في الحاجة إلى أسطورة أو عندما فقد «اليسار» إيمانه

يرتبط مفهوم «الحكم الرشيد» أساسا بالسياسات التكنوقراطية، التي تُعنى بمفهومي الإدارة والقانون أكثر من الأيديولوجيا. وعلى الرغم من أنه لا توجد دولة لا تقوم على قاعدة أيديولوجية ما، أو «أساطير مؤسسة»، سواء كانت قومية أو دينية أو تاريخية، إلا أن نموذج الليبرالية الراسخة، الذي ساد في كثير من الدول الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، اقترن على الأغلب بمفاهيم كمية: الأرقام التنموية، الميزانيات والإنفاق والسياسات الضريبية، نسب الدخل وتوزيع الثروة، الخ.
وباستثناء الرواية السائدة عن العالم الحر في مواجهة المعسكر الاشتراكي، بدا أن هذه الدول لا تستطيع أن تعد مواطنيها بأكثر من تحسينات متلاحقة في مستوى الحياة. إنه عالم «العقلانية الأداتية» ذو «البعد الواحد»، كما وصفه الفيلسوف الألماني الأمريكي هيربرت ماركوزه، الذي بدا متناسبا مع أفق أحزاب الوسط، التي احتكرت الحكم لعقود طويلة. إلا أن عالم «الليبرالية الراسخة» بدأ في الانهيار منذ أواخر السبعينيات، وأخذت السياسة بمعناها الأيديولوجي تعود بقوة إلى الساحة، لتعد بأكثر مما هو قائم ومتحقق، ولتنتج تصورات متعالية عمّا هو يومي ومعاش. بدءا من الأصوليات الدينية والقومية، وتصوراتها العامة عن الوجود والأخلاق ومعنى الحياة، مرورا بما يعرف بـ«الشعبوية» في أيامنا وهجومها على السياسات التكنوقراطية وهيمنة النخب، وصولا إلى سياسات الهوية ورواياتها المستحدثة عن التاريخ والمجتمع. في هذا الجو المفعم بالأساطير، تبدو القوى السياسية ذات الأفق العقلاني والواقعي شديدة الهشاشة، وأقل قدرة على التأثير. ونعني بها أساسا ما يعرف بـ«اليسار الاجتماعي» و«الليبرالية الكلاسيكية».

اليسار الاجتماعي مطلبيا أكثر من كونه سياسيا، فهو لا يقدم سوى مجموعة من المطالب الاقتصادية والاجتماعية التي لم يتم اختبار نجاعتها.

يسار بلا إيمان

«اليسار الاجتماعي» كان على الدوام السياسة التكنوقراطية للأحزاب الاشتراكية الديمقراطية، التي تملك قاعدة مترسخة في النقابات العمالية. ولعل تنظيرات إدوارد بيرنشتاين، المفكر الألماني اليساري، كانت الأساس في واقعية هذا اليسار، فيوتوبيا المجتمع الشيوعي المقبل بعد الثورة الاجتماعية بدت له نظرية لا تملك ما يثبتها، في حين أن العمل ضمن الأطر القانونية والمؤسساتية للنظام الرأسمالي، هو السياسة الأكثر جدوى لتحقيق مصالح الطبقة العاملة. وقد أثبتت التطورات اللاحقة صحة كثير من تصورات بيرنشتاين. فدولة الرفاه، التي قامت في فترة ما بعد الحرب، انبنت أساسا على حقوق ومكاسب واسعة للطبقة العاملة، التي فرضت توازنا اجتماعيا مع رأس المال، كان أساس الديمقراطية آنذاك.
إلا أن اليسار الاجتماعي الذي قام على كونه يسارا بلا أسطورة، أصبح لاحقا يسارا بلا طبقة، بعد انحلال الطبقة العاملة الغربية، وهزيمتها السياسية الكبرى في الثمانينيات، في مواجهة السياسات النيوليبرالية، وما تلاها من انزياح الإنتاج نحو عمالة رخيصة وبلا حقوق في الخارج. وانهيار التوازن بين العمل ورأس المال. تدريجيا فقدت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية طابعها العمالي، وأصبحت أحزابا للطبقة الوسطى، معنية بسياسات بورجوازية لفئات تعرّف نفسها بالثقافة لا بالعمل. وكثيرا ما تبنت سياسات نيوليبرالية لا تقل تطرفا عن سياسات يمين الوسط.
«اليسار الاجتماعي» في أيامنا يأتي على الأغلب من خارج الكتلة الأساسية للأحزاب الاشتراكية الوسطية التقليدية، وهو يبدو يسارا ماضويا يسعى لاستعادة ما كان قائما، أي دولة الرفاه. أما صفة «اجتماعي» فتأتي على الأغلب من محاولة تمييز نفسه عن «اليسار الثقافي» أو «يسار» سياسات الهوية. يعاني هذا اليسار دوما في تعريف قاعدته الاجتماعية، فتارة يعتبر نفسه ممثلا للأغلبية، بدون تعيين طبقي واضح (مثل شعار: «نحن الـ99٪ في مواجهة الـ1٪ من حيتان المال»)، وتارة يتحدث عن فئات غير مستقرة من العاطلـــين عن العمــل والعمالة غير الدائمة، التي يبدو أنها في نظره وريثة الطبقة العاملة الصناعية.
يبدو «اليسار الاجتماعي» مطلبيا أكثر من كونه سياسيا، فهو لا يقدم سوى مجموعة من المطالب الاقتصادية والاجتماعية التي لم يتم اختبار نجاعتها، بدون أن يعطي تصورات سياسية عن المجتمع والدولة. لا يمكن اعتباره تكنوقراطيا لأنه لا تجارب واقعية له في الإدارة والحكم، ولا أيديولوجيا لأنه لا يملك تصورات تاريخانية وثقافية وعقائدية متماسكة، إنه يسار ضيّع إيمانه ومؤمنيه.

الأسطورة والسياسة

الأسطورة، على عكس ما يعتقده البعض، ليست مرادفا للكذبة أو الخرافة، بل هي رواية مُؤسِّسة، لا تُختبر من حيث مصداقيتها (كونها قائمة على عبارات ووقائع صحيحة أو غير صحيحة)، بقدر ما تعبّر عن أفكار وتصورات مشتركة لمجموعة ما عن موقعها في العالم والتاريخ. قد تعتمد السياسة والمجتمع الإنساني بدرجات متفاوتة على الأسطورة، ولكن الأكيد أنه لا سياسة ولا مجتمع بدون أساطير.
لعل الفيلسوف الفرنسي لويس ألتوسير هو أفضل من انتبه إلى هذا، فهو يؤكد على أن الأيديولوجيا بأساطيرها هي أحد شروط الوجود التاريخي للمجتمعات، وأن تصورا لمجتمع قائم على العلم والحقائق وحدها هو بدوره مجرد تصور أيديولوجي، لا بد من رواية متكاملة ما، تصوغ الذوات الإنسانية في حياتها الاجتماعية وعلاقاتها ونظرتها للواقع والوجود، وهو أمر خارج مجال وتخصصات العلم بمعناه المنضبط. بالطبع ليست كل الأساطير متساوية، فالروايات المتناقضة للعالم تعبّر عن مصالح اجتماعية مختلفة، وعن أساليب متفاوته الكفاءة والمنفعة في التعامل مع الوجود الاجتماعي، وبالتالي فهنالك بالتأكيد أيديولوجيات وأساطير أكثر تنورا وتقدمية من غيرها.
لا يبدو الناس اليوم مستعدين لإعطاء ثقتهم لمجرد سياسات مطلبية ذات أفق سياسي متواضع، بل هم يفاضلون بين سرديات مختلفة للمجتمع والتاريخ، وهذا وضع مألوف في الفترات غير المستقرة، التي يزيد فيها الاستقطاب الاجتماعي. «اليسار الاجتماعي»، وكذلك «الليبرالية الكلاسيكية»، لا يملكان سرديات متكاملة، بعد أن فقدا كل أفق لليوتوبيا والإرادة السياسية الجمعية، ولذلك فهما يفشلان دائما. سبق للينين أن وضّح أن النضال المطلبي لا ينتج سياسة، بل هو جزء منها فقط. لا سياسة بدون حشد الأنصار للاستيلاء على السلطة، وذلك لتحقيق تصورات أيديولوجية واجتماعية أكثر شمولا وتكاملا.
الغريب أن سياسات الهوية، رغم أصولها الفكرية التي توصف بأنها «بعد حداثية» ومعادية لـ«السرديات الكبرى»، وقائمة على السياسات الفردانية والحيوية، انتبهت إلى هذا بشكل أفضل بكثير من «اليسار الاجتماعي».
فتقدم اليوم رواية أيديولوجية تاريخانية مبسطة عن مجتمع «ذكوري أبيض»، قام تاريخيا على قمع الأقليات والفئات الأضعف. وعن «مسيرة التاريخ» و«روح العصر» التي تتجه اليوم إلى التفكيك البنيوي لهذا المجتمع القمعي، وصولا إلى يوتوبيا الأقليات السعيدة. كما لديها تصور للفرز المجتمعي بين «ضحايا» أبرياء و«عنصريين» أشرار. هذا النوع من العقائد البسيطة يمكن أن تكون له نجاعة سياسية أكثر بكثير من مجموعة من المطالب المتفرقة.

يظهر اليوم، على استحياء، ميل لإعادة إحياء أيديولوجي لقيم التنوير، لا يرتبط باليسار الاجتماعي بقدر ارتباطه بقوى أخرى.

التنوير بوصفه أيديولوجيا

يظهر اليوم، على استحياء، ميل لإعادة إحياء أيديولوجي لقيم التنوير، لا يرتبط باليسار الاجتماعي بقدر ارتباطه بقوى أخرى، قد يبدو تبنيها له مفاجئا بعض الشيء: بعض المحافظين الأوروبيين المشبعين بتراث الفلسفة الكلاسيكية، ممن يحاولون إحياء قيم العقلانية المتجسدة في الحيز العام؛ عدد من المفكرين والأكاديميين الذين يُلقبون عادة بـ«أيديولوجيي وادي السيلكون» أو المرتبطين بتيار «الإلحاد الجديد»، مثل عالم النفس الكندي الأمريكي ستيفن بينكر والفيلسوف الأمريكي دانيال دينييت؛ نقّاد سياسات الهوية مثل مارك ليلا وروبيرت بفالر، ومؤخرا فرانسيس فوكوياما، الذين يتحدثون عن إعادة إنتاج مشتركات وطنية واجتماعية جديدة تتجاوز الخطاب الهوياتي.
تبني التنوير بوصفه أيديولوجيا سياسية يختلف كثيرا عن دراسته أكاديميا بوصفه عصرا تاريخيا، ومجموعة من الفلسفات والتيارات الاجتماعية. فهو لا يُعنى بتحقيق فهم مطابق له كما كان فعلا، بقدر ما يهتم بإعادة إنتاجه سياسيا في عالم اليوم، لتأسيس مشتركات اجتماعية جديدة، قادرة على إعطاء البشر حوافز وآفاق سياسية. ربما كان التنوير ثورة على أساطير عصره، ولكنه يملك بدوره أساطيره الخاصة التي يمكن إعادة تأويلها بما يتفق مع عصرنا. ربما يمكن لليسار الاجتماعي والليبرالية الكلاسيكية الاستفادة من هذه الأيديولوجيا لتجاوز محدوديتهما السياسية، وعندها يمكنهما أن ينافسا في ساحة عالية الاستقطاب، تحتلها تيارات رجعية انقلبت على كثير من المكتسبات التي حققتها البشرية: دولة القانون، حرية التعبير، التضامن الاجتماعي، المساواة، حق تقــــرير المصـــير الفردي، الحد الأدنى من حقوق العمل والرفـــاه المجتمعي، تجاوز الموروث والهوية نحو آفاق أكثر رحابة وتحررا. إنها عودة للفضائل التي حملتها يوما البرجوازية الثورية، وناضلت لأجلها الحركة العمالية، ثم ضيعتها سياسات الهوية من اليمين و«اليسار».
كما أن تبني التنوير بوصفه أيديولوجيا قد يمنح، للمفارقة، غطاء سياسيا لتحرير مجالات واسعة، في الفن والعلم والثقافة، من الضغط الأيديولوجي الحالي. وحده التبشير بحرية العقل الإنساني، وإمكاناته غير المحدودة، يدفع الإبداع بعيدا عن قيود الهوية و«حساسياتها» التي لا تنتهي، ويمكّنه من «خلق مسافة»، حسب تعبير ألتوسير، عن القاعدة الأيديولوجية السائدة اجتماعيا.

٭ كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية