في الحاجة إلى أحمد المجاطي

تحلّ الذكرى الثالثة والعشرين( 1935- 1995) لرحيل الشاعر المغربي أحمد المجاطي، صاحب الكلمة الصغيرة المنسوجة بماء الشعر والملقّحة لفقدان مناعتنا الشعرية ، ذلك أن مياها شعرية كثيرة مرّت تحت جسر الشعرية العربية بسبب علل الإبداع المصابة بها النصية الشعرية المعاصرة، حيث المحاكاة سيدة ما يكتب اليوم باسم الشعر، فالكلمة المسكوبة من فم النور هي التي تضيء عتمات النص الشعري المغربي، وتجعله أكثر حياة وديمومة في ذاكرة الإبداع الإنساني . وبالتالي فالحاجة إلى أحمد المجاطي لا ينبغي أن يفهم منها الدعوة إلى الارتكاس والسير على هدي هذا الشاعر، بقدر ما هي رسالة للتفكير في ما خلّفه هذا الشاعر من تجربة فريدة وخارجة عن سرب الاتباع ، بل هي تجربة تتطلب منّا الإقامة في «مملكة الصمت» الذي يحبل بمعنى غير المعلن لكن المستور يكمن في الحفر في هذه الكلمة الصادحة برؤيا شعرية تستقي وجودها الإبداعي من نسغ الحياة كتجربة منحوتة بإزميل المكابدة، هو الشاعر الذي يقتفي أثر المطاردين الأحلام في عذاب الوتر المكفّن بصولة الماضي، والمحرّض الأموات على التمرد كناية على التجدد والانبعاث من ظلمات الجمود والتكلس ليمسحوا بقايا الحلم وينهضوا مدججين برعاية الزيتون كعلامة على الاستمرارية . لذا نسج من تجربته عوالم تفيض ثورة وعصيانا وتلك كانت قصيدته، و أنه الشاعر الذي لم يستسلم لوهم السقوط كما وسموه وإنما شاعر أسلم يقينه للدوام خارجا من سطوة الدهر منتصرا على جنون الضوء وعلى صمت يقتل الفجر في مكمنه.
ولا غرو في هذا مادام المجاطي كان مؤمنا بأحقية الاختلاف في الحياة فأحرى في الإبداع، فبقي ملتزما بالذود عن القصيدة المغامرة في حدودها المتساوقة مع اللحظة التاريخية للشعرية العربية. الشيء الذي جعل القصيدة المغربية تتمكّن من خلق كينونتها الإبداعية ووهجها الجمالي والفني مع هذا الشاعر رفقة تلة من رفاق درب الشعر كمحمد الخمار الكنوني ومحمد السرغيني وعبد الكريم الطبال، هؤلاء الشعراء نذروا تجربتهم في الكتابة لإبداع نص شعري تعبق منه روائح التاريخ والحضارة العربية، تعبيرا عن الارتباط الوجودي بهذا الانتماء ، غير أن المجاطي تفرّد عنهم باتخاذه مسارا في كتابة القصيدة نابعا من رؤية للذات والعالم أساسها الخرق التركيبي والدلالي في بنية اللغة ، وفي هذا السياق لابد من الإشارة إلى أن الشاعر كان متشبّعا بخلفية شعرية متجذرة في التراث الشعري والبلاغي العربي، غير أنه أبدع النص الشعري الذي يمثله.

المجاطي صانع الاستعارات القادرة على الإدهاش والتحفيز على توظيف كل المدركات العقلية واللاعقلية والحواس لاقتناص الجمال والخلق في الصور الشعرية التي تنهل من معين الجليل والمربك.

إن المحتد المألوف لديه في الكتابة مكّنه من خلق رؤيا شعرية ذات ملامح كارثية نظرا لتصوره للعمل الإبداعي المتجلي في امتلاك زاوية نظر عميقة ومتأصّلة لابتداع صورة محمّلة بزخم جمالي ضارب في الدهشة والافتتان رغم سوداويته، ولعل هذا ما جعله يؤكد على أن الرؤيا كاذبة لكونها لا تؤدي إلا للموت والفناء لاعتبار واقع الحال أكثر انهزامية وتلك لعمري مزية هذا الشاعر، بل إن ميزة التجربة الشعرية أنها تقتنص ما يمكن أن نطلق عليه بالمشهدية الجمالية التي نقف عندها من خلال هذا الشاهد الشعري الذي يقول فيه:
« كذبت يا رؤيا / طريق الصمت لا تفضي /لغير المقبرة / رأيتهم مرّوا بلا عمائم/ تفرّقوا عبر الدروب /
أطفأوا سيوفهم/ تفرّدوا على ظهور الخيل/ صاروا كالضباب الجون/ قيل أبيض كالقطن/ قيل أسود كالموت/ قيل أفرخت حرباء/ في وجوههم/ وقيل باضت قبّرة»
ما يلحظ، من خلال هذا المقطع الشعري، كون الشاعر ينسج مشهدا بأبعاده الفنية ودلالاته المعنوية بريشة رسام دقيق البصر وعميق الرؤية، إذ تتوالى الصور الشعرية المنبنية في غالبيتها على منطق المشابهة مما زاد من احتدام الرؤية وكشف حالة التوتر التي تعيشها الذات في مجابهة واقع مشلول وعاجز، غير أن الأمر لن يتوقف عند هذا، وإنما يتجاوزه إلى الخرق الجمالي والدلالي في جله الشعرية وعلى رأسها قوله» أطفأوا سيوفهم» إن هذا لدليل على أن الشاعر المجاطي يمتلك ناصية القدرة على إحداث الصعقة الفريدة التي تخرج المتلقي من الحالة السلبية الانفعالية إلى الحالة الفاعلة و المتفاعلة. إن المجاطي صانع الاستعارات القادرة على الإدهاش والتحفيز على توظيف كل المدركات العقلية واللاعقلية والحواس لاقتناص الجمال والخلق في الصور الشعرية التي تنهل من معين الجليل والمربك، مما يفرض على المتلقي أن يكون متأهّبا لخوض غمار الغوص في خوافي النصية المجاطية حتى يقتنص البديع في القول والباذخ في الدلالة، آخذين بعين التأويل «أن سحر الشعر راجع إلى ضرب من «التطريق» في تناول المعاني واستعاراتها» ، ومن تم فالتجربة الشعرية للمجاطي لا تقف عند حدود المقاربة في التشبيه وإنما تذهب بعيدا في اقتناص البهي الاستعاري والكنائي في القول والتعبير والنسج، وتلك سجية من سجايا الشعراء المُجيدين والمبدعين . فالمتأمل في هذا المقول الموجز والموحي « دبّ الأسى في مكبس القَرس» يشعر بدبيب الرهبة الإبداعية التي استطاع الشاعر ابتداعها تسري في المخيّلة ضاربة المألوف في اللغة وخارقة ثوابت الأساليب المعتادة، فللتعبير عن اللافعل لجأ المجاطي إلى جمالية التشكيل البلاغي المتجلي في استعارة الأسى لقول الذي يجب قوله أمام مشهدية واقعية تتسم بالسقوط ، ومع ذلك تبقى الرؤيا سيدة التجربة الشعرية، إذ لم يرتكن إلى الجاهز في الشعرية العربية،بقدر ما سعى إلى مدّ الكتابة الشعرية إلى آفاق ممتدة في المجهول واللامحدود.
والمشهدية الجمالية لا تنحصر في بوتقة المألوف، بل تروم إلى تكسير التنميط في الكتابة الشعرية، من خلال اللجوء، إلى الاسترفاد من الحياة اليومية وشعرنتها بأسلوبية شعرية مختلفة ذات سمات سينمائية يقول في الملصقة الأولى من قصيدة « ملصقات على ظهر المهراز»
«كان حين يزور المدينة/ يطرق بابي/ أعدّ له قهوة العَصر/ يكتم سعلته/ أتسوّر بالنظر الشّزْر/
قامته الماردة / كان يمنحني بسمة / و يُرامق منعطف الدّرب/ من كُوة النافذة «
فالملمح السردي حاضر بقوة مشبع بروح الحياة اليومية، لكن في تعبير مسبوك ومنحوت ومنسوج بإبرة بلاغة الحياة، وصادح بإيقاعية موسيقية تتماشى مع لحظة الكتابة.
إن تسريد التجربة الشعرية نقصد بها اللجوء إلى توظيف اليومي بلغة شعرية تفيض سردا بغية إضفاء مسحة حكائية تزيد من إيقاظ حواس المتلقي ودفعه إلى مطاردة الأفعال المحكية ، وقد استطاع الشاعر أن يبدع في هذا لغة الحياة وحياة اللغة، فالأولى مرتبطة بعوالم الروح والجسد والتفاعل الاجتماعي، أما الثانية فمتعلقة بالشعر والنثر معا ، على حد تعبير ميخائيل نعيمة، مما يدل أن تجربة الحياة كان مفعولها جليا على حياة التجربة ، فاصطبغت التجربة الشعرية بهذا الملمح الجمالي الموضوعي.والتجربة قائمة عند الشاعر على مقومات جمالية وإبداعية شحنتها بطاقة تأويلية ممتدة في آماد ذات أبعاد يصعب القبض عليها إلا بالحفر الوئيد في طبقات التجربة وإعمال ذخيرة معرفية تمنح للمتلقي بعض من المنفلت منها. والوقوف على نماذج من شعر الشاعر كثيرة وكفيلة بأن تفتح أفقا جديدا لقراءات قادمة .هذا من جهة ومن جهة ثانية لابد من الإشارة إلى أن الشاعر المجاطي لم يقف عند حدود الكتابة الشعرية بل تعداها إلى الكتابة النقدية التي أبان فيها عن امتلاكه القدرة على التحليل والتأويل وقراءة المنتج بعين البصيرة ولعل كتابه النقدي « أزمة الحداثة في الشعر العربي الحديث» كان دليلا قاطعا على أن الشاعر الناقد قام بعملية تشريحية لأعطاب حداثة الشعر العربي الحديث الذي خلص على أنها تعيش أزمة ووصلت الباب المسدود، لكون شعراء الحداثة العرب نهجوا نهج المحاكاة والنقل الساذج للحداثة الغربية سواء فيما يتعلق بالإيقاع واللغة والرسالة الشعرية، ومشيرا إلى أن الشعراء الحداثيون بينهم وبين التراث علاقة تباعد وانفصال ، لكونهم يعتقدون أن الارتماء في حضن الحداثة الغربية مزية وتجاوز لهذا التراث.
فالشاعر أحمد المجاطي لم يتخلّ عن وعيه الوجودي بقضايا الأمة العربية، لذلك فالتجربة الشعرية لديه ظلت منغمسة في هذه الانشغالات القومية والإنسانية ، مبدِعا خطابه الشعري المنسجم مع رؤاه في الكتابة والحياة.

٭ شاعر من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية