في الحياة ليست فقط صكوك اللعنة!

حجم الخط
0

في الحياة ليست فقط صكوك اللعنة!

فاكتوتوم فيلم مستوحي من رواية لشارل بوكوفسكي:في الحياة ليست فقط صكوك اللعنة!باريس ـ القدس العربي ـ من عبد الله كرمون: كانت الشمس مرهقة، سيارات تعبر نحو الشرق وأخري تعبر نحو الغرب، ثم خطر ببالي ثمة لو كان كل الناس يتجهون نحو نفس الوجهة ثمة لن يحصل بعد ذلك أي خلل . ص 136. ـ لم تقل لي لماذا تريد أن تعمل في محل لبيع ملابس النساء؟ـ لقد أحببت دائما النساء في ملابس نساء . ص60. ـ لا يبدو أنك في صحة جيدة؟ أأنت بخير؟ـ لقد فقدت امرأة.ـ ستجد أخريات لتفقدهن كذلك.ـ إلي أين يمضين؟ ص 233 FACTOTUM قبل أن أصعد من أنفاق الميترو وأصل إلي السينما، كنت في الصفحات الأخيرة لـ Factotum في إعادة قراءة، لاستحضار أجواء الرواية قبل رؤية الفيلم. ما يلزم، إمعانا في بؤس بوكوفسكي، ليس هو الحب ولكن أن نصل إلي رغبات!ثمة دائما مكان لقول فجّ ما بين كتاب وفيلم، فطالما كان أجمل ما يمكن أن يحدث لكتاب هو أن تنحني السينما وتلتقطه بشفتين من حرير ويكون بذلك بعثا رائعا وتحقيقا لأدعية وانزلاقا في جنة ما. كما أن السينما، في مقابل ذلك، متي لم تسيء إلي كتاب، وتجعل غبارا يتراكم علي غلافه في دولاب، وييأس الجميع من جمال وحياة وعطاء؟ ذلك لما لم تكن للسينما أدوات كي تلاعب بتراشقها الحميمي روعة فنية مستعصية وعالية. فاكتوتوم إذن بهذا النحت اللاتيني للسان، هو من يكون في وضع الذي يزاول ويتنقل بين كثير من المهن، ما عكسته حياة هاري تشيناسكي أو بوكوفسكي نفسه بطلا حقيقيا لحياته. إن استيحاء فيلم من رواية من تلك الفصيلة لتعترضه في نظري عثرات كبري، ذلك أنها من تلك الكتابات الحرة التي لا تستدعي بالضرورة تسلسلا خاصا لأحداث ما وروابط محددة، ولا حبكة ملموسة وتقنية، وإن كانت حبكتها وأس أساسها هي حبكة الحياة نفسها بكل خساراتها وفرحها الضئيل، ما لم يكن من السهل تلافي الوقوع فيه لدي إرادة الصناعة السينمائية أومعالجة الفن الروائي من خلال الفيلم.أمر آخر هو أن الرواية في أصلها نوع من اليوميات المرقمة من 1 إلي 87، تثير واحدة واحدة مغامرة تشيناسكي المتكررة والمزمنة للفشل المرتكب والذي يصيب أحيانا هاري مثل عاهة مستديمة لا تجد برءا.إن أغلب روايات بوكوفسكي تعاود الإمساك بوقع الحرمان أو اللذة أو الحظ الذي يضيع دون أن يحط علي قدر بطله، وتكون لها بذلك تلك السمة الأتوبيوغرافية، متحررة بذلك، مثل كتابات أخري، من لعنة الخوف من الكتابة عن منقلبات انهيار حلم ما أو دخول مشؤوم في نفق المهانة.لقد تصرف الفيلم إذن في الرواية واختار المقاطع التي شاء وأهمل أخري، واختار لها خطا كرونولوجيا آخر، ما لم يكن مساس سلب بجسد النص، غير أن الفيلم لم يكتف ب فاكتوتوم كي يتحدث عن تلك الوضعية العسيرة لدي تشيناسكي بل رصع أجزاءه بمقاطع دالة من روايات وأشعار أخري لبكوفسكي، مع أن الفيلم لم يستنفد بعد كل الغني الذي يلتف عليه كتاب فاكتوتوم.إن قدر تشيناسكي آت لامحالة من لعنة أبوية ليست دون تأثير سيء علي حياته، كنوع من الدعاء عليه وأصيب ثمة ولم يقدر قط مذ ذاك أن يقوم من سقطته وانطلي عليه ذلك الوعيد وتحقق ورعاه بعد ذلك نفسه لما أفضت العناية له به، وسلمت له أمر أن يصير ويظل ما صار وبقي. لما عاد إلي البيت العائلي، نظر إليه والده نظرة حادة لمت من كل شراسة الدنيا لهبها وسأله هل يعمل؟ وهل بحث عن عمل؟ ليخلص من النفي الذي صار من أجوبته بأنه لم يستطع أن يتصور بأنه صحيح أن المخلوق البائس والفاشل الذي يري أمامه هو حقيقة من صلبه!إن شخصية تشيناسكي قد جمعت في ذاتها كل العادات السيئة التي يمكن أن يتميز بها كل بوهيمي قاطع طرق اللياقة والبروتوكول الاجتماعيين. فهو الذي ولي ظهره للانضباط المدرسي وعانق الكأس وتعاطي لعلاقات شتي مع كل أنواع النساء. مع أنه مع ذلك ولذلك ربما ظل يحاول أن يرتقي أبعد من سلمة الشعر الأولي لدي كفافي، وإن كان كثيرا ما يستهين بالقراءة ويحاول من حين لآخر أن يوحي لنا بأنه لم يقرأ منذ مدة وإن كان يحمل معه من خلال سفر له بعض كتب هنري ميللر ذلك الشقيق الآخر الذي نحت هو أيضا تماثيله من صخر مقارب. ماط تيلون أيضا كمتقمص، في التمثيل، لشخص بوكوفسكي استطاع إلي حد ما أن يقرب المشاهد من رعونته وصلافته، مع أنه في كثير من اللحظات يخون رخاوة وترنح السكران والمهمل والمستخف بوقائع الاستواء علي الأرض لدي بوكوفسكي، فيبدو ماط تيلون بنوع من شرارة القوة التي لا تخالطها أية لوثة من كل التي صُنع منها الرجل.الفيلم في تلاحق فقرات الكتاب فيه يكاد لا يصدق عليه أنه مأخوذ من الرواية لأنه كما أسلفت فهو نوع من اللحظات التي يبدو فيها تشيناسكي أو بوكوفسكي متشردا أو متعاركا أو سكيرا أو كاتبا أو مطرودا أو كل هذه الفضائل جميعها في آن واحد!في القاعة التي مثَل فيها تشيناسكي من أجل عمل كسائق تاكسي مع غيره من المترشحين لتلك المهنة، والتي رُفض فيها طلبه لأسباب أخفاها لدي تقدمه بملفه تتعلق بسوابقه العدلية المتعلقة بالسكر، بـــدأ مونولوجا جميلا إذ خطر له وهــــــو يري كل أولئك الناس حواليه، بأن ثمة في أمريكا دائما من يطلب عملا ولحسن الحظ بالقدر الذي تتاح فيه دائما فرص إيجاد عمل ما، غير أنه فكر: لو طلبوا منا أن نصطدم ونتعارك ويعمل من ينتصر! قال إنه يريد أن يصير كاتبا ما دام كل الناس كتّابا. لا يعتقد الجميع أن بإمكانهم أن يصيروا أطباء أسنان أو ميكانيكيين، غير أنهم يعتقدون جميعا أنه يُمكنهــم أن يصـــيروا كتّابا. فمعدل خمسة عشر رجلا من الخمسين الحاضرين في هذه الصالة قد يعتقدون أنهم كتّاب. فكل الناس يستعملون ويكتبون الكلمات لذلك فباستطاعة كل الناس أن يصيروا كتّابا. ولحسن الحظ ليسوا كتّابا ولا حتي سائقي تاكسي، وهناك رجال، وما أكثرهم، ليسوا للأسف شيئا يذكر !تتداخل بهذا الشكل إذن كثير من اللمعات الهامة لدي بوكوفسكي ويمنح للمشاهد أو للقارئ أن يحترز من أبخس الكليشيهات وينصت لكلام مخالف وينسي قليلا أن بوكوفسكي وإن كان مرتبطا بالفضيحة، أية فضيحة؟ فإن ما يشكل إسهامه الأدبي قد يكون أكثر هو ما كتب لما ابتلع أكبر الخوابي استدارة ومارس حريته في اليومي وإن كانت كثيرا ما تصطدم بإمساك العصر والسلطة عن مشاغل التسري عن ذئاب الرغبات التي تعوي في أسفل عوالمه وأعلي عُلا ذهنه. فاكتوتوم إذن هو تسجيل كامل لتحولات حياة تشيناسكي ودروبها الملتوية، يغادر عملا ويصل إلي موعده مع آخر، يفرغ زجاجة كحول ويهبط سلالم كي يشتري أخري يضاجع نساء ويفترق معهن ليتصل بمحض صدفة مع جين التي ربطتهما علاقة منحدرة من أعاصير مشتركة، كما أنه يكتب من خلال كل ذلك في تلك الغرف والأزقة وعلي طول الرحيل الدائم كمعني للبعد الفلسفي للفظة فاكتوتوم ، ولا تنشر الصحف والمجلات التي يراسلها نتاجه، وإن تمكن من ذلك بعد مدة ونحن نعرف أن كتبه لم تكن تتداول بسهولة في أمريكا إلا بعد طول إطباق صمت عليها ومنع. يحتاج تشيناسكي كل مرة إلي نوع من العزلة كي ترشح روحه الأسيانة بقلاقلها، ويصب ذلك الغضب المشروع علي سكرتيرة التايمز التي كان يرغب في أن يعمل فيها صحافيا عوض عامل نظافة ويكتب فيها الافتتاحيات ويفضح فيها الفساد الإداري كما يقول غير أنه لم يقض فيها سوي نهار لأنه شاء أن يشرب كأسا أو يضاجع زميلة أو يأخذه النعاس أو غير ذلك من كل استهتاره بضوابط الشغل وغيرها كل مرة. لما عاد لليوم الثاني ليتقاضي أجرة المياومة التي لم تكن سوي إكراهية فإن السكرتيرة لم تف بوعدها وخاطبته قائلة بأن شيكه لم يكن بعد معدا وأبدت تأسفها، ما قابله تشيناسكي بلهجة بالغة الحدة بقوله لها أنها لا تعرف الأسف وبأنه إن كان ثمة في الدنيا من يستشعر الأسف حقيقة فإنه هو! حديث تشيناسكي مع رؤساء عمله غني دائما بأفكار تهكمية عالية عن العلاقة غير السوية التي شاءت طبيعة الصراع الذي يمثلان أطرافه أن تكونه، علاقة استغلال وعداوة. فمجادلته مع مسؤول محل بيع قطع الغيار لم تخل من نفحة فلسفية خاصة لما خاطبه بأنه منح له كل شيء، أي كل ما يملك، بمعني وقته مقابل أجر زهيد، فأكبر ما يملكه الرجل صراحة هو وقته. منحه إذن كل وقته كي ينعم الآخر بكل الرغد الحاصل له بذلك وهو في بيته الفخم بكل ما يحتويه من رفاه. وأكد له أنه إن كان مرة أخري ثمة من يخسر شيئا في هذا الأمر فإنه أيضا هو وليس سواه. ثم خاطبه في الأخير قبل أن يطرد بأنهم، أي أرباب العمل، يحبون كثيرا أن يغبنوا المأجورين حقوقهم وصرخ بأنهم يستوون في ذلك جميعا، أليس كذلك؟ لقد احتشم الفيلم كثيرا في عرض موضوعة الجنس في الفيلم فلم يظهر فيه سوي قليل وإن في أوضاع لا تتيح تملي كل العري ولا كل تقاسيم العملية، كما أنه استغل تقنية التعليق والصوت الآتي من الضمير المستتر الذي يقدر بهاري تشيناسكي أو بوكوفسكي مع موسيقي جميلة أو حتي بعض أغنيات، إذ كما اعترفت له بعض جاراته في خان سكنه مرة بأنها استرقت السمع إلي الموسيقي الجيدة التي يديرها في آلته، فهو مولع بالموسيقي الكلاسيكية ما يذكره كثيرا في جل كتاباته.ليس من السهل أن ينجز فيلم جميل عن كتاب بسيط وجميل غير أن فيلم فاكتوتوم يستطيع، إن لم تكن له سوي تلك الحسنة، أن يعاود بنا زيارة مناطق بوكوفسكي ويجعلنا نرتمي علي ركبتينا في مرحاض قذر ونتقيأ علي بعض مناطق اختلال في الضغط علي الفكر الحر والعودة بنا إلي الخلف كثيرا وراء ماوراء شيوخ المعتزلة. شيء آخر، أخشي أن يكون قد حدث لفيلم بنت هامير هذا مع فاكتوتوم عكس مع حدث لرواية كلينبوم مع فيلم حلقة الشعراء المفقودين ، إذ صنع منها علي عكس الأول فيلما رائعا!هامش أول: قال وليام سارويان، لقد ضيعت حياتي بأن تزوجت نفس المرأة مرتين! بوكوفسكي في: septuagenarian stew.هامش ثانٍ: ينقص دائما شيء، ثمة كأس أو نسمة أو عبارة، وكلما ازداد تمتعنا بالحياة وإلا ازددنا خلقا لها، وازداد إيلامها ! فرناندو بيسوا. 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية