في الحرب الخفية والمعلنة بين مؤسستي الرئاسة والقضاء .. مصر الثورة هي الخاسر الاكبر

حجم الخط
0

حسن كاوز يكاد المرء يقف حائرا أمام الثورة المصرية وتداعياتها الآنية. فمن جهة أولى، هناك ثورة ناجحة بكل المقاييس أسقطت حكما استبداديا طالت قبضته وهيمنته على كل مرافق البلاد، ومن جهة ثانية، انطلقت سلسلة الانتخابات المتوالية للموافقة على التعديلات الدستورية المؤقتة، وإنشاء مجلس الشعب البديل، وانتخاب رئيس جديد للبلاد، والتصويت على مشروع دستور الجمعية التأسيسية، ومن جهة ثالثة، اصطفت معارضة جديدة من الشباب الثوريين والليبراليين والقوميين واليساريين في مواجهة صناديق الاقتراع التي أفرزت تيارا دينيا استفرد بالسلطة ومفاصل الدولة، ومن جهة رابعة، خرجت السلطة القضائية بكل فصائلها ودرجاتها لمقاومة هذا ‘الوافد’ الجديد الذي بدأ يتحرش بمملكتها وينزع منها مفاتيح سيادتها. وهكذا أصبح لهذه الثورة الناجحة ثورات بديلة أو مضادة، وجد فيها النظام السابق فرصته الذهبية كي يتسلل إلى صفوف جبهات المعارضة، ويزيد من تصعيد الأجواء المشحونة، مستغلا هشاشة الوضع الثوري الجديد، وقصور الرؤية المستقبلية في صناعة حاضر ومستقبل مصر الثورة. فلا الرئيس مرسي كان مستعدا، بحكم مرجعيته الأيديولوجية المنغلقة، أن يكون رئيسا لكل المصريين، وأن يصون شروط الانتقال الديمقراطي، ولا المعارضة الجديدة كانت منسجمة وقوية ومبتكرة لرؤية الإنقاذ البديلة، ولا السلطة القضائية، التي كان تعيين أغلب أعضائها في عهد النظام السابق بموالاته وممانعاته، كانت قادرة على الانفلات من شرانق السياسة، والتسلح بالحياد الإيجابي في المحافظة على منظومة الحق والعدالة. وهذا ما دفع البلاد من الخروج من وضعية الاستبداد الفردي الهرمي إلى وضعية الاستبداد الجماعي القاعدي، الذي يتدافع فيه جميع الفرقاء والأطياف إلى هرم السلطة وسدة الحكم واستئصال الآخر، وكان من نتائجه تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في أوج القطيعة أو التجاذب بين الأطراف الدينية والسياسية والحزبية والقضائية، وإرباك مسار الثورة التي لم تعرف معها البلاد منذ 11 فبراير 2011، تاريخ تخلي حسني مبارك عن السلطة، استقرارا سياسيا ملحوظا رغم التعديلات الدستورية المؤقتة والانتخابات الرئاسية الجديدة. ولقد كان لحزمة القرارات التي اتخذها الرئيس الجديد للبلاد، بعيد انتخابه وأدائه اليمين الدستورية، دورا أساسيا في تعطيل الثورة بدل تقويتها وتعزيزها وحمايتها، وفتح جبهات عديدة للمعارضة لم تخل من تدافع واصطدام أدى إلى سقوط الضحايا والإصابات بنفس المشهد المؤلم الذي كانت عليه مصر ما بين 25 يناير و10 فبراير 2011. وإذا كان الرئيس مرسي قد لقي ترحيبا بقرارات يتيمة لم تتعد الزيادة في معاشات شهداء ومصابي الثورة، وإعادة محاكمة رموز النظام السابق وفلوله، إلا أنه باستهداف معارضيه، وعلى رأسهم السلطة القضائية التي أدى يمينه الدستوري مرغما بمحكمتها الدستورية العليا، كان يطمح إلى وضع الأطراف المقابلة له أمام قرارات وسياسات الأمر الواقع، لإزاحة الخصوم من التيارات العلمانية والمدنية، ومن صف طويل من القضاة المزعجين الذين كانوا في عهد النظام السابق في خصومة أبدية مع تياره الإسلامي وجماعته الإخوانية بالخصوص. ولم يجد الرئيس مرسي حرجا، وهو الرئيس الشرعي الذي أدى اليمين الدستورية بالمؤسسة القضائية العليا، وقبلها اليمين الثورية بميدان التحرير، في استهلال قراراته السيادية بإلغاء قرار حل مجلس الشعب الذي كانت المحكمة الدستورية قد أصدرته في فترة الحكم الانتقالي للمجلس الأعلى للقوات المسلحة قبل أن يتراجع عنه، بعد أن أصدرت نفس المحكمة حكما ثانيا يلغي القرار الأخير للرئيس، معتبرة قراراتها القضائية ملزمة لكل الأطراف بما فيها جهات الدولة. ولم يقف الرئيس مرسي في لعبة شد الحبل مع المؤسسة القضائية عند هذا المستوى من التجاذب، بل خلق الحدث الاستثنائي الذي استنهض معه كل أطياف وشرائح المجتمع بين مؤيد ومعارض، وهو يصدر بتاريخ 22 نوفمبر 2012 إعلانه الدستوري المكمل الذي كان بمثابة حزمة من القرارات السيادية الصادمة، لعل أهمها وضع حدود لصلاحيات السلطة القضائية، وتحصين قراراته كرئيس دولة في المرحلة الانتقالية، وإحالة النائب العام السابق على التقاعد، وتعيين نائب عام جديد، ومنع أي جهة قضائية من حل مجلس الشورى أو الجمعية التأسيسية المكلفة بوضع مشروع الدستور، بل وتوج هذه القرارات الانفرادية التي اعتبرها حماية للثورة من خصومها ومن المتربصين بها، بطرح مشروع الدستور، الذي لم تتوافق على بعض مواده جهات في الجمعية التأسيسية، على الاستفتاء الشعبي في فترة زمنية وجيزة، كأنه كان في عجالة من أمره، ولم يرد الاستماع إلى أصوات المعارضة التي حتما سيتأخر معها طرح مشروع الدستور، وسيضطر إلى التنازل في مراجعة وإعادة صياغة بعض مواده، وهذا ما لا يوافق أكثريته في الجمعية التأسيسية وجماعته الإخوانية. وباستثناء أعضاء المجلس الأعلى للقضاء الذي وقف موقفا معتدلا من بعض هذه القرارات، فإن كل فصائل السلطة القضائية من المحكمة الدستورية العليا، ومحكمة النقض، ومحاكم الدرجة الأولى، ومحاكم الاستئناف، ونادي قضاة مجلس الدولة، والعديد من النيابات، قد اعتبرت هذه القرارات في كليتها أو مجملها مسا خطيرا بسلطة القضاء، وتدخلا سافرا في اختصاصاتها، وضربا موجعا لمبدأ استقلالها، ومن ثم قامت قيامة هذه الفصائل ولم تقعد إلى اليوم في حربها الشرسة مع الرئاسة، فمنها من علق أشغال المحاكم إلى إشعار آخر، ومنها من اعتصم بساحات هذه المحاكم، ومنها من رفض الإشراف على الاستفتاء، وقد انتظم الجميع في صف المعارضة، يتهمون الرئاسة بـ’أخونة’ الحكم وتدجين القضاء، ويتوعدون المسؤولين بالتصعيد والمواجهة والعصيان. ولقد كانت النزعة العلمانية، والارتباط العضوي بالنظام السابق، والكره الممنهج لدى كثير من القضاة للتيار الإسلامي الحاكم، مبررا ضمنيا لاشتداد الصراع بين المؤسسة القضائية ومؤسسة الرئاسة الذي يصعب التوقع بنهايته. وإذا كان الشعب، وخاصة أهالي شهداء ومصابي الثورة، ومن قبلهما ضحايا النظام السابق، ينتظرون كلمة العدالة في حق من ثبت تورطه في نهب ثروات البلد، وإلحاق الضرر به وبأبنائه، فإن هكذا علاقة غير متوازنة وغير منسجمة بين سلطة الرئاسة المفوض لها حماية الثورة، وسلطة القضاء التي تسهر على إقامة العدل بين الناس، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تساهم في استقرار أوضاع البلاد، واشتغال مؤسسات الدولة بما يضمن للجميع الكرامة والديمقراطية والتنمية. والخوف يظل قائما بالاستمرار في لعبة استعراض القوة بين السلطة التنفيذية المهيمنة والسلطة القضائية الممانعة، والذي حتما ستسري عدواه بين مفاصل الدولة بكل أجهزتها، وسيمتد إلى قاعات المحاكم وقرارات الأحكام التي ستفرز قطبين في المواجهة: قطب الموالاة وقطب المعارضة، وحينها سيتم فعلا ضرب مبدأ فصل السلط، ومن قبله مبدأ استقلالية وحياد القضاء؛ فالرئاسة أو النظام السياسي الجديد، ومن ورائها تيارها الديني بوجهيه الإخواني والسلفي، تجند أتباعها من المحامين ودعاة ‘الأخلاق الحميدة وحماية المجتمع’ في تقديم البلاغات لدى النائب العام الذي يحرك مساطر المتابعة، والقضاء الجنائي أو الجنحي أو الإداري يفصل في الدعاوى المقدمة والتهم المنسوبة بأقصى درجات الشك المفضي للبراءة. وما لم يتم أخذه في ميدان معركة السيادة بين الرئاسة والقضاء، يكون مسرحا للتجاذب في قاعة المحتكمين، بمن فيهم النيابة العامة التي عينها رئيس الدولة مباشرة ولم يقترحها القضاء الأعلى. وللتدليل على ذلك فقد أصدرت محكمة استئناف الهرم بالجيزة حكما ببراءة الفنان عادل إمام من تهمة ازدراء الأديان في الدعوى التي رفعها أحد المحامين بخصوص إساءة عادل إمام للإسلام في أعماله. كما قضت محاكم أخرى ببراءة الإعلامي باسم يوسف من تهمة السب والقذف وإهانة الرئيس مرسي في برنامجه الساخر ‘البرنامج’ بقناة سي بي سي، وإدانة الداعية عبد الله بدر ضيف برنامج ‘في ميزان القرآن والسنة’ بقناة ‘الحافظ’ بتهمة سب الفنانة إلهام شاهين. وبالمقابل قررت هذه المحاكم وقف بث قناة برنامج ‘في ميزان القرآن والسنة’ لمدة ثلاثين يوما، ورفض توقيف برنامج ‘البرنامج’، وإعادة قنوات دريم من استوديوهاتها التي أوقفها وزير الإعلام. وقضت محاكم أخرى، في سلسلة أحكام متتالية ومثيرة للانتباه وحتى للاستغراب، ببراءة الإعلامي المعارض المحسوب على النظام السابق الدكتور توفيق عكاشة من تهمة التحريض على قتل الرئيس مرسي وإهانته في برنامجه ‘مصر اليوم’ بقناته الفضائية ‘الفراعين’، وبراءة وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني من تهمة الكسب غير المشروع والإضرار بالمال العام، وبراءة صفوت الشريف رئيس مجلس الشورى الأسبق ومن معه من تهمة الاعتداء على المتظاهرين في ما يسمى بموقعة الجمل، وأخيرا قبول دعوى النقض التي تقدم بها دفاع الرئيس المخلوع ووزير داخليته لدى محكمة النقض في شأن إعادة محاكمتهما بعد النطق بحكم المؤبد الاستئنافي. وإذا كانت الأحكام الصادرة لصالح الفنانين لها أهميتها في إنصافهم وحماية أعمالهم الفنية من الأوصياء الجدد المفترضين، فإن إصدار أحكام البراءة المتتالية في حق المحسوبين على النظام السابق، من دون أن يكون هذا التفسير تدخلا في سلطة القضاء، يعتبر مؤشرا على خلل ما في علاقة السلطة التنفيذية المكلفة بحماية الثورة بالسلطة القضائية التي يجب أن تكون شريكا في هذه الحماية دون المساس بجوهر العدل في إقرار وإصدار الأحكام. وهذه الشراكة المنتفية، والعلاقة غير المتوازنة وغير المستقرة بين الطرفين، هي التي فوتت على المصلحة العليا للبلاد فرصة الإطلاع وكشف ملفات ثروات الرئيس المخلوع بسويسرا، حيث قضت إحدى المحاكم السويسرية بمنع المسؤولين المصريين الجدد من تمكينهم من الوثائق المطلوبة في الموضوع حتى تستقر أوضاع البلاد التي تعيش مرحلتها الانتقالية الهشة بعد الثورة، وتعود السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية إلى سابق عهدها في ممارسة صلاحياتها باستقلالية وتكامل وانسجام. ولو كانت مؤسسة الرئاسة وسلطة القضاء، في زحمة صراعاتهما السيادية، التقطتا هذه الرسالة السويسرية بمنظور قومي خارج الحسابات الشخصية الضيقة، لوصلتا إلى نتيجة حتمية مفادها أن المحكمة السويسرية، ومن ورائها المنتفعين من الثروات المصرية المودعة بمصارفها، ليس لها، في شؤون مصر الداخلية، من هم إلا إطالة أمد الثروات المودعة التي يستفيد منها اقتصادها المحلي، ويكون هذا الاستنتاج، على المدى القريب والعاجل، مدعاة لوضع أوزار هذه الحرب الوهمية، وتفعيل قراراتهما السيادية المشتركة في استرداد كافة ثروات مصر المنهوبة التي يحتاجها حوالي 25 في المائة من ساكنة مصر تحت عتبة الفقر والهشاشة. إن الحرب الخفية والمعلنة بين مؤسسة الرئاسة والمؤسسة القضائية، إلى جانب المعارضة السياسية بكل أطيافها، لن يكون الخاسر فيها إلا مصر الثورة التي حلمت، بعد إسقاط النظام المستبد، بالديمقراطية والتنمية التي تكفل لها سلطة الشعب والعيش الكريم، أما الهجوم والهجوم المضاد لكل الفرقاء السياسيين والقضائيين، ومن قبلهم فلول النظام السابق، فلا يمكن أن تجني منه البلاد إلا استمرار نفس الأوضاع المتردية، ونفس شبح الإفلاس الذي يستشري في كل مرافق الدولة وبنيات المجتمع. ولا نعرف أي مصير مجهول سيعرفه البلد إذا تمادى هذا الصراع، وأقدمت المحكمة الدستورية العليا في الأيام المقبلة على إقرار لا شرعية الجمعية التأسيسية ومعها دستورها المصادق عليه، وقضت بحل مجلس الشورى الذي سيدق آخر مسمار في نعش الثورة لا قدر الله.’ كاتب مغربيqmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية