في الحاجة إلي الترجمة

حجم الخط
0

في الحاجة إلي الترجمة

عبد السلام دخانفي الحاجة إلي الترجمة عرفت ألمانيا خلال القرن التاسع عشر حركة واسعة وكبيرة ربما لم يعرف التاريخ لها تنظيرا وممارسة، واتخذت لذلك شعارا محتواه لا ثقافة وطنية ممكنة إلا عبر الانفتاح علي ما هو غريب ونتج عن هذه الحركة أن اللغة الألمانية أصبحت تكتسي أهميتها وقوتها لا من إقصاء الغريب وإبعاده، وإنما من ابتلاعه وتملكه علي حد تعبير غوته الذي شبه المترجمين بالخاطبين المتحمسين الذين يتمادون في الإشادة بجمال الخطوبة فيثيرون فينا رغبة لا تقهر في رؤية الأصل.وإذا كان العرب قد مارسوا فعل الترجمة في مراحل مختلفة من تاريخهم مثل بيت الحكمة احد أوجهها الناضجة، غير أن أصول هذا الفعل ربما تعود إلي مراحل مبكرة.واليوم نجد زمرة من المبدعين والكتاب العرب اشتغلوا بالترجمة بموازاة نشاطهم الإبداعي والنقدي، وذلك تماشيا مع مشروعهم الفكري والجمالي نشير هنا علي سبيل الذكر لا الحصر إلي ادونيس وجبرا إبراهيم جبرا وادوارد الخراط ومحمد برادة وجورج طرابيشي… والترجمة التي أصبحت تفرض نفسها علينا بشكل كبير خاصة مع انتشار الثقافة المعلوماتية وهيمنة الصورة بأشكالها المختلفة، غدت حكاية لتجربة اصطدامنا بحدود الذات وإخفاقاتها، وفي الآن نفسه آمالنا في الخروج من بوتقة الانسداد.وعندما لا نفصل اللغة عن الفكر، والدال عن المدلول، والشكل عن المعني، ونتجه نحو فكر يعتمد ويتبني مقولة الاختلاف إذ ذاك لا تصبح الترجمة فقط عبورا من لغة إلي أخري، وانما كما أكد ذلك كادمير تجربة ابستمولوجية وانطولوجية ترتبط بثلاثة أبعاد أساسية:1 ـ بعد الفهم2 ـ بعد الفكر3 ـ بعد التأويلهكذا يمكن تعريف الترجمة بوصفها عبورا فكريا من لغة إلي أخري عبر الفهم والتأويل، وفي هذا السياق يطرح علينا السؤال التالي:ما طبيعة العلاقة بين الأصل والنسخة؟هل هي علاقة تشابه ووحدة أم علاقة اختلاف وتشابه؟ـ عندما يقوم المترجم بترجمة الأصل أي النص الأول أو النسخة الأم بتعبير الفيلولوجيين، هل تكون النسخة ايقونا ام تكون سيمولاكر باعتبار أن المرور من لغة إلي أخري يقتضي بالضرورة المرور من نسق معرفي وفكري ولسني إلي نسق مخالف؟وفي هذا الصدد اعتبر الأستاذ عبد السلام بن عبد العالي في كتابه أسس الفكر المعاصر الايقونة صورة تتمتع بالتشابه والسيمولاكر صورة بلا تشابه. الايقونة تكرر النموذج والسيمولاكر يخونه وهو ما عبر عنه رولان بارث بقوله:Toute traduction est une trahisonويمكن القول انه إذا كان المترجم ينتمي الي ابستيمي معين يخالف ابستيمي النص/الأصل ويخضع لمقولات لغوية وأخلاقية وابستمولوجية مخالفة فانه يصعب التحدث عن ترجمة تكون بمثابة أيقونة. الترجمة محو للتساوي وتنكر للتشابه وقضاء علي ((الوفاء))، انها ليست صورة للأصل وان كانت توهمنا بذلك، وهي لا تجعل النص الأم مرآة للنص الثاني لان ماهيتها تحويلية علي حد تعبير مارتن هايدغر.الترجمة النسخة لا تكرر الأصل بل تنفيه، وهي بهذا المعني لا تنتج الأيقونة، وإنما تولد السيمولاكر علي نحو جمالي. هذا السمولاكر الذي اعتبره أفلاطون شيطانا مخادعا لأنه السفسطائي الذي لا علاقة له بالفلسفة وعالم المعاني والذي لا يقدر علي ترجمتها، في حين اعتبره جيل دو لوز قادرا علي الإفصاح عن قوة ايجابية تنفي الصورة الأصلية والمنسوخة معا.الترجمة ترتبط ارتباطا شرعيا بمفهوم الكتابة واللغة والكاتب.. وتفترض وجود نص اصلي يحمل معني واحدا ويحصره، والنص الأصلي موقع باسم صاحبه،أي هويته الخاصة التي ينبغي الا تضيع في عملية الترجمة.والحالة هذه ان المترجم يجد نفسه إزاء الإحراج الذي تسببه له اللغة بوصفها الكيفية التي يكشف بها الوجود عن ذاته. الاعتقاد الثاني وهو أن اللغة تتجاوز صورتها اللفظية الصرفية، وان هناك أشياء أخري في العالم تتكلم دون أن تكون لغة.الخيانة إذن سمة بارزة في مجال الكتابة بفعل الترجمة و تجددها، ولعل الطرح الأخلاقي لعملية الترجمة الذي يربط الترجمة بالوفاء والخيانة يفترض وراء هذه العملية شخصا أخلاقيا فكل نسخة تظل تحن إلي أصلها، لان الترجمة ليست Le mگme de l’autreوقد شبه موريس ابلانشو عمل الترجمة وهي تحاول التقريب بين لغتين، بعمل هرقل وهو يحاول التقريب بين ضفتي البحر. هذا العسر وهذه الصعوبة التي تظل قوة جبارة مثل قوة هرقل يدلان علي أن ذلك التقريب هو في الآن نفسه إبعاد، وعلي أن الترجمة إذ تحاول أن توحد بين اللغات تعمل بالفعل ذاته علي خلق الاختلاف بينهما وإذكاء حدته.فلا غرو إذن إذا كانت الترجمة حياة جديدة لنص طالما انه لا توجد ترجمة نهائيا لنص ما، وهي من ثمة مكابدة شاقة مع المعاني والصيغ لأنها تبتغي تحقيق الاتصال والتواصل بين مجتمعات مختلفة أي بين اللغات والآداب والأفكار.غير أن الترجمة وهي تروم تحقيق هذا الطموح الجمالي تفترض في المترجم أن يتقن لغة الأصل والنقل، وان يكون صاحب ثقافة موسوعية، وان يلم بالموضوع المراد ترجمته، وان تكون لديه الخبرة والمهارات اللازمة للقيام بعمله لان هناك نصوصا تصد بدهائها الماكر كل من يقترب منها. وعليه في الوقت نفسه أن يعني بأفق الانتظار بوصفه حال التهيؤ القبلي لدي المنتج للنــــص المترجم، ولدي المتلقي لاستقبال العمل المترجم كيفما كان نوعه الأدبي.أي أفق يختص بالذات المتلقية واعني به القارئ، وافق يختص بالذات المترجمة وهي المرتبطة بالكاتب الذي يعيد صوغ النص الأصلي بدوال لغوية مختلفة.ومع ذلك نظل نتساءل هل تستطيع الترجمة أن تنقل للقارئ مختلف القيم الأخلاقية والإنسانية والدلالات المختلفة التي يتضمنها النص الأصلي؟مع ابن رشد كانت الترجمة قد اكتست مظاهرالشرح والتعليق (أرسطو) وظلت الترجمات القديمة تتهم بالغش والخداع، ولعل هذه السمات الأخلاقية امتدت إلي راهن الإبداع العربي.وإذا كان الدرس اللساني قد ساهم في تغيير الرؤية الأخلاقية التي تعتبر السيمولاكر عملا غير مرغوب فيه، فان الحد من هيمنة الرؤية الميتافيزيقية للترجمة كان يتطلب وبالدرجة الأولي تطليق العبارة القائلة القبيحة الوفية خير من الحسناء الخائنة ويمكن القول مبدئيا ان لكل ترجمة واقعها النصي الذي لا يشبه واقعا نصيا آخر، وبالتالي فان عمل المترجم هو أشبه ما يكون بالعمل الاركيولوجي، خاصة اذا تعلق الأمر بالأعمال الأدبية لان الأدب بحكم طبيعته الإنسانية، وبحكم علاقاته النحوية والبلاغية وبنياته المورفولوجية يستعصي ضبطه بقوانين محددة سلفا.كما ان مقصدية المترجم تساهم في التأثير علي طبيعة العمل المترجم، ولعل اختصاص مترجم في ترجمة أعمال مفكر أو أديب سيكون بسمات قد لا نجدها في أي عمل آخر.نشير هنا علي سبيل المثال الي ترجمات كوجيف الذي اختص في ترجمة اعمال هيغل ومحاولته الفصل بين الأثر الهيغلي والشروحات الماركسية التي حاولت المزج بين الهيغلية والماركسية بالاستناد إلي مرتكز أساسي.لكن إذا كان للاختصاص إيجابياته، فله أيضا سلبياته، ونعني بذلك خضوع المترجم لسلطة المقروء، وهي ظاهرة عرفها العالم العربي في ثمانينات القرن الماضي حيث كثرت ترجمات أعمال رولان بارت وتودوروف وجنيت وجاكسون، الشيء الذي نتج عنه تكرار ترجمات عديدة لعمل واحد، وكل ترجمة تدعي لنفسها الفرادة والتميز.إن الترجمة وان كانت تنبني علي وهم فهم النص والقبض علي معناه، فان لهذا الوهم أو الأوهام ثمرات عديدة طالما أنها كانت ولا تزال نافذة مفتوحة علي العالم، بفضلها وصلتنا أشعار الحضارات القديمة وجعلتنا ننصت إلي بورخيس وهو يتماهي في سرده مع الأثر العربي الاندلسي، والي خفقان قلب نيرودا وهو يبتسم في وجه بائعي الخبز، وجعلتنا نبحت عن أوجه كائنات كافكا ونتوه مع بروست بحثا عن الزمن الضائع، ونعرف من رباعيات ميشيما سر انتحاره، ولم رأي جوزيه اسراماغو الانجيل طبقا لرؤية المسيح.مع الترجمة احسسنا باكراهات العزلة ومتاهاتها مع غارسيا ماركيز ومرارة حروب الإخوة الأعداء مع كازانتزاكي، ولذة الافتتان بالمفارقة الساخرة مع انطونيو ماتشادو،وفرادة التصوير الشعري لفاتنات لوركا،وتفاني اراكون في عشق عيون الزا.الترجمة حملت لنا ملامح الكتاب التشيكيين وسلطت الضوء علي كونديرا وهو يبني جسور التواصل ما بين الموسيقي والفلسفة والشعر والرواية، وجعلتنا نستشعر غنائية طاغور وجمالية الهايكو الياباني وترندستالية العجائبي الإفريقي.وإذا كانت الترجمة لا يمكنها أن تكون حكرا علي نوع تعبيري دون آخر، لأنها تتخذ من طموحها الجمالي والإنساني افقها المنشود فهل تستطيع في مقابل ذلك أن تتكفل بنقل الجزء الأكبر من المنجز الأدبي والفني والفلسفي إلي ضفاف أخري وتشكيل صورة متوازنة للإبداع العربي الذي طالما اتهم بالرداءة والنكوص؟ ہ كاتب من المغرب0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية