في الذكرى السنوية الأولى لقتله وتقطيعه.. مسار جريمة خاشقجي من التخطيط والاستدراج إلى القتل.. ومن الإنكار إلى اعتراف بن سلمان

إسماعيل جمال
حجم الخط
0

إسطنبول -“القدس العربي”:

يصادف الثاني من أكتوبر/تشرين الأول من العام الجاري، الذكرى السنوية الأولى لجريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول، في جريمة هزت أركان العالم وولدت ردود فعل دولية غاضبة وسط مطالبات بمحاكمة المتهمين في تنفيذ الجريمة والجهة السياسية التي أمرت بها والتي تؤكد كافة التحقيقات والتسريبات أنها تتمثل في ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي اضطر بعد عام كامل على الاعتراف بالمسؤولية عن “تبعات” الجريمة كونها حدثت في عهده، على حد تعبيره.

وعلى الرغم من مرور عام كامل، إلا أن الكثير من تفاصيل الجريمة ما زالت لم تكشف بعد لا سيما فيما يتعلق بمصير الجثمان وكيف جرى التخلص منه ومن هو المتعاون المحلي الذي تحدثت عنه السعودية إن كان موجوداً فعلاً، كما أن محاكمات المتهمين بالجريمة في السعودية ما زالت غامضة ولم تطال كبار المتهمين، وأبرزهم بن سلمان، وأحمد عسيري نائب مدير المخابرات السعودية، وسعود القحطاني المستشار السابق لولي العهد.

نعرض في هذا التقرير أبرز المراحل التي مرت بها الجريمة، انطلاقاً من التخطيط للجريمة واستدراج خاشقجي للقنصلية، وتنفيذ جريمة القتل والتقطيع ومحاولة إخفاء الجريمة، مروراً بتكشف تفاصيل الجريمة تدريجياً، وصولاً للمحاكمات الشكلية للمتهمين، وأخيراً اعتراف بن سلمان.

الاستدراج

في الثامن والعشرين من أيلول/سبتمبر 2018 أي قبل أربعة أيام فقط من وقوع الجريمة، وبعد تردد كبير اضطر خاشقجي للتوجه إلى القنصلية السعودية في إسطنبول لطلب الحصول على ورقة “إثبات عزوبية” التي يشترطها القانون التركي لإتمام إجراءات الزواج، حيث كان يقوم بإجراءات الزواج من خطيبته خديجة جنكيز. وبالفعل توجه خاشقجي إلى القنصلية وطلب الورقة لكن العاملين الذين رحبوا به طلبوا منه العودة بعد أسبوع للحصول على الورقة.

كشفت التسريبات لاحقاً أن التخطيط المباشر للجريمة بدأ منذ تلك اللحظة، حيث جرى إبلاغ الجهات الرسمية في الرياض بزيارة خاشقجي للقنصلية، التي بدأت بدورها بوضع الخطط وتشكيل الفرق التي أوكل إليها “جلب خاشقجي إلى السعودية حياً أو ميتاً”.

في ذلك اليوم، غادر خاشقجي القنصلية إلى لندن، وعاد إلى إسطنبول في الأول من أكتوبر/تشرين الثاني، أي قبل يوم واحد من وقوع الجريمة، واتصل بالقنصلية في إسطنبول لمعرفة ما إن انتهت إجراءات الورقة أم لا، فطلب منه القدوم في اليوم التالي -الثاني من أكتوبر- وتوجه بالفعل إلى مقر القنصلية الواقعة في منطقة “لفنت” في إسطنبول في حدود الساعة الواحدة ظهراً يوم الثاني من أكتوبر، الذي تحول إلى تاريخ مشهود للجريمة التي هزت العالم.

انتشار الخبر

في حدود الساعة السادسة من مساء ذلك اليوم، بدأت تتسرب أخبار عن مجموعات “واتساب” الإعلامية في تركيا على لسان توران كيشلاكتشي رئيس جمعية بيت الإعلاميين العرب وأحد أصدقائه، حول “اختفاء” جمال خاشقجي عقب دخوله مبنى القنصلية دون تفاصيل أو تأكيدات للرواية، وتطور الأمر تدريجياً حيث بدأت وسائل إعلام كبيرة بنشر أخبار عاجلة حول أنباء عن اختفاء خاشقجي.

عقب ذلك، صدر أول تصريح على لسان خطيبته خديجة التي عرفت لأول مرة في ذلك الوقت، وقالت إنها خطيبته وقدمت رواية حول مرافقتها لجمال خاشقجي إلى مبنى القنصلية وعدم خروجه منها، ولاحقاً صدر أول تصريح رسمي عن الشرطة التي قالت إنها تبلغت بفقدان خاشقجي وأعلنت فتح تحقيق، كما صدر بيان عن بيت الإعلاميين العرب يؤكد دخول خاشقجي مبنى القنصلية وعدم خروجه مطالباً السعودية بالكشف عن مصيره، كما أوضحت خطيبته أنها بقيت لساعات تنتظره أمام باب القنصلية وأن أحد العاملين أخبرها أن خاشقجي غادر القنصلية وطلب منها عدم الانتظار أمام الباب، وتدريجياً بدأت وسائل الإعلام العالمية بالتعامل مع الخبر.

في اليوم التالي -الثالث من أكتوبر- صدر أول تصريح تركي رسمي، وقال الناطق باسم الرئاسة إبراهيم قالن، عقب اجتماع الحكومة الأسبوعي، إن المعلومات التي وردتهم إلى الآن تفيد بوجود خاشقجي في القنصلية، لافتاً إلى أن الوحدات الأمنية ووزارة الخارجية تتابع الموضوع، محذراً من أن الحادثة لها أبعاد من حيث القانون الدولي وقوانين الجمهورية التركية ومن الناحية الإنسانية.

نفي سعودي

عقب يومين على اختفاء خاشقجي -في الرابع من أكتوبر- صدر أول تعقيب رسمي سعودي عبر بيان للقنصلية السعودية في إسطنبول قال إنها “تقوم بإجراءات المتابعة والتنسيق مع السلطات المحلية التركية الشقيقة لكشف ملابسات اختفاء المواطن جمال خاشقجي بعد خروجه من مبنى القنصلية السعودية”، ولاحقاً قامت الخارجية التركية لأول مرة باستدعاء السفير السعودي في أنقرة وليد الخريجي للاستفسار عن الحادثة.

في الخامس من أكتوبر، أكدت مصادر تركية وجود صور توثق دخول خاشقجي إلى القنصلية، لكن لا يوجد ما يوثق خروجه منها، وفي اليوم التالي أعلنت نيابة إسطنبول العامة فتح تحقيق حول ادعاءات احتجاز خاشقجي بعد انقطاع أخباره عقب دخول قنصلية بلاده بإسطنبول. وفي اليوم نفسه ولأول مرة، تحدث ولي العهد محمد بن سلمان عن الحادثة لوكالة بلومبرغ، مؤكداً أن “خاشقجي ليس موجوداً في القنصلية”، وقال في المقابلة: “المبنى خاضع للسيادة السعودية (…) ليس لدينا شيء نُخفيه.. بحسب ما علمته، أنه دخل وخرج بعد بضع دقائق أو ساعة”، لافتاً إلى أنه “حريص جداً على معرفة مصيره”.

وفي اليوم التالي، استضاف القنصل السعودي في إسطنبول محمد العتيبي مصور وكالة رويترز في مبنى القنصلية، وتجول مع الكاميرا فاتحاً خزانات مكاتب القنصلية لإثبات عدم وجود خاشقجي، في مشهد أثار سخرية المتابعين حول العالم، وصرح العتيبي آنذاك أن كاميرات القنصلية كانت لا تعمل في ذلك اليوم، وبالتالي لا يمكن استخراج أي صور تثبت خروج خاشقجي.

انكشاف الجريمة

في السادس من أكتوبر، أي بعد 4 أيام على وقوع الجريمة، بدأت تظهر التسريبات حول ما حصل، وكان أول ما كشفت عنه وكالة الأناضول وصول 15 سعودياً إلى إسطنبول عبر طائرتين خاصتين وتواجدهم في القنصلية وقت دخول خاشقجي إليها، وعادوا بعد ساعات إلى مصر والإمارات، وفي اليوم نفسه أكد مصدران تركيان لوكالتي رويترز والفرنسية أن السلطات التركية “تعتقد أن خاشقجي قتل داخل القنصلية” عبر فريق وصل خصيصاً لهذه المهمة، وأن “الجثمان نقل خارج القنصلية”.

في السابع من أكتوبر، عادت السعودية عبر قنصليتها إلى نفي الأنباء المتداولة حول مقتل خاشقجي داخل القنصلية وشجبت “الاتهامات العارية عن الصحة”، وفي اليوم ذاته، أعلنت المملكة عن وصول وفد أمني سعودي لإسطنبول “بناء على طلب من الجانب التركي للمشاركة في التحقيقات المتعلقة باختفاء المواطن السعودي جمال خاشقجي”، لكن توران كشلاكتشي أعلن في ذلك اليوم تأكده من جهات رسمية تركية أن “خاشقجي قتل بالتأكيد، وأنه قتل بوحشية كبيرة”.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تحدث لأول مرة حول الحادثة بعد خمسة أيام على وقوعها، وقال إن التحقيقات متواصلة وأن بلاده “ستعلن النتائج مهما كانت”، لافتاً إلى أنه يتابع ينفسه سير التحقيقات. وفي اليوم التالي، طالب أردوغان مسؤولي القنصلية إثبات أن خاشقجي خرج منها وتقديم تسجيلات مصورة تؤكد ذلك، وأكد وصول أشخاص من السعودية يوم اختفاء خاشقجي. وأعقب ذلك تقديم السلطات التركية طلباً رسمياً للسعودية لتفتيش مبنى القنصلية، وجرى استدعاء السفير السعودي مجدداً والطلب منه التعاون مع التحقيقات التركية، تزامن ذلك مع تصاعد المواقف الدولية وصدور بيانات عن أغلب وزراء خارجية العالم تطالب السعودية بالكشف عن مصير خاشقجي، كما صرح ترامب لأول مرة عن وجود “الكثير من الأخبار السيئة”.

منزل القنصل

في التاسع من أكتوبر، بعد 7 أيام على الجريمة، نشرت صحيفة “صباح” التركية تفاصيل جديدة أكدت وصول طائرتين تابعتين لشركة قريبة من السلطات السعودية على متنها 15 شخصاً حجزوا فنادق قريبة من القنصلية، وكشفت عن تحركاتهم وانتقالهم من الفنادق للقنصلية وبيت القنصل الذي بدأت لأول مرة تتكشف المعلومات حول استخدامه في تنفيذ الجريمة، وحتى ذلك اليوم كانت الأنباء تتضارب حول قتل خاشقجي أو احتمال نجاح الفريق في خطفه للسعودية حياً، لكن مصادر تركية كشفت لاحقاً أن الأمن التركي فتش الطائرات قبل مغادرتها المطار ولم يعثر على أي أثر لخاشقجي.

وبعد أيام من المماطلة، التي كشف لاحقاً أنها كانت بسبب تمكين فرق أخرى قدمت من السعودية خصيصاً لمحو آثار الجريمة، أعلنت السعودية الموافقة على تفتيش قنصليتها، وعينت تركيا مدعياً عاماً جمهورياً للقيام بالإجراءات القضائية في القنصلية، وفي العاشر من أكتوبر، كشفت صحيفة “واشنطن بوست” أن الاستخبارات الأمريكية رصدت اتصالات لمسؤولين سعوديين يضعون خطة للقبض على خاشقجي، وأنها كانت على علم بمخطط سعودي لاستدراجه.

المنشار

لأول مرة، وبعد 8 أيام على الجريمة، تحدثت صحيفة “نيويورك تايمز” ما قالت إنها خلاصة التحقيقات التركية التي خلصت إلى أن خاشقجي قتل بعد ساعتين من وصوله القنصلية، وأنه تم تقطيع جسده بمنشار، على طريقة فيلم “الخيال الرخيص” الأمريكي الشهير، وأنه قتل بناء على أوامر من أعلى المستويات في الديوان الملكي.

في اليوم نفسه، نشرت الصحافة التركية أوسع تسريبات عن الجريمة بالصور والفيديو كشف عن خط سير فريق القتل بشكل كامل بالدقيقة، من ساعة وصول الطائرتين وتحرك الفريق للفنادق وانتقالهم للقنصلية ولحظة دخول خاشقجي وتحركات خطيبته، ولاحقاً تحركات الفريق من القنصلية لبيت القنصل المجاور، وعودتهم إلى الفنادق ومطار أتاتورك في إسطنبول ومغادرة الطائرتين. وفي اليوم التاسع للجريمة، أعلنت الرئاسة التركية أن أنقرة والرياض قررتا تشكيل مجموعة عمل مشتركة للكشف عن مصير خاشقجي، بناءً على مقترح من الجانب السعودي، وفي اليوم العاشر للجريمة وصل الوفد السعودي إلى أنقرة، وظهرت أنباء عن رفض السعودية قيام تركيا بفحص أمني معمق داخل القنصلية وسمحت بالمسح البصري السطحي فقط.

تسجيلات صوتية

كتبت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية أن مسؤولين أتراكاً أبلغوا نظراءهم الأمريكيين بأنهم يملكون تسجيلات صوتية ومرئية تثبت مقتل خاشقجي، وأوضحت الصحيفة أن التسجيلات تظهر احتجاز فريق أمني سعودي لخاشقجي بعد دخوله القنصلية وقيامه في وقت لاحق بقتله وتقطيع جثته. وأعقب ذلك كشف صحيفة “يني شفق” التركية أن الشرطة تحقق أيضاً في احتمال نقل جثة خاشقجي عبر نظام الصرف الصحي، وقامت بدراسة جميع مخططات شبكات الصرف الصحي في منطقة القنصلية ومنزل القنصل المجاور.

وفي اليوم 11/ كشفت أيضاً شبكة “سي إن إن” الأمريكية أن لدى تركيا تسجيلات صوتية ومرئية “صادمة”، تؤيد رواية مقتل خاشقجي، وأوضحت أن وكالة استخبارات غربية اطلعت على أدلة تظهر وقوع عراك داخل القنصلية، كما أشار المصدر إلى وجود “أدلة حول لحظة مقتل خاشقجي”، وتابع أن وكالة الاستخبارات الأجنبية وصفت الأدلة، التي اطلعت عليها من خلال مسؤولين أتراك، بـ “الصادمة والمقززة”.

وحتى اليوم 11 للجريمة، أكّد وزير الداخلية السعودي أنّ “المعلومات التي تتداولها وسائل إعلام عن أوامر صدرت بقتل خاشقجي هي “أكاذيب ومزاعم لا أساس لها من الصحة”، وهو ما دفع تركيا إلى تصعيد خطابها ضد المملكة، وأعلن وزير الخارجية مولود جاوش أوغلو أن “السعودية لا تتعاون مع التحقيقات الجارية”، وطالب السعودية بتسريع إجراءات تفتيش قنصليتها، وعقب مرور 13 يوماً على الجريمة، جرى اتصال هاتفي بين الرئيس التركي والملك السعودي سلمان بن عبد العزيز الذي أكد “حرص المملكة على علاقاتها بشقيقتها تركيا بقدر حرص جمهورية تركيا الشقيقة على ذلك، وأنّه لن ينال أحد من صلابة هذه العلاقة”.

التمهيد للاعتراف

بعدما رصدت الكاميرات دخول كميات هائلة من مواد التنظيف إلى القنصلية في محاولة أخيرة لمحو أي آثار للجريمة قبيل بدء التفتيش التركي، بدأت لقاءات أمنية بين وفد سعودي والسلطات التركية في مديرية أمن إسطنبول وانتقلوا إلى مقر القنصلية للتحضير لوصول فريق التفتيش التركي الذي بدأ أعماله داخل القنصلية في اليوم الـ13 للجريمة ولاحقاً في منزل القنصل، كما مهد ترامب للاعتراف السعودي بالقول إن خاشقجي “قد يكون قتل على أيدي عناصر غير منضبطين”، ولاحقاً ذكرت شبكة “سي إن إن” الأمريكية أن مسؤولين سعوديين يستعدون للاعتراف بمقتل خاشقجي بالخطأ أثناء التحقيق معه، قبل أن يصرح بأن “خاشقجي قتل على الأكيد”، وبالتزامن مع ذلك أصدرت عائلة خاشقجي أول بيان لها طالبت فيه بتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة.

وبعد 14 يوماً على وقوع الجريمة، غادر القنصل محمد العتيبي إسطنبول رغم اعتباره أبرز “المتسترين على الجريمة” محتمياً بالحصانة الدبلوماسية التي يتمتع بها، وذلك بالتزامن مع بدء تفتيش منزله الذي دارت حوله أكثر الشبهات كونه المكان الذي استخدم للتخلص من الجثمان، وقامت الفرق التركية المختصة بجمع عدد كبير من عينات الحمض النووي من مقر القنصلية ومنزل القنصل واستخدمت خلال البحث مركب “اللومينول” وجمعت عينات (DNA) من داخل المبنى. وأخذت الفرق عينات من تربة حديقة القنصلية، وصناديق القمامة أيضاً، وجمعت عينات كذلك من مجاري الصرف الصحي المرتبطة بالقنصلية. كما فحصت الفرق مرآب السيارات وملحقات أخرى تابعة للمبنى، وفي إطار التمهيد أيضاً كشف صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، عن خطة من شأنها الدفع بنائب رئيس الاستخبارات العامة السعودية أحمد عسيري كـ”كبش فداء” في قضية خاشقجي.

الاعتراف السعودي

في العشرين من أكتوبر، وبعد 18 يوماً على الجريمة، وعقب عشرات التصريحات التي نفت أي علاقة للملكة باختفاء خاشقجي، هاتف الملك سلمان أردوغان مجدداً قبل ساعات من بث وكالة الأنباء السعودية الرسمية بياناً اعترفت فيه المملكة لأول مرة بمقتل خاشقجي في القنصلية. وجاء في البيان: “التحقيقات الأولية التي أجرتها النيابة العامة أظهرت أن المناقشات التي تمت بين خاشقجي والأشخاص الذين قابلوه أدت إلى حدوث شجار واشتباك بالأيدي، ما أدى إلى وفاته”، وأشارت إلى أن “تحقيقاتها مستمرة مع الموقوفين على ذمة القضية والبالغ عددهم 18 شخصاً جميعهم من الجنسية السعودية، تمهيداً للوصول إلى كافة الحقائق وإعلانها، ومحاسبة جميع المتورطين في هذه القضية وتقديمهم للعدالة”، قبل أن تعود النيابة بعد 23 يوماً على الجريمة للاعتراف بأن “المنفذين أقدموا على فعلتهم بنية مسبقة”.

وتزامن الاعتراف السعودي مع الإعلان عن سلسلة قرارات كان أبرزها إعفاء أحمد عسيري وسعود القحطاني من مناصبهم في الاستخبارات والديوان الملكي، وضباط آخرين في الاستخبارات وغيرهم، كما أعلنت الرياض تشكيل لجنة وزارية لإعادة هيكلة الاستخبارات وتحديد صلاحياتها. وقال وزير العدل السعودي، إن قضية مقتل خاشقجي “وقعت على أرض سيادتها للمملكة، وستصل لقضاء بلاده بعد اكتمال المتطلبات”.

تفنيد الرواية

بعد صدور الرواية السعودية الرسمية، عبرت معظم دول العالم عن عدم اقتناعها بالتفسير السعودي، وبينما كشفت “سي إن إن” عن أن خاشقجي “قتل خنقاً”، أوضحت “واشنطن بوست” أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) استمعت لتسجيلات صوتية تتعلق بمقتل خاشقجي، كما نشرت “وول ستريت جورنال” أن الأمير خالد الفيصل استمع لتسجيل صوتي يدحض مقتل خاشقجي في شجار، وتثبت أنه تعرض لـ”التخدير، والقتل، والتقطيع”، بعد دخوله قنصلية بلاده بوقت قصير.

وقالت تسريبات متنوعة للصحافة التركية إن خاشقجي تعرض للخنق من قبل فرقة اغتيال سعودية في عملية استغرقت نحو ثماني دقائق. ثم قام ضابط برتبة مقدم في قسم الطب الشرعي السعودي بتقطيع الجثة إلى 15 قطعة أثناء الاستماع إلى الموسيقى. وبعد 20 يوماً على الجريمة كشف عن مقاطع فيديو تظهر أحد أعضاء فريق الاغتيال السعودي (محمد المدني) وهو يرتدي ملابس خاشقجي ويخرج بها من القنصلية ويتجول في أحيائها في محاولة لإثبات أن خاشقجي قد خرج من القنصلية.

وبعد 20 يوماً على الجريمة، تحدث أردوغان لأول مرة عن تفاصيل الجريمة، وفند الرواية السعودية، وتحدث عن أن الجريمة كان مخططاً لها مسبقاً وتفاصيل وصول الفرق السعودية قبيل الحادثة وعمليات الاستطلاع في غابة بلغراد وولاية يالوفا، وكيف تم تعطيل كاميرات المراقبة في القنصلية، وشدد على أن “إلقاء التهمة على عناصر أمنية لا يقنعنا نحن ولا الرأي العام العالمي”، وطالب بمحاكمة المتهمين في تركيا.

وبعد 22 يوماً على الجريمة، هاتف بن سلمان أردوغان وأطلق سلسلة تصريحات “تصالحية” مع تركيا، معتبراً أنه “لن يحدث شرخ بين السعودية وتركيا”، وذلك بالتزامن مع تزايد التسريبات عن مسؤوليته المباشرة عن الجريمة، وكشف تفاصيل عن الاتصال بين فريق الاغتيال ومدير مكتبه والمقربين منه، لاسيما التسريب عن اتصال من المطرب لأحد المقربين ببن سلمان طلب منه بالقول “أخبر رئيسك أن المهمة انتهت”.

مصير الجثمان

عقب الاعتراف بقتل خاشقجي، وتزايد الأسئلة التركية حول مصير الجثمان، قال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير إن بلاده “تعكف على العثور على جثمان خاشقجي”، لكن موقع “ميدل إيست أي” البريطاني، قال إن التحقيقات التركية لا تستبعد نقل ماهر المطرب أجزاء من الجثمان إلى السعودية مستفيداً من المميزات المقدمة للدبلوماسيين في مطار أتاتورك، كما تساءل أردوغان مراراً عن مصير الجثمان وسبب رفض السعودية الكشف عنه رغم اعترافها بمقتله، ولاحقاً ذكرت مصادر أمنية تركية أن مسؤولين سعوديين لم يسمحوا للشرطة التركية بتفتيش بئر داخل حديقة مبنى القنصلية حيث يشتبه بإمكانية استخدامه في التخلص من الجثمان. وفي آخر إعلان رسمي للنيابة التركية حول الجثمان، قالت إن خاشقجي قتل خنقاً فور دخوله مبنى القنصلية وفقاً لخطة كانت معدة مسبقاً وتم تقطيع جثته للتخلص منها.

وبينما لم تعثر تركيا حتى اليوم على أي أثر للجثمان في القنصلية أو منزل القنصل أو غابة بلغراد أو المنازل المشتبهة في ولاية يالوفا، يبقي الجثمان سراً لم يكشف بعد بشكل ملموس، ولكن تجمع كافة التحقيقات أن الجثمان جرى التخلص منه عبر التذويب بالأسيد أو حرقه في فرن بمنزل القنصل كما كشف تحقيق لقناة الجزيرة، ولكن مع عدم استبعاد أي نظرية أخرى، ومنها احتمال نقل الجثمان إلى خارج تركيا.

نقلت صحيفة “واشنطن بوست” عن مسؤول تركي رفيع المستوى قوله إن “السلطات التركية ترجح نظرية مفادها أن جثة خاشقجي المقطعة تمت إذابتها باستخدام حمض الأسيد داخل القنصلية السعودية أو في مقر القنصل العام السعودي القريب”. وقال المسؤول، الذي طلب عدم الكشف عن عن هويته لحساسية القضية، إن “الأدلة البيولوجية التي تم اكتشافها في حديقة القنصلية تدعم النظرية القائلة بأن جثة خاشقجي تم التخلص منها بالقرب من المكان الذي قتل ومزقت أوصاله فيه”. وأوضح أن “جثة خاشقجي لم تكن بحاجة إلى دفن”.

محاكمة شكلية

مع استمرار المماطلة السعودية في التعاون مع المحققين الأتراك، وعدم محاكمة المتهمين، طلبت النيابة العامة التركية من المملكة تسليمها المشتبه بهم الـ18 لمحاكمتهم أمام القضاء التركي، وأكد وزير العدل التركي أن أنقرة هي المخولة بمحاكمتهم كون الجريمة وقعت على الأراضي التركية، لكن وزير الخارجية السعودي شدد على أن المتهمين ستتم محاكمتهم في السعودية فقط، وعقب 27 يوماً على الجريمة وصل النائب العام السعودي مبارك المعجب إلى تركيا وأجرى سلسلة لقاءات رسمية مع الجهات التركية المختلفة قبل أن تتهمه تركيا بعدم التعاون ومحاولة معرفة ما تملكه تركيا من أجل مساعدة السعودية في بناء رواية للتغطية على الجريمة، وبينما لوحت أنقرة مراراً بتدويل التحقيق إلا أنها لم تقم بهذه الخطوة حتى اليوم في ظل الرفض الأمريكي وتراجع مواقف كثير من الدول الأوروبية من الجريمة.

وفي جانب آخر، طالبت تركيا مراراً بمحاسبة “المستوى السياسي” المسؤول عن إعطاء الأوامر بتنفيذ الجريمة، وألمحت تركيا بقوة إلى ولي العهد محمد بن سلمان، وقال أردوغان إنه “لا داعي للمماطلة لإنقاذ شخص ما”، وقال لاحقاً إن “الأمر جاء من أعلى المستويات الحكومة السعودية، ولكن ليس من الملك”، ومع الذكرى السنوية الأولى لمقتل خاشقجي، اعترف بن سلمان لأول مرة بأن “الجريمة وقعت في ظل إدارته، وبناء عليه يتحمل المسؤولية كاملة عنها”، لكن تركيا ردت بالقول إنه “من المهم تقبل ولي العهد السعودي مسؤولية الجريمة، ولكن يجب الالتزام بهذه المسؤولية”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية