طابع بريدي يحمل صورة نجيب محفوظ
ليس ثمة مندوحة من ذكر أن الكتابة تولد من الخلفية الفكرية العقائدية والأيديولوجية لأي كاتب، مهما حاول مداراة ذلك، بالحرص على إظهار الحياد في هذا الموقف من المشهد المجتمعي بمختلف دوائر حركيته السياسية، الاجتماعية والاقتصادية، لكن ثمة قدرة من عدمها في التخلص من شائبة الاقتيادية للقارئ، والرغبة في استيعابه أيديولوجيا أكثر منه فنيا، وتتجلى في سياق تحريك الشخوص واستنطاقهم، وفق صدى قناعات الكاتب، حين ينقص أو يزيد، وفي الزيادة تلك أو النقصان تتراسم مساحات النجاح والإخفاق في التزام الحياد النسبي، الذي يعطي شرط المصداقية الخطابية، خصوصا للنص، وقد يسهم حتما في إنجاحه فنيا.
وعادة ما يبرز اللاحياد في النصوص المتصلة بمدارس الالتزام في الأدب، التي تأولل (تعطي الأولوية) للقضية على حساب الفن، فتأول الواقع وفق رؤيتها لما حدث، يحدث وسيحدث في مسار التاريخ. واليسار بزخمه الفكري وقوة رفضه للواقع المترسمل (الرأسمالي) كان أقوى من فارَقَ الحياد السردي بمستويات شتى، وقدّم القضية على حساب تحقيق الموضوعية، بوصفها شرطا مهما من شروط نجاح الخطاب السردي، كما أنها مثلما أسلفنا تضفي جمالية فنية على جسد النص وتحت تأمل وتناول المتلقي.
شخصيا ما لفت انتباهي في هذا السياق، هو براعة نجيب محفوظ في التخفي خلف شخوص أعماله، ومقدرته غير ذات مثيل في الانفصال عن إرادتهم وبطشهم داخل عالمه المتخيل، إلى حد يوهمك كما لو أن النص تألف من قناعات عدة لكتاب متعددون وليس من قلم واحد يتفرق حبره بين القناعات.
ففي الحارة حيث تستوطن تناقضات السياسة ومستويات ممارسة الدين والفكر، من مجرد الاعتقاد إلى الاعتمال والتورط الميداني، تشاهَد أبطال أعمال نجيب محفوظ في مطلق حرية التصرف، يعكسون بحق أجواء الحارة وعقلية ومعقولية أو لامعقولية الحركة فيها، ففي «زقاق المدق» التي تعد رائعة روائع نجيب محفوظ، الكل يتحرك وفق النسق الحاراتي وشكل تموضعه في التاريخ، بلا إلباس وتلبيس فكري متصل بوعي مفترض، أو مؤول أو مأمول من الكاتب، ما قد يخل بالتخييل ذاته ويشوه الواقع والنص كليهما مرة واحدة.
ولندلل على ذلك نضرب مثلا في المقارنة بين بطلتي الهروب من الواقع غير المستجيب لطموحهما الاجتماعي والواقعي، حميدة في «زقاق المدق»، ونفيسة في «ريح الجنوب» للكاتب اليساري الجزائري عبد الحميد بن هدوقة.
يظهر انصراف نجيب محفوظ للحياد المعلوم بلا حياد مضمر ينبع من تكوين وخلفية الكاتب وموقفه من الواقع.
ففي «زقاق المدق»، تظهر معالم الحاجة إلى الأفق الحالم، وتغيير نحو العالم الجميل من بساطة وعي الناس وحلمهم بذلك الجمال، دونما تحميلهم مستويات من الوعي بالتاريخ، عبر تحريك فتنة الحضر والتطور ومفاهيم الإنسانية والتقدم، عبر إيحاء المغري، فحميدة شابة مراهقة مندفعة بطبيعتها المطردة نحو الحياة، التي لا ترى لها مثيلا خارج حارة الزقاق (المنطقة الشعبية التقليدية في المدينة) فتظهر داخل النسق العام للرواية منسجمة مع واقع الزمان والمكان، لا تحمل في الوعي بالتاريخ هما أكثر مما يتيحانه لها، ولكي يدلل على بساطة الحلم بالأفق الجديد، يورد الكاتب ذلك اللقاء الصاخب بالعاطفة الغامرة تحت سلم العمارة بين حميدة وعباس الحلو، انتهى بقبلة حارة ألغت كلما سبب وأظهرته حميدة من تحفظ بخصوص شخص عباس الحلو، قبل سفره من أجل تجهيز نفسه للزواج منها.
مقابل ذلك مثلا نجد حالة من الاحتجاج الواعي لدى نفيسة ذات المنشأ الريفي على واقعها، بايراد النقيض المكاني الزماني في العاصمة، وبكونها متعلمة ومستنيرة فاقت باستنارتها تلك واقعها الزمكاني، الذي لم يعد بوسعها تحمله، فضلا عن اضطرارها البقاء والعيش فيه كل العمر مثلما ترغب فيه سلطة البيت الذكورية.
ففي المشهدين، يظهر انصراف نجيب محفوظ للحياد المعلوم بلا حياد مضمر ينبع من تكوين وخلفية الكاتب وموقفه من الواقع، كون اللاموقف غير منطقي الورود في عمل كاتب ينطلق أساسا في نزيف الذاكرة من مصادمة نقدية للتاريخ والواقع، حتى ينتج دافع الكتابة، وهذا بحرصه الشديد على استدعاء التاريخ إلى الحارة وعجنه ببساطة أشيائها، فتغدو تلك البساطة متعاظمة في مأزق الإنسانية عاكسة لقلقها وقلق أسئلتها التي تتقاسمها كل الإنسانية بأشكال وألوان مختلفة، طالما أن الغرائز هي واحدة، فإرادة حميدة في العيش بالزقاق مع عباس حلو ليست إصرارا مسبقا وواعيا منها، فمرة تخبو ومرة تشتعل تمشيا مع تفاعلها الفطري مع الزمان والمكان.
على النقيض من ذلك يبدو بن هدوقة في رائعته «ريح الجنوب» قابضا على النزعة النقدية المرجعية في المركزية للفكر اليساري، وخطاب المعاصرة المصادم لواقع رجعية سلطة الريف الذكورية، في انزياح تام عن الحيادية السردية والإبقاء على أدوات اقتياد القارئ والتأثير في وعيه، عبر بناء وعي نقيض لطبيعة البطلة ليس لتعلقها ببهرجة المدينة، حيث تدرس وحسب، بل لعيب الأصول التقليدية للريف وبنيته الثقافية، فالإرادة واضحة، والموقف محسوم لدى نفيسة، ما يوحي من البداية مآل الأحداث وفق مرجعية الكاتب العقائدية، في الوقت الذي ينجح فيه عادة نجيب محفوظ في استبقاء عنصر التشويق في أعماله، بفضل الحياد الخفي والذكي الذي يطبع الحوارية النصية، وعدم الاستغراق في الوصف لمن يصطنع من شخوص وحركاتهم، لكونهم يجسدون الجانب السلبي في رؤية الكاتب، ما قد يفضح في المحصلة غرضه من خلال النص.
في المحصلة، نخلص إلا أن التحرر من النزعة الأيديولوجية لحظة الاشتغال على مخيال الإبداعي لا يتأتى بالضرورة باللاموقف، في ظل استحالة التنصل من القناعات المؤسسة للشخصية المعرفية والنقدية للكاتب الروائي، وإنما تظل القدرة على الاستجابة للحوارية الحادة بين هذا الكاتب وواقعه، وفق متخيل لا يخرج عن طبيعة الشخوص والأشياء ومنطق تفاعلهما في الحياة، مع توظيف ذلك في الإرادة الخطابية للكاتب، وهو ما يعسر على المتلقي ليس فقط اكتشاف النهاية المسبقة للأحداث، بل أحيانا يصعب من اكتشاف الخلفية العقائدية للكاتب نفسه، وهو ما حصل مع نجيب محفوظ، الذي حار النقاد الفنيون والأيديولوجيون أين يصنفونه، فهو إن كتب حيال موقف ضد الثورة لم يتأكد أنه كان ملكيا ضد ثورة الضباط الأحرار، وإن كتب ضد الاشتراكية فلا شيء قطع بأنه رأسمالي، وحين كتب «أولاد حارتنا»، لم يستطع أحد الدليل على أنه ملحد لا يؤمن بدين، وهذا كله متأت من تلك البراعة في الحيادية التي صارت علامة له، والتي فاقت كونها أداة إجرائية لتحقيق الموضوعية في السرد، بل ترسخت كأداة فنية قلّ من يجيدها.
٭ كاتب جزائري