في الخلفية المظلمة لمؤتمر بغداد: مصارع إنسان الألفية الثالثة تحت أسماء المقدس وراياته الدامية

حجم الخط
0

في الخلفية المظلمة لمؤتمر بغداد: مصارع إنسان الألفية الثالثة تحت أسماء المقدس وراياته الدامية

مطاع صفديفي الخلفية المظلمة لمؤتمر بغداد: مصارع إنسان الألفية الثالثة تحت أسماء المقدس وراياته الداميةلم تعد المسألة إن كانت الحرب الدينية قد بدأت أو أنها قيد التوقع. فالقارة العربية والاسلامية إما أنها تمزقت إلي بقع لاهبة هنا أو هناك، أو أنها أمست مندفعة إلي حوافي الهاوية بما يشبه حتمية قدرية لا راد لإرادتها. وهنا ينبغي أن يتوقف السؤال. ما هي هذه الحتمية القدرية العجيبة التي تحوّل مجتمعات هذه القارة إلي ما يشبه قطعان غنم معدة كلها لمصير الذبح. فهل حقاً فقدت هذه المجتمعات أبسط أشكال دفاعاتها، حتي الغريزية منها، بعد أن تخلت، طوعاً أو قسراً، عن ملكة الوعي بأحوالها، أو أنها مُنعت دائماً من صناعة مصيرها بيدها ولو لمرة واحدة.ليست النخب وحدها التي تأخذ علي عاتقها التنبيه إلي الفتن وأسبابها المفتعلة. أقوالها وكتاباتها لا تكاد تقرع أجراس الإنذار. ذلك أنه، حتي الإنذار، يتطلب لا من يسمعه فقط، بل أن يصدقه أو يفهم مراميه. تعيين العدو لا يكاد يحرك ساكناً. التأشير علي المتآمر الأكبر المكشوف، لا يثير موقفاً. عطالة التلقي جماعية، تُبطل استجابة المسؤولية والتلبية. الجماعة لا ترد، وكذلك كل أفرادها. كأنما الكارثة لم تعد تعني أحداً، إلا عندما تمس النيران أطراف ثوبه، وهو قابع في زاويته محملقاً في الفضاء أمامه. إدمان التطلع إلي الفراغ أبطل حس الحدوث. قراءة السطور فوق المياه السائبة، تمحو معانيها قبل ظهورها.الأمريكي والإسرائيلي حُرَّان في استخدام كل ما في وسعهما من أسلحة التدمير الشامل، في القتل والتآمر؛ ليس هناك قوة ردع ما تحول بينهما والأهداف الهمجية التي يتعاونان من أجلها معاً، بكل دأب وجهد منظم، حتي علي إرغام الضحية أن تغتال نفسها بنفسها. ذلك هو أعلي منهج في جعل الضحايا تنوب عن جلاديها في اغتيال نفسها بنفسها. ما معني الحرب الدينية في هذا العصر، سوي أنها افتعال المجازر الجماعية المتبادلة تحت رايات المقدس، النازفة بدماء الأفرقاء جميعاً. أفرقاء كانوا هم الأقرباء المتشابهين في كل شيء ما عدا الاختلاف حول أسماء المقدس. حروب (العقائد) الدينية هي اقتتالات أهلوية حول لفظيات مرفوعة فوق الرؤوس، من أسماء المقدس وصفاته ونصوصه، بينما حروب الدول (المتقدمة) فهي تدور حول (مقدسات) مادوية، اسمها المصالح الحيوية لمجتمعاتها. ويبدو أن الأمم، الممنوعة والمحرومة من إنتاج نهضاتها الانسانوية، أمست مدفوعة إلي استهلاك امكانياتها (الفذة) ليس في مقاومة التآمر الخارجي، والقمع السلطوي داخلياً، ولكن عبر ممارستها لعبقريتها (الحضارية) في اختراع مقابرها الجماعية، وهندسة شاهداتها المنحوتة من عظام الهياكل البشرية، بأيديها.القارة العربية الاسلامية لم تواجه عبر كوارث تاريخها كلها، ذلك النوع من الخطر الأقصي الذي يداهمها جميعها، بشتي دولها ومجتمعاتها، كما هي حالها اليوم إزاء التهديد بتفجير كياناتها الانسانية والمادية من أعماق جذورها التاريخية والعقائدية. ذلك أن أقوي قوة في العالم، إمبراطورية الأمركة، راحت تضع مصير بقائها أو زوالها، رهناً بمصير الصراع مع هذه القارة، وحدها بالذات، ومن دون أقطاب القوي الكبري الآخرين. فقد انتهي الفكر الاستراتيجي الكوني لدي قادة الأمركة إلي اعتبار أن الاستيلاء علي هذه القارة، بعد تصحيرها من دولها وحضاراتها البائسة أصلاً، هو الكفيل وحده بهزم أقطاب القوة الآخرين المنافسين وجعل منافستهم تلك، المفترضة مستقبلياً، غير ذات موضوعٍ منذ الآن. فالتحسّب للعقود بل للسنوات القادمة أمسي المحور الأساسي لذلك العلم الآخر الذي يمكن تسميته باقتصاد الوجود، وليس فقط بالاقتصاد المالي المعروف. وهو العلم الذي يتخطي حدود الاستراتيجيات المرحلية. ذلك أن تبصّر المستقبل يعلن بكل بساطة أن البشرية، ربما أمست تعيش المرحلة التي ليس بعدها زمن مرحلي آخر. استراتيجيات حروب الإنسان ربما وصلت إلي أعتاب تلك الحرب الكونية الأخيرة، العظمي الأفظع من كل عظمي: تدمير البيئة حيثما ستتولي حينئذ، أُمّنا الأرض، بذاتها أخيراً، تنفيذ أعلي شرعة في الانتقام الشامل ممن قد يتبقي من سكانها، النخبة المنتصرة؛ هؤلاء الخونة البرابرة الذين كانت منحتهم أفضل سبل الحياة، من الماء الزلال والهواء النقي، من كرم الحقل والبستان والغاب، وهم ردّوا علي مكارمها بإطلاق رياح السموم، وسحق الوردة والعصفور والغصن والشجرة، وذلك بتسييد قانون التصحير وحده ضداً علي كل أسباب المدنية الحقيقية العادلة.إن قتل آخر رموز العدالة من مسيرة المجتمع الدولي، يصير المدخل الحتمي لقتل البيئة الحية. فحيثما لم تعد في طاقة أية شرعة دولية أن توقف تصاعد البربريات البدائية، المقودة بأخبث تخطيط منهجي، وإدارة أحدث تكنولوجيا في تصنيع وإدارة الكوارث الشعبوية، دون تمييز بين مجتمعات متقدمة وأخري متخلفة، في هذه الحالة فإن استهلاك مدنية الإنسان، بتأبيد مرحلة البربرية كما لو كانت هي المحصلة الأخيرة لكل حضاراته، لن تترك ثمة سلطة ما للعقل قادرة علي ردع المصير المحتوم لموت الإنسان والطبيعة معاً.أليست الأمركة، المتجلية في ذروتها مع (البوشية)، تعتقد أن المسيح لن يعود إلي الأرض إلا إذا سادتها إسرائيل وحدها. لكن عندما سينزل حقاً من عليائه، لن يلقي تحته إلا عالم الصحاري، وأسراب الغربان الجاثمة علي بقايا الهياكل العظمية التـــي كانت بشراً.الجحيم العراقي الذي يديره زبانية الاحتلالين الأمريكي والاسرائيلي، ليس سوي تمارين أولي للنموذج الكارثي اليومي، الذي يراد تصديره إلي عموم قارة العرب والاسلام. لكنه هو ذاته سيكون النموذج الذي ينبغي لسياسة العالم أن تعتاده كما لو كان هو المضمون الحقيقي للأمركة المعممة علي المعمورة. بالمقابل يفرض هذا السؤال نفسه علي نخب الوعي في كل مكان: إلي متي يتفرج العالم علي كوارثه، إلي متي يظل حقلَ تجارب لأوحش وحوشه. هناك من يقول ان العالم الذي عجز عن منع الغزو الأمريكي للعراق، ربما لن يظل هكذا عاجزاً عن معاقبة الأمركة، الحد علي الأقل من عربداتها، بابتكار بعض الفكر الحاسم في مواجهة البربرية المرتدة علي أحصنة الغيبيات الغابرة.لن يكون القرن أمريكياً، وإلا لأصبح عصراً لحروب الأديان وحدها. فكلما تماهت الأمركة مع الأسطرات الاسرائيلية علي الطريقة البوشية، كان ذلك إيذاناً أنه لم يعد ثمة حدود لتعميم الجحيم العراقي، ليس في محيطه فحسب، ولا في قارته، بل هو النذير بانهيار الأسس التاريخية والحضارية الداعمة لثقافة السلام العالمي. كأنما الألفية الثالثة قادمة علي ذلك النوع المستحيل من الاقتتالات الشاملة، علي نوع الحروب الأهلية الكونية. وفيها تندثر تباعاً أنظمة المجتمعات والدول، وتتلاشي خطوط التمايز بين التقدم والتخلف. يصير الجميع سواسية في عراك الغرائز البدائية وحدها؛ ثم إن الثمرة العليا لتطور المعرفة، التكنولوجيا، سوف يتم احتكار عبقريتها في إنتاج أسلحة التدمير الشامل، وكل نتاجاتٍ تقنية أخري سوف تكون أدوات مساعدة لها؛ كما أن العقل التقني سيكون سيد العقول، بما يبتكره من فنون المهالك الكبري وتعميمها.لكن صنّاع المهالك لا يدركون أنهم لن يلبثوا حتي يصيروا إلي المصنوعين بمضاعفاتها. ها هو، علي سبيل المثال أحد كبار أساتذة هذه الصناعة الشيطانية، هنري كيسنجر، يغدو فجأة منظراً للدبلوماسية المطلوبة راهنياً لمعالجة وعثاء المأزق العسكري في العراق. فيكتب مؤولاً هذا الضرب من الدبلوماسية الهادفة هذه المرة لا لقرع طبول الغزو ودعمه، منذ بدايته وطيلة تعثراته، بل يريد تسويغ الهزيمة، ولكن بشرط أن تظهر علي عكـــس مضمونها، أي كما لو كانت ثمرة لنصر لا يعرفه إلا هو وتلميذه النجيب بوش.وبالطبع يُؤخذ علي إدارة بوش من قبل منتقديها الأمريكيين أنها اعتمدت القوة العسكرية وسيلة لإحراز انتصارات من جنسها، دون أن يكون لها مردود دبلوماسي، أو دون أن تسمح لها بتصحيحها عندما تتعثر، أو مساعدتها عندما تحتاج إلي العون من خارج منطق العنف المباشر. لكن كيسنجر، وفي مقال أخير له، لا يمكنه التعامل مع الدبلوماسية إلا كوسيلة للحرب وإن بطرق أخري، حسب تعريفها لدي (كلوز÷يتز)، المنظّر الأول لثقافة الحرب، ومن يتخذه كيسنجر بمثابة مرجعه المركزي، في نهجه النظري كما العملي. وعلي هذا فإن كيسنجر يذكّر تلميذه بوش أن أوروبا، بعد حرب الثلاثين عاماً الشهيرة بين دولها، نظمت مؤتمراً دولياً تُنهي به القتال الذي أنهكها. أي لم يتبق أمامه إلا الجلوس مع من كان يعتبرهم من خصومه من دول المنطقة، كسورية وإيران.أما السؤال الحقيقي في هذه الحقبة من الدبلوماسية الإقليمية ـ الدولية، فهو إنْ كان كيسنجر نفسه، وقبل بوش، صار يعتقد فعلاً بإنهاء منطق الحرب من المنطقة العربية، أم أنه ينصح فقط باللجوء إلي المناورة السلمية، لحماية الانسحاب الأمريكي العسكري من العراق، دون أن يسحب معه مشروع دماره وتقسيمه وتوالد المهالك الأهلوية بين شراذمه إلي ما لانهاية بانتظار لحظة تفجير المشرق كله مذهبياً وعرقياً وجهوياً، كمدخل لن تتخلي عنه الأمركة، حتي إلي ما بعد البوشية، وكبوابة عبور لمشروع الشرق الأوسط الجديد وخارطته التقسيمية لما هو مقسّم، والتفتيتية لما هو مفتت.إن مكافحة الردَّة نحو المهالك الدينية، ليست هماً عربياً وإسلامياً فحسب، بل تصير المعادل اليوم لكل ما تعنيه استعادة ثقافة التنوير، علي ألا تكون حكراً لحضارة واحدة معينة؛ إذ عليها أن تبني مجدداً ما يشبه خط الدفاع الأخير بصفته الكونية الجامعة وليست المفرقة؛ وذلك ضداً علي عودة البربرية علي أنقاض مدنية لم تستطع أن تتعرف إلي آلهتها الحقيقيين إلا عَبْر تحفيز شياطين الأرض ضد إنسانية الحق والخير والجمال.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية