في الذكرى السابعة لانطلاق العمليات العسكرية لقوات التحالف العربي: اليمن: حرب بلا رؤية واضحة وتصعيد عسكري بلا هوادة وانسداد الأفق أمام مساعي إحلال السلام

خالد الحمادي
حجم الخط
0

تعز ـ «القدس العربي»: دخل التحالف العربي في اليمن بقيادة السعودية، أمس السبت، عامه الثامن لعملياته العسكرية الشاملة في اليمن، التي انطلقت صبيحة 26 آذار/مارس 2015 بـ«عاصفة الحزم» وما زال التحالف حتى اليوم غارقا في مستنقع الحرب اليمنية، وفي المربع الأول، الذي لم يتحقق فيه هدفه المعلن لتدخله في اليمن، وهو إعادة الشرعية إلى البلاد، من الانقلابيين الحوثيين، الذين سيطروا على العاصمة صنعاء في 21 أيلول/سبتمير 2014.

وعشية الذكرى السابعة للتدخل العسكري لقوات التحالف العربي في اليمن، أمس الأول، أمطر الحوثيون سماء مدينة جدة، السعودية، بطائراتهم المسيّرة وصواريخهم الباليستية، التي أشعلت منشآتها النفطية بألسنة اللهب، ليعيدوا إلى الأذهان صوة العاصمة اليمنية صنعاء، وهي تشتعل بالغارات الجوية لقوات التحالف عشية مثل هذا اليوم قبل سبع سنوات.
وأعلن التحالف العربي، مساء الجمعة، ان الأراضي السعودية تعرضت لنحو 16 «هجوما» من قبل جماعة الحوثي، وحذّر من نفاد صبره تجاه هذه الهجمات على البنى التحتية والمنشآت النفطية السعودية.
وقال الناطق باسم التحالف العربي في اليمن العميد الركن تركي المالكي إن محطة توزيع المنتجات البترولية التابعة لشركة أرامكو بمدينة جدة تعرضت مساء الجمعة «لعمل عدائي تشير الدلائل والمؤشرات الأولية لاستهدافها من قبل الميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران».
موضحا أن «هذا التصعيد العدائي يستهدف المنشآت النفطية ويركز على محاولة التأثير على أمن الطاقة وعصب الاقتصاد العالمي، وليس هناك أي تأثير أو تداعيات لهذه الهجمات العدائية على مناشط الحياة العامة بمدينة جدة».

مؤتمر «الرياض 2»

وجاء هذا التصعيد الحوثي المفاجئ، في الوقت الذي تستعد فيه العربية السعودية لاستضافة مؤتمر «الرياض 2» للمشاورات اليمنية برعاية مجلس التعاون لدول الخليج العربية ودعم ومساندة من مبعوثي الأمم المتحدة والولايات المتحدة، والذي من المقرر تدشينه اليوم الأحد، بحضور نحو 500 مدعو لهذا المؤتمر من مختلف الأطراف اليمنية ما عدا الحوثيين، الذين أعلنوا مقاطعتهم له، بذريعة عدم انعقاده في «بلد محايد» على اعتبار أن السعودية بلد محارب لهم، وهو ما يعطي مؤشرا مبكرا بعدم الجدوى من انعقاد هذا المؤتمر الذي لن يكون سوى احتفالية فارهة لمناهضي الحوثيين.
ويشهد اليمن منذ 26 آذار/مارس 2015 حالة مجنونة من العمليات العسكرية المتواصلة وتصعيدا عسكريا من قبل جميع الأطراف، التي تعددت وتكاثرت مع إطالة أمد الحرب، والتي فشلت معها كافة المحاولات المحلية والإقليمية والدولية التي بذلت خلال السنوات السبع الماضية جهدا لوضع حد لهذه الحرب، التي خلقت أسوأ أزمة إنسانية في العالم حسب توصيف الأمم المتحدة، والتي دفعت بنحو 80 في المائة من سكان اليمن إلى حافة الفقر المدقع.

أفقر بلد عربي

لم يكن اليمن في الأساس حين اندلاع هذا الصراع المسلح في حالة تعافي اقتصادي، وكان يوصف حينها بأنه أفقر بلد عربي، رغم مجاورته للدول الغنية في الخليج العربي، وهو ما جعل هذه الحرب تجهز على ما تبقى من مقومات الحياة الاقتصادية والمعيشية للبلد ولسكانها، في ظل انعدام الرؤية عن الإطار الزمني الذي يتوقع خلاله الجلوس إلى طاولة المفاوضات بين الأطراف المتصارعة لوضع حد لهذه الحرب واللجوء إلى لغة الحوار لتكميم أفواه المدافع.
اشتعلت الحرب بداية بين الانقلابيين الحوثيين والحكومة الشرعية بقيادة الرئيس عبدربه منصور هادي نهاية العام 2014 ثم تدخلت دول التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية على خط الأزمة اليمنية، نهاية آذار/مارس 2015 لتقود دفة الحرب بثقلها العسكري والمالي واللوجستي، ضد الانقلابيين الحوثيين، وكان الوسط السياسي اليمني يتوقع ان يستغرق تدخل قوات التحالف في اليمن أسابيع محدودة لإنهاء الانقلاب الحوثي على السلطة الشرعية المنتخبة، ولكن خابت توقعاتهم وها هو التحالف العربي يكمل عامه السابع في اليمن من دون تحقيق هدف استعادة الشرعية، بقدر ما أغرقها في مستنقع البؤر المستحدثة للصراع في البلاد، بخلق كيانات مسلحة جديدة ضد الشرعية والتي خلقت معها أطرافا جديدة في هذه الحرب، تجاوزت مسألة الانقلابيين الحوثيين إلى ما هو أبعد من ذلك، والتي قد تتجه نحو تفخيخ المستقبل اليمني حتى بعد ان تضع هذه الحرب أوزارها.
ومع مرور الوقت وبروز الكثير من الشواهد، تولّدت لدى اليمنيين قناعات بأن تدخل التحالف في اليمن لم يكن بهدف استعادة الشرعية بالشكل المعلن، ولكن يحمل في برامجه أجندات إضافية أخرى، حيث شهدت السنوات الماضية أنه لكل دولة في التحالف أجندتها الخاصة بها، وبالذات دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، التي قد تتقاطع أجنداتهما أو تتخادم مع بعضها.
وأثبتت سنوات الحرب الماضية أن هدفهم بعيد إلى حد كبير عن استعادة الشرعية وأن نتائج توجهاتهما بدأت بالبروز إلى السطح من خلال السعي الخليجي إلى خلق واقع يمني جديد، ضعيف وتابع، لإبقاء اليمن تحت عباءة دول مجلس التعاون الخليجي عامة والسعودية على وجه التحديد، التي ورثت قيادتها عقيدة سياسية أن قوة الدولة الجارة اليمن ستكون على حساب قوة السعودية، وبالتالي ظلت تتحيّن الفرص للإنقضاض وفرض سيطرتها عليه.
وبدأ هذا التوجه الخليجي منذ العام 2011 الذي ثار فيه الشعب اليمني ضد نظام الرئيس الراحل عبدالله صالح، بسبب فساده المالي والسياسي وتوجهه نحو توريث السلطة لنجله الأكبر العميد أحمد علي، الذي كان حينها قائد الحرس الجمهوري، حيث تدخّلت دول مجلس التعاون الخليجي في ذلك بمبادرة لإنقاذ اليمن من حالة الفوضى وهندسة نقل السلطة سلميا إلى نائبه عبدربه منصور هادي رئيس عبر انتخابات عامة، برعاية الأمم المتحدة وأصبحت «المبادرة الخليجية» إحدى المراجع القانونية والدستورية لإدارة نظام الحكم الحالي في اليمن والتي شرعنت الوضع السياسي لما بعد سقوط نظام صالح.
واستمر مسلسل «الشرعنة الخليجية» للواقع اليمني، في محطات عديدة لتحقيق الهدف الخليجي – ولو ضد التوجه اليمني -، ليشكل تدخل التحالف العربي عسكريا في اليمن بمثابة الخطوة الناجعة لتحقيق تلك الغاية، حيث بدأت غارات قوات التحالف بتدمير البنية العسكرية الضخمة التي ورثها الحوثيون من نظام الرئيس صالح التي بناها خلال 33 سنة من حكمه البائد، والذي كان بدأ بالتمرد في نهاية حكمه عن التابعية السعودية.

بالقصف الجوي المتلاحق

استمرت قوات التحالف العربي طوال السنوات السبع الماضية بالقصف الجوي المتلاحق لاستهداف المتمردين الحوثيين وقياداتهم ومعسكراتهم، والتي لم تفت من عضدهم بل أسفرت عن نتائج عكسية، حيث حققت استمرارية الحرب اليمنية لفترة طويلة زخما كبيرا في تضخيم قوة ومقدرات الحوثيين، الذين كسروا خلالها حاجز الخوف من الآلة العسكرية الخليجية الحديثة وشجعتهم على بناء قدرات عسكرية مناهضة لها بإمكانيات متواضعة وبدعم تقني ومادي كبير من دولة إيران، أسهمت في تغيير موازين القوى منذ بداية انطلاق «عاصفة الحزم» في 26 آذار/مارس 2015 لقوات التحالف العربي باليمن وحتى اليوم، وأعطت انطباعا دوليا عن الحوثيين بأنهم قوة ضاربة تشكل تهديدا ليس للحكومة الشرعية في اليمن ولكن أيضا لدول الجوار الخليجي وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.
وفي ذات الوقت تعمدت قوات التحالف العربي الإبقاء على الحكومة الشرعية مقيّدة الأيدي والإرادة للاحتفاظ بها تحت عباءة الخليج، فلم يسمح للقوات الحكومية ببناء قدراتها العسكرية ولا بشراء آليات وتقنيات عسكرية حديثة، خشية خروجها من هذه الحرب بقوة عسكرية وخبرة قتالية قد تشكل في المستقبل خطرا ومصدرا للتهديد المسلح ضد السعودية.

كيانات مسلحة

وتوازى ذلك مع خلق التحالف العربي لكيانات مسلحة جديدة في اليمن خلال فترة الحرب، لم يكن لها وجود قبله، مثل المجلس الانتقالي الجنوبي، ذو التوجه الانفصالي، وقوات الساحل الغربي، بقيادة العميد طارق صالح، نجل شقيق الرئيس الراحل علي صالح، وهما المدعومان بشكل علني ومباشر من دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تعد الدولة الثانية بعد السعودية في قيادة التحالف العربي باليمن، وأوجدهما التحالف للإنقضاض على شرعية الرئيس هادي تدريجيا، حيث سيطرت قوات المجلس الانتقالي على العاصمة المؤقتة للحكومة عدن، والعديد من المدن الجنوبية المجاورة لها، في آب/أغسطس 2019 وتتهيأ قوات طارق صالح للمشاركة السياسية في الحكومة الشرعية خلال المرحلة المقبلة، رغم انه إلى عهد قريب لا يعترف بشرعية الرئيس هادي.
وفي الوقت الذي رعت فيه السعودية اتفاق الرياض، المبرم بين المجلس الانتقالي الجنوبي والحكومة الشرعية نهاية 2019 للاعتراف بالمجلس الانتقالي الجنوبي وشرعنة انقلابه على السلطة الشرعية في عدن، يسعى مجلس التعاون الخليجي حاليا لشرعنة التشكيلات المسلحة التي أنشأها التحالف العربي خارج إطار الجيش الحكومي اليمني، وذلك من خلال مؤتمر الرياض المزمع تدشينه اليوم الأحد، الذي يتوقع أن يناقش تصورات ورؤى سياسية لمستقبل الشرعية في اليمن، والسعي إلى دمج المكونات المسلحة في إطارها وربما التوجه إلى خلق قالب جديد لمؤسسة الرئاسة، من خلال إنشاء مجلس رئاسي من عدة أعضاء للإنقضاض على شرعية الرئيس هادي، الذي يعد آخر شرعية دستورية في البلاد، كرئيس منتخب.

تشكيل مجلس رئاسي

بدأ التمهيد لشرعنة هذا التوجه الخليجي في اليمن منذ عدة شهور، عبر تسريب معلومات بشأن ضرورة تشكيل مجلس رئاسي خلفا أو بمشاركة الرئيس هادي، ونشر تحليلات من خلال الوسائل الإعلامية المحسوبة والموالية لبعض دول التحالف في هذا الصدد.
ويعتقد أن مؤتمر الرياض الحالي لن يكون سوى الخلاصة لتلك المساعي، لطرح هذا التوجه بقوة في مداولات المؤتمر واتخاذ قرار بشأنه، على اعتبار أنها قرارات هذا المؤتمر اليمني، كبديل عن مجلسي النواب (البرلمان) والشورى (الأعيان) لتعذر انعقادهما بأغلبية مريحة والشعور بعدم القدرة على السيطرة على قراراتهم، حيث يرفض أغلب البرلمانيين التوجهات التي يفرضها التحالف في اليمن، وأعلن الكثير منهم معارضته العلنية وانتقاداته الشديدة لسياسة التحالف في اليمن. وبدى مؤتمر الرياض وكأن الوضع في اليمن في حالة رخاء واستقرار، خاصة وأن مجلس التعاون الخليجي أعلن أنه لن يكون مؤتمرا «للمفاوضات» وانما لقاء «للمشاروات» التي لن تسهم مطلقا في وضع حد لحالة الاقتتال الراهن في اليمن، طالما الطرف المتسبب في الحرب غير مشارك في هذا المؤتمر، وهو جماعة الحوثي.
وتناسى المعدّون لهذا المؤتمر العمليات العسكرية المستمرة والتصعيد العسكري اليومي، من قبل الحوثيين والتحالف العربي على حد سواء، بالإضافة إلى الوضع الإنساني الصعب والاقتصادي المنهار الذي يدفع اليمنيون بسببه الثمن باهضا كل يوم، وقد يكون إحلال السلام في اليمن آخر شيء في قائمة اهتمامات مؤتمر الرياض.
وإذا كان الصراع المسلح في اليمن قد أفشل مساعي أربعة من مبعوثي الأمم المتحدة إلى اليمن وبينهم مبعوث الولايات المتحدة، خلال السنوات السبع الماضية، فلن يكون بوسع مؤتمر الرياض تحقيق أي إنجاز في هذا الصدد، ولن يستطع إحداث أي خرق في جدار الأزمة اليمنية، وإذا ناقش أي رؤية أو مبادرة للسلام في اليمن، فلن تكون سوى إضافة فاشلة لسابقاتها من المحاولات والجهود الإقليمية والدولية لإحلال السلام في البلاد.
وفي ظل ارتفاع الكلفة الإنسانية للحرب اليمنية والضغوط الدولية على التحالف العربي والسعودية على وجه الخصوص، سعت الرياض عبر أدواتها الخليجية إلى تبني مؤتمر الرياض، في محاولة منها لإعطاء انطباع عن مساعيها الجادة لوقف الحرب في اليمن، لتخفيف الضغوط الدولية عليها، بينما كافة معطيات الواقع تؤكد على (انسداد الأفق) تماما أمام الحلول السياسية للأزمة اليمنية، بدليل عدم قدرة الأمم المتحدة على عقد جولة مباحثات جديدة بين الحكومة والحوثيين، منذ جولة ستوكهولم نهاية العام 2019 التي توصلت إلى ابرام اتفاق بين الجانبين، ولد ميتا ولم ير النور على أرض الواقع.
ويظل المستقبل اليمني غامضا، طالما استمر الوضع الراهن على ما هو عليه من انسداد الأفق أمام مساعي السلام، وعدم وضوح الرؤية بشأن كيفية حلحلة الأزمة اليمنية، خاصة مع انشغال العالم بالحرب الروسية في أوكرانيا وتداعياتها العسكرية والاقتصادية الدولية، والتي قد تتسبب في إدخال الحرب اليمنية طي النسيان.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية