تمر في الثاني من شهر فبراير/شباط الذكرى السنوية الأولى لرحيل الروائي العراقي علاء مشذوب، الذي اغتيل وسط مدينة كربلاء من قبل عناصر كانت تستقل دراجة نارية في أحد أزقة منطقة باب الخان، التي حملت عنوان واحدة من أهم رواياته «جمهورية باب الخان». وقد شكلت عملية الاغتيال في حينها صدمة كبيرة ليس في العراق وحسب، بل في الأوساط الثقافية العربية والعالمية، بما فيها الأمم المتحدة والولايات المتحدة، وحتى الاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية.
السؤال الذي يطرح اليوم.. ماذا شكلت عملية الاغتيال على مشهد السردية العراقية؟ وهل شكلت نوعا من الإحباط لدى المثقف العراقي؟ وكيف يمكن أن توصف عملية الاغتيال ذاتها؟
مدوّنة الموت
الروائي وارد بدر السالم يقول، لم يكن علاء مشذوب أول المسجلين أسماءهم في مدوّنة الموت الكبرى التي تجري في العراق. ولا آخر الراحلين عن مشهد الحياة العراقية في سردياتها المثيرة للأسى، لكنه كان أحد الذين يواجهون هذه المدوّنة بضمير يقظ وشهادة صادمة، قالها في أكثر من مناسبة وأكثر من رواية، لذلك دفع حياته ثمناً ليكون شاهداً حقيقياً في مرثاة البلاد الكبيرة. بعد أن كان شاهداً محايثاً للجريمة. فمقتل مشذوب ــ السينمائي جداً ــ كان علامة من علامات انهيار الآخر المنطوي تحت راية دينية متطرفة، وافدة من خارج مدينة كربلاء، لتكتب صفحة دموية من صفحات الغدر التي تتستر تحت غطاء ديني غير قادر على المحاورة والحوار، في جدلية الحياة العراقية المعقدة. وبالتالي فإن القتلة الأميين، الذين أطلقوا رصاصهم على جسد مشذوب لم يصيبوا روحه بالضبط. والدليل أن رواياته بقيت حية وذكراه غير ملتبسة علينا. وحضوره الأمين شاخص على مدار الوقت.
علاء مشذوب كان ضحية وضع سياسي ملتبس جداً. وضحية تطرف ديني سلبي هوائي بلا فكر جدي، لأن منفذي الاغتيال هم ضحية بالنتيجة لذلك التطرف الأعمى. وأن القتلة لم يعرفوا مشذوب ولم يقرأوا له حرفاً، ولم يستوعبوا أن مقتله صحوة للجميع، لأن يتلمسوا الخطر الوافد من خارج مدينة كربلاء. لتضييق مساحة الدم ومحاصرة الموت المجاني الذي تطلقه كواتم الصوت في سردياته الحمراء، التي ما تزال تنال من مثقفي ومتعلمي وصفوة أدباء البلاد. وما تزال المدوّنة مفتوحة.. للأسف!

علامات بارزة
أما الروائي حميد الربيعي فقد عد عملية اغتيال علاء مشذوب استمرارا للمنهج، الذي كان متبعا أيام الدولة القومية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، إذ تتم التصفية الجسدية للخصوم، بالذات المثقفين، ضمن مفهوم المصلحة العليا للسلطة الحاكمة، في تلك الفترة لم يكن ثمة مجال للرأي الآخر، على اعتبار أن كل شيء يجري «من أجل المعركة» وهو مفهوم تكرس بمرور الزمن، وأصبح شاهدا تاريخيا على تلك الحقبة وأهوالها. في هذه الفترة، رغم التغيير الذي حدث في بنية المجتمعات وسقوط الدولة القومية، ونهوض الإسلام السياسي، لم تتغير تلك الذهنية في قتل الآخر، على اعتبار أن المفاهيم التي تطرحها دولة الإسلام السياسي لا تختلف كثيرا عن الدولة القومية، عدا الإيمان الراسخ لدى معتنقي الإسلام السياسي، بأنه على حق، وأن الآخر المناوئ هو الخائن دينيا واجتماعيا وسياسيا، لهذا أصبحت ظاهرة الاغتيالات مشاعة على نطاق واسع في هذه الفترة، على عكس من الدولة القومية، حيث كانت التصفية تتم على أيدي رجال المخابرات، في حين تنتشر الآن العصابات والميليشيات بدون رادع أخلاقي أو إنساني، مادام التقييم على أساس الدين. فعملية اغتيال علاء مشذوب نقطة مفصلية في التاريخ العراقي الحديث، بالذات في جانبه الثقافي والمعرفي، فالرجل لم يكن معارضا سياسيا، بقدر ما كان يبحث وينقب في تاريخ المكان، في مدينته التي تعج بالحوادث والذكريات، وما ورد في روايته «باب الخان» التي كانت سببا في مقتله، إشارة عابرة، إذ أشار إلى مكان كان يسكنه أحد رجال الدين، هذه الجملة بحد ذاتها لا تشكل أي إدانة، لا إلى الكاتب ولا إلى رجل الدين، بقدر ما كانت تؤرشف للمكان وأحداثه. اعتقد أن التضامن المحلي والعربي والعالمي مع حادثة الاغتيال تؤكد فداحة الأمر، وهي وإن لم تفل من عضد المثقفين، لكنها شكلت صدمة مروعة تدلل على نوعية التغيير التي طابعها قتل الآخر. سيبقى علاء مشذوب ذلك الإنسان الرائع بأخلاقه وكتاباته، وسيبقى نبشه في ذكريات المكان واحدة من العلامات البارزة خلال هذه الفترة في السرد العراقي.
قد تنزل الصواعق على رؤوسنا في العراق كأننا البقعة الوحيدة في الكرة الأرضية التي لا تغادرها المآسي والخسارات، لا يمر يوم من نصف قرن لليوم إلا وتحمل الأكتاف شهيداً تطوف به مدننا المنكوبة بالأحزان.
يوم استثنائي
الناقد علي حسين يوسف يقول.. كان الثاني من فبراير من العام الماضي يوما استثنائيا للثقافة العراقية بصورة عامة، ليس لأن الموت اختطف روحا حميمة قريبة منا جميعا، وليس لأن يداً مجهولةً اقتطعت ذاك الغصن من شجرة الأدب العراقي، إنما شكّل اغتيال علاء مشذوب بالنسبة لنا جميعا، حادثا مروعاً، لذا ليس من المبالغة القول إن وطأة رحيله كانت معادلا موضوعيا لصحبة دامت سنوات طوال، ولجولات في شوارع كربلاء، وجلسات صاخبة وحيوية في مقاهيها ونواديها، لم يُترك فيها موضوعُ إلا ووضع على طاولة المناقشة، فمن عادة علاء أن يسأل عن كل شيء مهما صغر أو كبر، فقد ينشغل ساعات، وربما ينشغل أياما في مسألة تبدو للبعض تافهة لا تستحق التفاتة، وربما يقوده انشغاله إلى الكتابة عنها صفحات أو مقالا عامرا إلى الحد الذي قد يتساءل المرء ماذا كان يقصد علاء من كل ذلك؟ إلا أن السرّ بالنسبة لنا واضحٌ ومعروف، فمشذوب وظّف قلمه لتدوين كل ما صادفه أو شاهده أو مارسه أو سمع عنه، وهكذا كانت كتاباته كلها بدءاً من «ربما أعود إليك» ومروراً بـ»زقاق الأرامل»، «خليط متجانس»، «مدن الهلاك»، «فوضى الوطن»، «جريمة في الفيسبوك» وانتهاء بـ «حمام اليهودي» و»موجز تاريخ كربلاء» و»شيخوخة بغداد».
ميتة أولى
الروائي محمد علوان جبر تساءل منذ البدء قائلاً.. لا أعلم لماذا يخاف الملثمون الأولاد المرحين؟ كذلك لا أعلم لماذا يضعون آذانهم قرب ذبذبات الأثير وهي تنقل لهم قفشات الأولاد الساخرين، الأولاد الذين كبروا ولم يتخلوا عن مرحهم وجمال أرواحهم؟ هكذا كان العزيز الراحل علاء مشذوب، وضع تحت مرقاب أولئك الملثمين، وهم يتابعون مرحه وشغفه بالإبداع والنشاطات الثقافية .أذكر ذات مرّة أنني استغللت إدارتي لجلسة أدبية، وناديت على اسمه ليشارك، وبلا تردد نهض مرتجلاً كلمة رائعة عن الرواية العراقية، وكونها سجينة حدود شارع المتنبي، ولهذا يجب أن نعمل على إطلاقها عربيا وعالميا. ووسط نكاته الجميلة كان يعدد إصداراته واهتماماته الجمالية مسرحا وسينما ورواية وقصة وريبورتاجات صحافية. فتوالت إصداراته الروائية التي كرسها لمدينته ووطنه، مدينة كربلاء التي حملت روايته «جمهورية باب الخان» اسم الشارع الذي اغتيل فيه ليلا من قبل ملثمين! ولهذا أعيد سؤالي: لماذا يخاف القتلة الأولاد المرحين المنتجين الكبار في أرواحهم وعقولهم؟
صدمة كبيرة
في حين يقول الروائي عمار الثويني، عملية اغتيال علاء مشذوب، شكلت صدمة كبيرة جداً لمشهد السردية العراقية لعدة أسباب، أولها شخصية علاء التي كانت، رغم معرفتي به لعدة سنوات، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، في غاية اللطف والرقي والتواضع والإنسانية، حيث يتقبل الرأي الآخر بكل رحابة صدر. وثانياً قرأت له عملين «حمام اليهودي» و»بائع السكائر» وأقولها صراحة إنه صاحب قلم بارع، ومعرفة معمقة بفن الرواية والأدب ويمتلك مشروعاً سردياً متكاملاً، ولكن للأسف تم الإجهاز عليه وهو في قمة عطائه ونضجه. وثالثاً إننا جميعاً لم نتوقع أن يصل الأمر إلى اغتيال روائي وأديب معروف فقط لأنه كتب منشوراً بسيطاً حول موضوع معين لم يعجب الآخرين، أو اختلفوا في فهمه أو تفسيره. كنا نظن أن عصر التصفيات قد ولى، بعد أن خسر المشهد الادبي والثقافي العراقي أقلاماً فذة مثل المرحوم حسن مطلك وشفيق الكمالي وعزيز السيد جاسم وغيرهم من الأقلام اللامعة. فعملية الاغتيال الجبانة شكلت إحباطاً كبيراً على المثقفين العراقيين بشكل كبير، لطريقة ومكان تنفيذها وهوية الضحية، باعتبار أن العراقيين يعيشون في كنف دولة ديمقراطية، كفل الدستور حق الجميع بالتعبير عن آرائهم بحرية، وبدون خوف بعد تجربة مريرة مع النظام السابق. لكن ما جرى فاق مديات التصور الإنساني وبعث برسالة أن المبدعين والمثقفين هم الطبقة الأكثر استهدافا من جانب الدول الشمولية الديكتاتورية التي لا تتقبل أي رأي يخالفها.
القنديل في سماء الأدب
الباحث والناقد صباح محسن كاظم يقول قد تنزل الصواعق على رؤوسنا في العراق كأننا البقعة الوحيدة في الكرة الأرضية التي لا تغادرها المآسي والخسارات، لا يمر يوم من نصف قرن لليوم إلا وتحمل الأكتاف شهيداً تطوف به مدننا المنكوبة بالأحزان. الشهيد علاء مشذوب خسارة رجل بوطن ووطن برجل حمل همومه بالأدب، ووظف قلمه لمعاناة المجتمع، إنه ثروة سردية، وتحليل بقمة الوعي للرسالة التلفزيونية والسينمائية برؤى معاصرة، إن قتل علاء وأد للمشروع الثقافي الحر، وطمس كلمة الحق، وإرهاب المثقف، ومحاولة بائسة لتفرد السياسي، والأحزاب بمشروعهم البائس بسرقة الوطن. وأقول.. نم قرير العين صوتك يدوّي بالرفض في ساحات الاحتجاج يُطالب بالحقوق، وعراق آمن للمثقف فيه الدور الفاعل، لا للميليشيات، ولا للسراق، والغرباء.. وطن خالص للفقراء وكل من يحب العراق.
٭ كاتب عراقي