً. إسرائيل في الحقيقة تسميها “مدينة الإرهاب”، لكنها عند الفلسطينيين عاصمة المقاومة.
جاكي خوري
هآرتس 6/7/2023