في الحاجة إلى الاختلاف

حجم الخط
0

لو قمنا بإطلالة على ما ورد في معجم لسان العرب حول المادة اللغوية ‘خ ل ف’ لرأينا أن مشتقاتها تكوِّن عائلة كثيرة العدد وأنها ليست مادة سامة كما يظن الكثيرون، فالخَلْف هو الوراء ضد القدام والأمام وهي دلالة مكانية محايدة، وخَلَفَه يخلُفُه صار خلفه واتبعه، والتخلُّف التأخرعن الركب وهي دلالة قيمية سلبية، واستخلفه جعله خليفة والجمع خلائف وخلفاء. والخلافة الإمارة والحكم والسلطان، والخَلَف هو المال الذي يعوض مالا متلفا وكذلك الذرية من أحفاد وأبناء، والخوالف النساء والرجال الذين يتخلفون في منازلهم ولا يذهبون مع المقاتلين إلى الحروب. ونقول أخلف الشجرُ إخلافا إذا أخرج ورقا بعد ورق قد تناثر، والدلالة هنا شديدة الغنى والإيجابية لأنها تفيد التجدد. والخِلفة اختلاف الليل والنهار وتعاقدهما الديمقراطي في اقتسام الزمن، والخليف المتخلف عن الميعاد، والإخلاف الاستقاء أيضا، والخالف والخالفة الفاسد من الناس، والخِلْف هو ضرع الناقة يقابل الأثداء للنساء والأَطْباءَ للسباع وما جانسها، والضرع منبع الحياة و الخصب، وامرأة خالفة وخلَْفَاءُ وخلفف هي الحمقاء، ورجل مخالف لا يكاد يفي بالعهود، والخلاف المضادة. واختلف الناس لم يتفقوا على رأي واحد، وتخالفوا بمعنى أن اختلاف الآراء قاد المختلفين إلى منازعات وصراعات. ولو عدنا إلى النص القرآني لرأينا أنه سبحانه أورد المادة اللغوية في آيات متعددة، فقال’ ولكن اختلفوا’ البقرة 251 و’وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه’ هود 88 و’ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك’ هود 118 و’إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة’ البقرة 92 و’ويجعلكم خلفاء الأرض’النمل 64 و’رضوا بأن يكونوا من الخوالف’ التوبة 88.
لم يكن مرادنا مما تقدم أن نقوم بعمل سياحي في محيط اللغة، فبإمكان كل قارئ أن يقوم بالرحلة منفردا، لكننا أردنا أن نثبت أن المعاجم أقرت الاختلاف واعتبرته واقعا عاديا وواردا ومقبولا، وكذلك الدين. ولو أراد الله أن يجعل الناس على رأي واحد ما عجز، ولكنه رأى أن الاجتماع البشري لا يمكن أن يقوم إلا على الاختلاف. إن اختلافنا في الآراء و الإيديولوجيات وأشكال السلوك ناتج بالضرورة عن التنوع الثقافي والعرقي والاجتماعي، لذلك لا ينبغي أن ننظر شزرا إلى كل من يختلف معنا في تأويل الخطاب أوالإدلاء برأي أو التعاطي مع ظاهرة ثقافية كيفما كان نوعها. إن الاختلاف بهذا المعنى قدرُ الإنسان واختياره، وكل محاولة لطمس الاختلاف وجعل الناس نسخة واحدة مصيرها الإخفاق الذريع.
بإحقاق فكر الاختلاف تصبح الذات في منعة من نفسها لأنها تنفتح على الآخرين وتمتح منها ما قد ينقصها وتفتقده، لأن الإيمان بالاختلاف لا يمنع الذات من التحاور والتلاقح والتثاقف مع الذوات التي تختلف معها، فتصبح بذلك التجارب مشاعة ومتاحة للجميع، ولا يصبح التنوع اللساني واللوني والثقافي جمرا وحُجُُبا تمنع احتكاك الناس بعضها ببعض ما لم ينفخ الإنسان في رمادها. بالاختلاف نقضي على نرجسية الأنا ونحد من تعاليها المعرفي لتختار طوعا القبول بالآخر المغاير لها عندما نعرض أفكارنا وقناعاتنا في سوق الأفكار، فتقارع الحجة الحجة فتتوارى الحجة الضعيفة بروح رياضية وتثبت الحجة القوية.
ولهذا لاعجب إن قلنا إن النقد بالمعنى الابستمولوجي و البناء لا ينمو إلا في ثقافة الاختلاف وينتفي كليا في ثقافة الانغلاق والتعصب، ولا نحتاج إلى إيراد أمثلة من واقع المجتمعات ماضيا وراهنا لتثبيت فكرتنا. والاختلاف عندما يصبح هواء جماعيا يقلل من التوترات والتناقضات التي تمزق المجتمع وتدمره، ولا يعني هذا أن الأفكار تتناسخ في أذهان الأفراد، ولكنها تتعايش بتنوعها، بل يشتد عود الفكرة بقدر انفتاحها على فكرة الآخر، في المقابل يدفع التمسك بالأفكار بطريقة أصولية حتما إلى التصادم والإبعاد القسري والإلغاء وضيق الأفق والقنوط من كل تغيير، وفي هاته الحالة تستعين القناعة الأصولية بأسباب وشروط القوة المادية والمعنوية لتدمير الفكرة المخالفة.
بن العربي غرابي- المملكة المغربية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية