تقديم وترجمة: مختارالخلفاوي غيّب الموت ليلة الأحد 28 9 2008 المناضل الوطني الكبير جورج عدّة عن سنّ 92 عاما. وفقدت الذاكرة التونسيّة والعربية عموما، برحيله إثر سكتة قلبيّة، رمزا كبيرا للتعايش والتسامح والتعدّد ومناضلا بلا هوادة أثناء حركة التحرير الوطنيّ وبعد الاستقلال في صفوف المعارضة الوطنيّة من أجل بناء الديمقراطيّة والتقدّم والحداثة.في ذكرى رحيله الرابعة، ننشر هذا النصّ الوثيقة. وقد كان أعدّه جورج ليلقى في المؤتمر العربيّ الدوليّ للتضامن مع حقّ الشعب الفلسطينيّ في العودة وفي تقرير المصير الذي كان من المزمع عقده في بيروت يوميْ 15 و16 مايو 2006. ولكن، لأسباب مختلفة وقع إرجاء المؤتمر المذكور إلى أجل غير مسمّى.. وقد عمل جورج عدّة على نشره بعد ذلك في مجلّة جون أفريك بتاريخ 15 أكتوبر 2006. بقي نصّ المداخلة يحتمل راهنيّته الأكيدة ويعكس صورة جورج عدّة المثقف والمناضل التونسيّ، واليهوديّ المعادي للصهيونيّة من منطلقات علمانيّة تقدّميّة لا من منطلقات توراتيّة دينيّة. جورج عدّة الرجل الذي مات وهو يحلم، إلى حدّ اليوتوبيا، بالسلم والأمن والحرّية والعدل في منطقة الشرق الأوسط والعالم. (المترجم).فيما يلي النص:جئتُ من بعيد. أجدادي البربر عرفوا الفينيقيّين والرومان والوندال والعرب والنورمان والأتراك والفرنسيّين الذين توالوا على بلدي فلم يستقلّ إلاّ منذ نصف قرن فحسب. بعض هؤلاء البربر اعتنق ديانة موسى وصمد أحفادهم لضغوط المسيحيّين ثمّ لضغوط جُنْد عقبة بن نافع بالمحافظة على عاداتهم في الملابس والأكل والموسيقى، لكنّهم تبنّوا العربيّة التي صارت لغة الجميع. وهكذا، فتونس هي بلدي والشعب التونسيّ هو شعبي، غير أنّ اعتقاداتي ليست اعتقادات أمّي وأبي. كلّ النساء وكلّ الرجال الذين يكابدون الجور السياسيّ والاجتماعيّ هم إخوتي وأخواتي. عرفْتُ سجون المستعمرين الفرنسيّين ومنافيهم ومعتقلاتهم من أجل تحرير بلادي. واليومَ، أرى من الواجب أنْ أساند الشعب الفلسطينيّ المعذّب المظلوم.إنّ الأمرَ، إذا تعلّق بفلسطين، يستوجب الفحصَ عن دلالة مفردات من قبيل ‘المجموعة الدوليّة’ و’العدالة الدوليّة’ و’الحقّ الدوليّ’ ألخ. وهكذا، ففي نوفمبر من سنة 1947 أصبح الحلّ الأمميّ الذي تمّ بمقتضاه تجريد الفلسطينيّين من بلدهم بين أيدي القوّتيْن العظمييْن والصهاينة ‘عدالة دوليّة ‘ و’حقّا دوليّا ‘. ولم يكن الفلسطينيّون، في الواقع، سوى ضحايا ‘المجموعة الدوليّة ‘. بالنسبة إلى الغرباء الذين جاؤوا من البلدان البعيدة، سيمثّل ذلك الحلّ الأمميّ ترميما لهدم المعبد وللشتات المزعوم لأبناء كنعان وللمذابح اليوميّة ضدّ اليهود. كان الجلاّدون هم الأوروبيّين بالأساس. هذا ما صرّح به في ذلك التاريخ أريك إيدلمان Arek Edelman الذي كان سنة 1943 قائد عصيان ‘قيتو’ فارصوفيا: إنْ نشأت إسرائيل، فذلك بفضل اتفاق بين بريطانيا والولايات المتّحدة والاتّحاد السوفياتي لا لكيْ يكفّروا عن ستّة ملايين من اليهود الذين قتلوا في أوروبا، ولكنْ لكيْ يقتسموا مخازن ( تجاريّة ) في الشرق الأوسط. ورغم أنّ الاتّصال- وأعني مهمّة الإقناع – هو، اليوم، سلاحٌ جوهريّ فإنّ المسؤولين الفلسطينيّين والعرب قد فشلوا فشلا ذريعا في هذا المجال. ولذلك، ينبغي التذكير ببعض الحقائق التي تكون نقاط قوّة في اتّصالنا بالآخرين.لقد جاء الصهاينة إلى فلسطين بزعم أنّهم أبناء شعب كنعان، والحال أنّ من يعلنون الموسويّة هم، في الواقع، ينحدرون من شعوب قديمة ومناطق متعدّدة محدّدة شديدة البعد عن أورشليم القدس ونهر الأردنّ. فقد دحض ليون بولياكوف (Leon Poliakov ) في موسوعته ‘تاريخ اللاساميّة’ (Histoire de l’antis’mitisme ) النظريّات الصهيونيّة القائمة على ‘الشتات’ المزعوم وعلى العودة إلى أرض الأجداد الكنعانيين. ومن جهته، كتب عالم الاجتماع والمؤرّخ بول صباغ ( Paul Sebag ) في ‘تاريخ يهود تونس (Histoire des juifs de Tunisie. Des origines ê nos jours LHarmaan Paris، 1991) ما يلي: ‘في إفريقيا الرومانيّة كما في سائر أقاليم الإمبراطوريّة الرومانيّة وُجد، في زمن مبكّر، يهودٌ آخرون غير اليهود ذوي الأرومة المنحدرة من’ يهودا’على فترات متعاقبة..’اعتنق كثير من الرجال والنساء، من كلّ الأعراق، اليهوديّةَ التي برهنت في القرون الأولى من الحقبة المسيحيّة على قدرة كبيرة على استيعاب المؤمنين بها. وكان فريق من البربر، أثناء غزو العرب لإفريقيا الشماليّة، يَدِين باليهوديّة. وتكفّل ابن خلدون في تاريخه عن البربر بإعطائنا أسماء القبائل البربريّة اليهوديّة وحدّد المناطق التي كانت تستقرّ فيها من شرق المغرب وغربه، فذكر من بين ما ذكر قبائل نفّوسة في جنوب إفريقيّة والجراوة في جبال الأوراس. كتب أرتير كوستلار (Arthur Koestler ) سنة 1976 ‘القبيلة الثالثة عشرة’ ( (La Treizi’me Tribu ، Calmann-L’vy، Paris، 1976 حيث قصّ تاريخ أجداده الخزر ‘كانت بلاد الخزر- والخزر شعبٌ من إثنيّة تركيّة – تشغل موقعا استراتيجيّا بين بحر قزوين والبحر الأسود على طرق العبور الكبرى حيث كانت تتصادم القوى الشرقيّة العظمى في ذلك العهدô يدلّ ذلك على أنّ أجداد هؤلاء اليهود لم يقدموا من أطراف نهر الأردنّ، ولكنْ من سهول نهر الفولقا ، ولم يأتوا من أرض كنعان، ولكنْ من القوقاز مهدِ الجنس الآريّ. إنّهم، جينيّا، إلى الهونس والأوزبك والمجريّين أقربُ منه إلى نسل إبراهيم وإسحاق ويعقوب. إذا كان ذلك كذلك، فإنّ لفظ ‘اللاساميّة’ لن يكون له أيّ معنى، بل لن يعدو أنْ يكون شاهدا على سوء تفاهم يشترك فيه الجلاّدون والضحايا سواءô’نشر عالم السياسة الإيطاليّ لوريس قالّليشو (Loris Gallico ) دراسة مطوّلة سنة 1984 عنونها بـ ‘شعب غير موجود’ ( Un popolo introvabile ) كتب فيها ‘لم يعد ممكنا البتّةَ إنكارُ أنّ القسم الغالب من يهود أوروبا الوسطى والشرقيّة هم من أصل مزيج بيْن الخزر وشعوب أخرى.’ سنة 1981 أطلق المستشار النمساويّ برونو كرايسكي Bruno Kreisky رصاصة الرحمة على الأيديولوجيا الصهيونيّة حين صرّح لمجلّة ‘لو نوفال أوبسرفاتور’ (le Nouvel Observateur ) قائلا: ‘إنّ خدعة الشعب اليهوديّ هي إحدى أكبر أكاذيب الحياةô الحديث عن شعب يهوديّ ليس له معنىôلولا هتلر لما كانت إسرائيل، كدولة، أبداô’لا يمكن أنْ أنهيَ دون أنْ أذكر المؤرّخ الفرنسيّ مارك فيرو (Marc Ferro) الذي خصّص في كتابه’ محرّمات التاريخ (Les Tabous de lHistoire) فصلا كاملا تحت عنوان ‘هل اليهود ساميّون؟’ لتفكيك ‘المعمار’ الصهيونيّ بأكمله وإزالة الأكاذيب التي تخصّ ‘الشعب اليهوديّ’ و’الأمّة اليهوديّة’ و’العرق اليهوديّ’. وهكذا، يمكن أنْ نكوّن أنطولوجيا ضخمة تجمع الباحثين والمؤرّخين وعلماء السياسة الذين دحضوا النظريّات الصهيونيّة من أمثال ألفرد ليلينثال (Alfred M. Lilienthal ) ونورتن ميزفينسكي (Norton Mezvinsky ) وماكسيم رودنسون (Maxime Rodinson) ألخ. بلْ لو اجتهدنا في البحث أكثر، لألفيْنا عددا مهمّا من النساء والرجال ( اليهود ) الذين يُدينون الصهيونيّة أو ليس لهم بها علاقة. هؤلاء نجدهم في كلّ البلدان، وهم من كافّة الملل والقناعات السياسيّة والفلسفيّة، لأنّ النضال ضدّ الصهيونيّة ينبغي أنْ لا يكون قضيّة يهوديّة يهوديّة، ولا قضيّة يهوديّة فلسطينيّة أو يهوديّة عربيّة. النضال ضدّ الصهيونيّة ينبغي أنْ يتوسّع في كلّ شعب وداخل كلّ شعب. بعد أنْ أعيى تيودور هرتزل ( Theodor Herzl ) البحثُ عن أرض قيل إنّها موعودة بيْن أوغندا والأرجنتين، حطّ رحاله في فلسطين أرض كنعان القديمة وأرض الملكيْن داوود وسليمان. ولكيْ يقنع القوى الكبرى الغربيّة طرح يوم 14 فيفري 1897 كتابه ‘دولة اليهود’. في هذا الكتاب يمكن أنْ نقرأ’هناك. في فلسطين سنكون، لأوروبا، سدّا في وجه آسيا. سنكون الحارس المتقدّم للحضارة في وجه البربريّة..’ على أنّ البربريّة كانت، حينئذ، بعيدة جدّا عن ضفاف نهر الأردن. كانت البربريّة موجودة في روسيا بوشكين وتولستوي، وفي بولونيا شوبان حيث المذابح يوميّة، وفي قلب أوروبا في ألمانيا غوته وبيتهوفن، وفي مخيّمات الموت وفي أفران الجثث حيث أبيد بيْن 1933 و1945 بأيدي الأوروبيّين أنفسهم أكثر من خمسة ملايين من البولونيّين والروس والألمان والفرنسيّين والمجريّين. هؤلاء الضحايا كانوا أوروبيّين، أيضا، ومن ذوي الديانتيْن اليهوديّة والمسيحيّة.ينبغي أنْ نذكّر الغرباء الذين جاؤوا، منذ نصف قرن، لاحتلال فلسطين، بهذه المعطيات، وكذلك الرأي العامّ الأوروبيّ والأمريكيّ. ينبغي أنْ نذكّر، أيضا، بأنّ للنّاجين من الهولوكست ولأحفادهم حقوقا لا تسقط بالتقادم. فلهم الحقّ في العودة إلى أوطانهم الأصليّة في أوروبا. ولهم الحقّ في التعويض عن أراضيهم المنتزعة. ينبغي أنْ نذكّر، أيضا، وبلا تراخ أنّنا لم نر، قطّ، فلسطينيّا أو عربيّا دفع شخصا من ديانة يهوديّة أو من أصول شعائريّة عبرانيّة في أفران الغاز. كما ينبغي أنْ نذكّر دائما بأنّه وفي سنة 1941 وفي قلب العاصفة رفض ملك عربيّ هو ملك المغرب محمّد الخامس الذي كانت بلاده ترزح تحت نير الاستعمار تطبيق قوانين مجحفة ضدّ اليهود في بلاده صارخا في وجه الجنرال شارل نوقيس (Charles Nogu’s ) : لا تمْسَسْ يهود بلادي!علينا، إذن، أنْ نتحدّث، بلا حرج، عن الهولوكوست الذي عمّ أوروبا. ويومَ ننتزع هذا الهولوكست من أيدي الصهاينة الذين جعلوا منه أصلا تجاريّا ونضمّه إلى تراث الإنسانيّة، يحقّق الشعب الفلسطينيّ نصرا عظيما.كلمة أخيرة أختم بها. للفلسطينيّين سلاح: هو نظرة المظلوم المسلوب. أعتقد أنّ الصهاينة على أرض فلسطين لم يعودوا يخشون كثيرا السيّارات الملغّمة ولا قذائف الروكيت. في المقابل، هم يخشون، أكثر فأكثر، النظرات التي تحيط بهم من كلّ صوب، وتتبعهم وتحاصرهم وتصيبهم بالاختناق. تلك النظرات هي التي تجعلهم يرتجفون باستمرار، فينامون محاصرين بالعيون الكسيرة التي لا تصبو إلاّ إلى تحرير فلسطين.