علاء الدين الأعرجي
هذه مجرد خواطر متناثرة من وحي الحوار مع المفكر الكبير، الفقيد محمد عابد الجابري، مع محاولة ربطها بالثورة العربية التي انبثقت بعد وفاته بأشهر، وذلك بمناسبة الذكرى الثانية لرحيله. 1 ـ مقتطفات من أقوال الجابري أثناء الحوار:- إسرائيل ستنتهي بعد خمسة عقود. – الوطن العربي في خير، وسيلحق قريبا بالغرب. العرب سيحققون وحدتهم المنشودة حالما ‘تَشْبَعُ’ البلدان العربية من قطريتها الضيقة.- الغرب هو الذي أفسد في الماضي مشروع الإصلاح الليبرالي، الذي يدعو إليه اليوم، في البلدان العربية.- عرب الخليج لا يمكن أن يتطوروا حضاريا كصناع ومنتجين، بل يمكن أن يكونوا تجارا ومضاربين كما كانوا وكما اصبحوا اليوم. فضلا عن أنهم يعتمدون اليوم على اقتصادهم الريعي الناتج عن النفط. وهنا نعود إلى انطباق مفهوم ‘الغنيمة’ عليهم.- علاقتنا مع الآخر هي علاقة العبد بالسيد. – خذ الحكمة من أفواه الحمقى: أوروبا صُدمت بقول ‘أحمدي نجاد’: امنحوا اليهود دولة في أوربا، إن أردتم التكفير عن سيئاتكم.- هذا ‘المؤتمر القومي العربي’ يشبه المؤتمر اليهودي الصهيوني الذي تأسس في ‘بازل’في عام 1898. فهذا المؤتمر الأخير دعا إلى إنشاء دولة يهودية على أرض فلسطين، وحقق بعض أهدافه نسبياً، والمؤتمر القومي العربي ربما سيحقق أهدافه في تحقيق الوحدة العربية بعد مرور 100عام.- لم يحصل في التاريخ البشري أن بلغت مقاومة العدوان الخارجي هذا الشكل من التضحية والفداء، بحيث يتحول الإنسان ذاته إلى قنبلة بشرية.- قلتُ قبل سنوات أن إسرائيل ستفشل في تحقيق حلمها في إنشاء دولتها على الأراضي الممتدة من النيل إلى الفرات، بعد عشر سنوات، وهذا ما حصل فعلا الآن. وإسرائيل عاجزة عن تحقيق أبسط متطلبات وجودها المتمثل بأمنها.- يجب أن لا نتمنى سقوط الغرب والحضارة الغربية، هناك كثيرون ممن يتمنون هذا، ويحولون التمني إلى تنبؤ بل إلى واقع.- التاريخ يصنعه الحمقى أحيانا من أمثال جورج بوش الابن والمحافظين الجدد وأحمدي نجاد.- يمكن أن نحقق اليوم الثورة بواسطة امتلاك العلم والمعرفة. والمؤشرات على أننا بدأنا في ولوج هذا الطريق واضحة، لا تحتاج إلى كد الذهن من أجل إبرازها.- لم يتغير شيء يذكر في العالم العربي منذ القرون الوسطى سوى الوعي. ** *2 ـ الحوار والثورة في لقائي مع المفكر الفقيد محمد عابد الجابري وحواري معه، في 7/5/ 2006 ، على هامش الدورة السابعة عشرة لـ’المؤتمر القومي العربي’ المعقودة في الدار البيضاء، خلال الفترة 5-8/ 5/ 2006 (المقال منشور في صحيفة ‘القدس العربي’ في 18/7/ 2006)، ذلك الحوار الثرّ الذي تضمن جوانب عديدة وأبعاداً عميقة، تتجلى في كثير من النقاط المهمة التي تناولها. وكان ذلك في أعقاب السؤال المركزي الذي طرحته، فيما يتعلق بمصير الأمة العربية، بوجه عام، واستشراف مستقبلها الغامض بل المظلم، بوجه خاص. هذا المستقبل الذي شرحته بتوجس يكاد يصل إلى حدّ اليأس في مقالات متعددة. ولكنني أسهبت في تحليله وتوضيحه في كتابي’أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي’، ولاسيما في فصله الأول تحت عنوان’ الخيار الحاسم؛ النهضة أو السقوط’، الذي تضمن 17 مؤشراً على بوادر انقراض العرب، كأمة ذات كيان متميز، ولو بعد حين، كما انقرضت سابقاً 14 أمة/ حضارة في التاريخ البشري المعروف، وهذا ما يؤكده المؤرخ/ الفيلسوف أرنولد توينبي A.Toynbee في كتابه الموسوعي’ دراسة للتاريخ Study of History’ 13مجلدا. وأستدرك فأقول إن تحرزي كان في محله، عندما طرحت ذلك الخيار الحاسم على أبناء الامة العربية: ‘ فإما ‘النهضة’ المنشودة، التي فشلنا في تحقيقها، رغم جميع الجهود التي بُــذلت لتفعيلها لأسباب ذكرتها في الكتاب، وإلا ‘فالانقراض التدريجي’ قَدَرُها أو نهايتُها، كما حدث مثلاً للحضارات السومرية والأكدية والكنعانية والبابلية والآشورية واليونانية، بالإضافة إلى الحضارة الفرعونية، التي ظلت على فراش الموت البطيء اكثر من ألف عام. علماً أن معظم منجزات تلك الحضارات، ظلت تعيش معنا، بشكل أو آخر، ولكنّ المجتمع الذي يحملها او ‘الوحدة المجتمعية’ بتعبيرنا، ككيان متميز، اختفت، أو تسرب أعضاؤها تدريجيا وبمرور الزمن إلى مجتمعات جديدة نمت وتطورت، وحلت محلها. ويطول الحديث في مسألة التمييز بين الحضارة ككيان وأمة، والحضارة كثقافة ومنجزات تظل مؤثرة في الأجيال اللاحقة، (انظر مثلاً الكتاب المهم لنوح كريمر ‘التاريخ يبدأ في سومر’ S.N.Cramer، History Begins at Sumer ) فضلا عن مسألة وحدة الحضارة البشرية كسلسلة متكاملة، يكمل اللاحق السابق، ولكن كل هذا يبعدنا عن صلب الموضوع. بيد أنَّ هذه الثورة العربية الشعبية الكبرى التي أسقطت ثلاثة من أهم الأنظمة العاتية في الوطن العربي، والتي ما تزال مستمرة، بشكل أو آخر، في مختلف أرجاء الوطن، أعادت بعض الأمل إلى النفوس الحائرة، من حيث أنها قد تعتبر فاتحة لنهضة تستطيع أن تنقذ هذه الأمَّة من هذه الغـُمَّة، بتوفر شروط معينة، وما لم تنجح القوى الخارجية التي تضررت مصالحها، بالتضامن المباشر مع فلول الأنظمة السابقة، في إجهاضها في مهدها، وربما بالتعاون مع القوى الرجعية الراديكالية في الداخل، التي قد تكون مجندة ومدعومة من الخارج أيضا، أو التي يصدق عليها القول المأثور’ يفعل الجاهل بنفسه مالا يفعله العدو بعدوه’. 3 ـ عودة إلى الحوار نعود إلى حواري مع الجابري، الذي أشرت فيه بصراحة، إلى بعض النقاط الخلافية معه. وقد تقبل استاذنا الدكتور الجابري نقاط الاختلاف تلك برحابة صدر. علماَ أن هذا الاختلاف، لا يتناقض مع تقديري الكبير له، كما قد يتصور البعض، بل يؤكده ويدعمه، إذ يعزز فضل الجابري في الريادة الفكرية لمعالجة أدواء الأمة، فيأتي تلامذته لتتمة ‘المشوار’، ليس من خلال اتباع فكر ذلك الرائد، كما هو، بل بالأحرى زيادة اعتباره، بتمحيصه ونقده. ففي كتابه ‘البيان والتبيين’ يقول الجاحظ:’ … حكاية الثاني علم الأول، وزيادة الثالث في علم الثاني….’.(ج3، ط1932 ص20 ) وكقياس مع الفارق الكبير: لو قلد إفلاطون أستاذه سقراط، أو قلد أرسطو أستاذه إفلاطون لما تقدمت الفلسفة اليونانية ووصلت إلى ذروتها في عصر أرسطو. وبالإشارة إلى المقتطفات الواردة في مطلع هذه المقالة، فقد تمالكت نفسي عن إثارة عدد من التساؤلات والتعقيبات بل الاعتراضات على بعض هذه الطروحات، التي جاءت في سياق الحديث، وذلك حرصاً على اغتنام الفرصة لاغتراف أكبر قدر ممكن من آراء الأستاذ الجابري، بشان المحور الرئيسي للموضوع. وأقصد به ‘مصير هذه الأمة’، مع ملاحظة محدودية وقته الثمين، بوجه خاص، ووقتي المرتبط بأعمال المؤتمر القومي العربي، في المقام الثاني.
وسأتعرضُ فيما يلي إلى جزء يسير من الحوار المسهب، بقدر ما يتيحه المقام. ذلك الحوار الذي سجّلتُه بالصوت نصاً، ثم حررته بدقة وأرسلته بعد ذلك إلى الدكتور الجابري، مع التقدير، راجياً منه بيان ملاحظاته أو تعديلاته، وموافقته على نشره في صحيفة ‘القدس العربي’ الغراء. ثم تسلمت رسالته الجوابية بالموافقة بعد أيام قليلة، بدون إجراء أي تعديل.
خاطبته في بداية اللقاء الثاني قائلاً: ‘في لقائنا الأول، الذي كان مرتجلاً، إلى حد بعيد، حين سألتكم عن استشرافكم مصير هذه الأمة المنكوبة، وأنا أقول منكوبة ليس بالآخر فحسب، بل منكوبة بأهلها أيضا، فهمتُ من إجابتكم، التي اعتبرتها غير شافية، آنذاك، أنك كنت متفائلاً، أكثر مني على الأقل، لو صح فهمي. فرجائي أن توضح وجهة نظرك اكثر في هذه المسألة الخطيرة؟
أجاب فأسهب: ومما قاله في الخلاصة ‘نعم، أوضاعنا في العالم العربي سيئة ما في ذلك شك، لكنها ليست أسوأ من كثير من بلدان إفريقيا’. ولئن اعترفَ أن البلدان العربية، بوجه عام، لم تتغير، فقد أضاف:’ وفي المغرب نلاحظ نفس الشيء (أي كبقية البلدان العربية) إذ نرى الآن عمراناً وتقدماً على مستوى المظاهر، مقارنة بما كان عليه الأمر في الخمسينيات، لكن الشعب المغربي في البوادي، وضعيته هي هي، كما كانت قبل مئات السنين. وإذا انتقلنا إلي البادية فكأننا ننتقل إلى القرون الوسطى، وهذا شأن العالم العربي بأسره. ودليلنا على ذلك هو أن المحراث الخشبي ما زال إلى اليوم مستعملاً في كل أرجاء هذا الوطن. فماذا تغير؟’ قلت مستدرِكاً: ‘هذا هو مغزى سؤالي الرئيسي لكم: ماذا تغير؟ ‘ أعني عندما سألتكم عن استشراف مستقبل أمتنا ومصيرها، أخذت بنظر الاعتبار أن شيئا لم يتغير. فبينما العالم، على صعيد الطرف الآخر، يتغير بسرعة هائلة. وفي المقابل ترانا ما نزال نعيش في القرون الوسطى أو قبلها، في كل شيء تقريبا، كما تقول الآن، باستثناء المظاهر السطحية مثل البنايات واستخدام الوسائل والآلات الحضارية/ التكنولوجية الحديثة، ولكن كمستهلكين وليس كمنتجين أو مبدعين، بل ولا مساهمين بأي قدر أو شكل’. أجاب قائلا: ‘الذي تغير ويتغير هو الوعي، هو أن نعيش القضية على صعيد الوعي سواء في مرحلة الأحلام أو في مرحلة الآلام!’4 ـ دور الوعي في إشعال الثورة وسأتوقف عند نقطة ‘الوعي’ المهمة، التي لم أولها حقها من الانتباه في ذلك اللقاء الذي جرى مع الجابري، قبل عدة سنوات، فأتوسع بشأنها بمناسبة الأحداث التي جرت بعد وفاته بعدة أشهر، حين اشتعلت ثورة عربية شعبية تلقائية كاسحة أسقطت رؤوس ثلاثة أنظمة، كانت تعتبر من أقوى وأعتى الأنظمة القمعية في العالم. وهذه الثورة، ما تزال قائمة في طول البلدان العربية وعرضها، بشكل ظاهر (سورية اليمن البحرين)، أو غير ظاهر، كالجمر تحت الرماد؛ (الأردن المغرب الجزائر العربية السعودية العراق فلسطين بلدان الخليج…). فأنا أتفق الآن مع الأستاذ الجابري، الذي انتبه إلى أهمية ‘الوعي’، حتى في تغيير مصير الأمة كما أعتقد. ولكن شاءت الإرادة العليا أن يرتحل إلى جوار ربه، قبل ان تكتحل عيناه بانبثاق الثورة. فأنا أرى أن من أهم الأسباب الجذرية لهذه الثورة، هو ‘الوعي’ الجماهيري الشامل والعميق بالظلم والاستبداد، والقهر والاستعباد، والإذلال والاضطهاد، على مختلف المستويات، وفي شتى ميادين الحياة. كما تتفق آراء معظم المراقبين على أن الذين كان لهم الفضل الأكبر في إشعال هذه الثورة وحشد الجماهير لها منذ البداية، هم من الشباب المتعلم أو المثقف، الذي طالب بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، والذين ينتمون إلى الطبقة الوسطى المكتفية مادياً، وعلى رأسهم مثلاً، ‘وائل غنيم’، الذي يتمتع بوظيفة محترمة تدر عليه راتباً مرتفعاً جداً. وهو الذي أنشأ مع زميله عبد الرحمن منصور صفحة ‘كلنا خالد سعيد’، على الإنترنت حيث حشد عشرات الألوف للخروج والتظاهر يوم 25/1/2011. هؤلاء الشباب، لاشك أنهم يشاركون الجماهير العربية وعيها بالظلم والقهر، فضلاً عن وعيهم، كمثقفين مطلعين على ما يحدث في العالم، بمدى التخلف الحضاري، الذي يسود الوطن العربي، بالمقارنة مع التقدم الحضاري الذي يسود الأمم الغربية المتقدمة واليابان، فضلا عن بلدان النمور الآسيوية، التي ظهرت على مسرح التاريخ الحديث خلال العقود الأخيرة. تلك البلدان التي كانت اكثر مِـنَّا تخلفاً في أواسط القرن الماضي، بما فيها الهند والصين وكوريا الجنوبية وماليزيا وتايوان وغيرها. وقد أدرك(الوعي الفاعل) هؤلاء الشباب طبعاً هذا التخلف/ الضعف الذي أدى إلى خضوعنا للآخر، ولاسيما إسرائيل وأمريكا، على الرغم مما تملكه الأمة العربية من طاقات وموارد طبيعية وبشرية وفكرية، مما يضاعف الوعي الجماهيري الخاص والعام، المثقف والشعبيّ، ويفتق نار الثورة. 5 ـ وخلاصة القول فأنا أعترف بفضل الجابري في الريادة الفكرية المتميزة، التي أوحت إليّ بأفكار ونظريات جديدة قد تتقاطع مع نظرياته أو تكمّلها بل تخالفها أحياناً. وأذكر منها على سبيل المثال: 1 ) ‘العقل العربي’ عند الجابري هو ‘الفكر’ كأداة وليس كمضمون أو محتوى، بينما أرى في كتابي أعلاه، أن ‘العقل المجتمعي العربي’، هو الفكر كمضمون مطلق، مجرد من الأداتية. 2 ) نظرية العقل عند الجابري تنطبق على العقل العربي حصراً، وهو يتعرض للعقل الأغريقي والعقل الأوربي، للمقارنة فقط ويقول: وبضدها تتميز الأشياء. بينما تنطبق نظريتنا في ‘العقل المجتمعي’، على جميع المجتمعات، في كل زمان ومكان.3) أختلف معه بشأن اعتبار ‘الثقافة العالِمة’ هي التي ظلت مؤثرة في العقل العربي، وأقول إن ‘الثقافة الشعبية’ هي التي أثرت في المقام الأول في العقل المجتمعي العربي. (4 أتحفظ على تقسيمه العقل إلى عقل مكوِن( بالكسر) وعقل مكوَن( بالفتح)، وأستعيض عن ذلك بنظرية ‘العقل الفاعل والعقل المنفعل’، وكلاهما يتميز بكونه أداة وليس مضموناً.5) أرى أن العرب لم يمروا بمرحلة الزراعة في طريقهم إلى التحضر أو الحضارة، على نحو يكفي لمحو الطبائع والخصائص البدوية، التي ما تزال ظاهرة في سلوكيات العرب بوجه عام. وأقدمُ مثالاً على ذلك شعوب الخليج العربي الذين مروا خلال النصف الأخير من القرن الماضي بنفس المرحلة التي مرّ بها العرب بعد الفتوح الأسلامية، وخلال القرن الهجري الأول، حين هاجر الكثير منهم إلى البلاد المفتوحة، أي انتقلوا من البداوة إلى التحضر (أي سكنى المدن فقط) وليس الحضارة. ومن خلال حواري معه لاحظت أنه يختلف معي بشأن تطور المجتمعات البشرية من مرحلة البداوة إلى مرحلة الزراعة، ثم إلى الحضارة، ويعتبر ذلك مفهوماً مستورداً. مع أنه يتفق معي في أن عرب الخليج لا يزالون متأثرين بالبداوة أي محكومين بعقلية القبيلة والغنيمة.
علماً أنني بحثت بعض هذه النقاط في مقالتين مسهبتين: الاولى تحت عنوان ‘اختلافي مع الجابري’، منشورة في مجلة ‘الدوحة’ العدد 35 سبتمير 2010 ص86-91، والثانية تحت عنوان’بين نقد العقل العربي ورفده’، مجلة’ المستقبل العربي’، العدد351، أيار/مايو 2008، ص 116-123. انظر كذلك مقالة’ البحيرة الراكدة’، التي تتعرض لنفس الموضوع، في مجلة الدوحة، العدد 8، في حزيران/ يونية 2008.*محام/ باحث من العراق مقيم في نيويورك