في الذكرى الـ72 لاحتلالها: شهود عيان يروون: طبرية أول مدينة فلسطينيةيغرقها تسونامي النكبة بدعم بريطانيا لليهود

 وديع عواودة
حجم الخط
1

الناصرة ـ «القدس العربي»: صادفت أمس الأحد الذكرى السنوية لسقوط مدينة فلسطينية في نكبة 48 هي مدينة طبرية في أيدي العصابات الصهيونية، وتهجير أهاليها العرب بشاحنات وباصات، أحضرها الجيش البريطاني الذي كان يحتل المدينة تحت حكم الانتداب حتى 15/5/1948.
كيف سقطت طبرية مبكرا في أيدي العصابات الصهيونية الغازية، وهل تم التنازل عنها بسهولة أم قاومت بما توفر لديها من سلاح وما نبض الحياة فيها قبيل ذلك؟
في أحاديث لـ ” القدس العربي ” يؤكد شهود عيان ما رواه مؤرخون كثر، حيث يقولون في شهاداتهم ان الإنكليز ساعدوا العصابات الصهيونية في الاستيلاء على المدينة عملا بتنفيذ وعد بلفور، مؤكدين مقاومتها حتى آخر ساعة.
وفي شهادته الشفوية أوضح الشيخ جبرا قردحجي المولود في مدينة طبرية في 2/8/1928 وتعلم في مدارسها، وعمل في مهنة الحدادة مع عمه الحداد سالم قردحجي داخل حارة النصارى، قرب كنيسة الروم الكاثوليك، وبقي في المدينة حتى سقوطها وتهجير أهلها قبل انتهاء الحكم البريطاني بـ 26 يوما، في 19.04.1948، وهي اليوم مدينة تتعرض مقدساتها وبقايا معالمها الفلسطينية للهجران والتزوير.
يستعيد أبو حبيب علاقات الفلسطينيين واليهود (الأغلبية) في طبريا عشية الصدام فيقول إنه لم يكن هناك فرق بين يهودي وعربي، إذ عاشوا معاً في وئام وسلام وكان معظمهم من المغرب وتونس والجزائر، وبقي الوضع على هذا النحو حتى قرار التقسيم، فيما قال آخرون حتى ثورة 1936.

محمد عبد الوهاب

يحن جبرا الى طبريا كثيرا، وأكثر ما يحن له الجلوس على شواطئها، في المقاهي والمطاعم مع أصدقائه، كمقهى المتروبول التابع لعائلة قهوجي، ومطعم أبو الياس الطبراني، ومقهى العكاوي ومقهى منير أبو علي، وآخر لمحمد علي.
كما يستذكر في شهادته أن الفنان الراحل محمد عبد الوهاب حل ضيفا في فندق في منطقة ” البونط ” بعد إحيائه احتفالية في المدينة. ويتابع “كنت وقتها شابا أعمل موظفا في الفندق فبادرت لمساعدته في توضيب حقيبته قبيل رحيله فمنحني ليرة فلسطينية كانت تعادل راتبي الشهري فكدت أطير فرحا”.
أبو حبيب الذي تهجر وعائلته من طبرية إلى الناصرة، استذكر آخر لحظات هذه المدينة الفلسطينية الساحرة المتكئة على الجبل ووجها لبحيرة تحمل اسمها تبدو من الخيال بحلاوتها. فقال في شهادته التاريخية إن الرعب دب في السكان العرب من المذابح التي نظمتها العصابات الصهاينة في قرية ناصر الدين، في اعلى الجبل في طبرية، وأحرقوها، ثم ما جرى في مذبحة دير ياسين غرب القدس. وأضاف “مما مهد لمغادرة العرب للمدينة بسرعة إحضار الإنكليز أكثر من عشرين سيارة وباصا وبدأوا بنقل السكان كما يريدون الى الناصرة او الى الأردن عن طريق جسر المجامع من طريق سمخ.
وقال إنه منذ قرار التقسيم الذي اتخذته هيئة الأمم المتحدة في 1947 تعكرت الأجواء في المدينة لكنها لم تصل الى حد الصدا، وما لبث الفلسطينيون في طبرية أن شعروا أنهم بدون سقف: “لا تنظيم ولا مؤسسات ولا سلاح، أما اليهود فلهم منظماتهم العسكرية : “الهغاناه ” و ” البلماح” و ” الاتسل ” و ” الليحي ” وغيرها، ولهم مؤسساتهم المدنية كالوكالة اليهودية وسواها. منوها أن الشباب العرب كانوا يتحرقون ليضمنوا الدفاع عن مدينتهم وقد وصلت حوالى خمسين بندقية على دفعتين، وأصبح كامل الطبري قائدا لمجموعة من المناضلين، ثم جاء صبحي شاهين ـ وهو أيضا طبراني ـ ومعه جماعة من الرجال لكن الفريقين معا لم يبلغا المئة ولم تكن هناك مخازن للذخيرة ولا خطة مدروسة. وفي مارس/ آذار بدأت اشتباكات بين الطرفين في طبرية امتدت خمسة أيام. وعن تلك الأيام قال “دار عمي مبنية من عقود كبيرة راسخة ولها ساحة وبوابة قوية فتوافد إليها أهل الحارة. جمعهم الرعب وقلة الحيلة. جاؤوا يحتمون من الرصاص. كل صلية رصاص يسمعونها تصب في بئر الخوف. سعيد زيدان صاحب دكان في الحارة، نقل كل ما في دكانه من مواد غذائية ليأكل المحتمون هناك، ثم ذبح خروف العيد ليطعم الناس”. في الساعة الحادية عشرة من ليل اليوم الخامس استدعى القائد البريطاني زعماء العرب واليهود ـ حضر صدقي الطبري عن العرب، ودهان رئيس بلدية طبرية عن اليهود. قال البريطاني: نحن مسؤولون عن البلد حتى 15 أيار موعد انتهاء الانتداب ولذلك عليكم أن توقفوا الاشتباكات حالا وإلا فإني سأضرب بالمدافع أي فريق يشرع بإطلاق النار”.
وأشار إلى أن الهدنة امتدت حوالى الشهر وبدت الأحوال وكأنها هادئة لكن مجزرة دير ياسين في التاسع من إبريل/ نيسان بعثت في القلوب رعبا وذهولا.وتابع “إذن المعركة ليست بين قوات مسلحة. إنهم يقتلون الشيوخ والحوامل والأطفال وكل من يطوله سلاحهم ليقتلعوا الناس من بيوتهم وأراضيهم لتخلو لهم البلاد. أرادوا لتلك المجزرة أن تكون بوقا ينذر من يبقى بالموت ويدعو إلى الرحيل كل من يريد الحياة “.
كما أشار الى تجدد القتال في طبرية في 11 نيسان وأشيع أن نجدة ستأتي عن طريق قرية ناصر الدين المجاورة وفي مساء 13 نيسان جاءت قوة يهودية مسلحة متنكرة بملابس عربية، فرحب بها أهل القرية باعتبارها النجدة لطبرية لكن الرصاص حصدهم”.
وتابع قردحجي في شهادته “نزلت أخبار هذه المجزرة على طبريا كالصاعقة وزادت من وتيرة الرعب. في 16 نيسان فرض الإنكليز منع التجوال وهدنة مدتها ثلاثة أيام، استفادت العصابات اليهودية منها فاحتشدت بأعداد كبيرة وخرقت الهدنة قبل انتهاء الموعد فقامت بهجوم مخطط ومركز واحتلوا “فندق كروسمان” المشرف على الأحياء العربية ومضوا يحتلون المواقع المختلفة. لم يوقفهم البريطانيون المسؤولون عن البلاد حتى 15مايو/ أيار. وفي صباح 19 نيسان دعا البريطانيون العرب الى التجمع في الساحة القريبة من السور. مشاعر الذعر والمجازر ساقتهم الى تلك الساحة. لم يكف القناصة اليهود عن إطلاق الرصاص على الحشد. أصابوا صبحي الحموي وإحسان كنجو وأصيب عيسى يعقوب العواد ابن السبعين في رجله”.
وقال قردحجي أن الأب نتنائيل شحادة لم يحتمل ما يحدث فاعتمد على ثوب الكهنوت الاسود ومشى بين الرصاص نحو مركز الإدارة البريطانية طالبا حماية الناس الذين دعوا للاحتشاد بالآلاف، فبعث المسؤول سيارة مصفحة لعلها تردع القناصة وعندها الرصاص خف لكنه لم ينقطع.
ويؤكد قردحجي أن “هذه العصابات والاستعمار البريطاني طبقوا خطة تهجير العرب، وكان السكان اليهود واقفين على الطريق يضحكون ويرسلون بأصابع أيديهم إشارات قذرة، واندفعوا الى بيوت العرب ينهبون ما فيها من أثاث ومؤن وغير ذلك”.
واضاف ابو حبيب”كان لي عم كبير السن لم يخرج معنا من طبرية اسمه سالم قردحجي، لم يقبل ان يترك البلد، وقال لهم أريد انأموت هنا في بيتي وأملاكي التي بنيتها كل أيام حياتي”.

اللجوء في الناصرة

وبعد عشرة أيام جاء الإنكليز اليه وطلبوا منه مغادرة المدينة، قالوا له لا أمان عليك ان تبقى هنا وحدك وان اليهود سيقتلونك، ونحن مسؤولون عن حياتك، وأخذوه بالقوة في سيارة الجيش البريطاني الى جسر المجامع ليتابع ذهابه الى الأردن. ونحن بقينا في البلاد لم نغادرها”، منوها انه من أجل حرمان الأهالي الفلسطينيين من أملاكهم في طبرية، سنت حكومة اسرائيل قانون ( حاضر غائب) أي أنك في اسرائيل حاضر ولكن عن سكنك في طبرية غائب، وتابع بغضب “وهكذا باتت أملاكنا مصادرة للدولة. لغاية سنة 1967 منع المواطنون العرب من الذهاب الى طبرية إلا بتصريح خاص، وفقط خلال النهار”.
وشكر مؤسسات الناصرة ودورها التي استوعبت المهجرين من طبرية خاصة الأديرة والكنائس والفنادق مثل الكازانوفا، السالزيان، والعمل الكاثوليكي، ودير بلانش، والمستشفى الطلياني (النمساوي) الأورفنج والفرير وغيرها من الأماكن التي استوعبت لاجئي طبرية لا فرق بين مسيحيين ومسلمين.
وفي شهادته أكد أبو حبيب أنه” لو تركوا الأهالي في طبرية لبقوا حتى الآن في بلدهم يعيش اليهود جنبا الى جنب مع الفلسطينيين كما كانوا منذ قرون، إلا أنهم رفضوا ان يبقى عربي واحد في مدينة طبرية وحتى اليوم لن يوافقوا اعلى أن يسكن عربي واحد في طبرية “.

متطوعون للجهاد في طبرية

حينما نادى مناد الجهاد للدفاع عن طبرية قامت قيادة “الجهاد المقدس” في الناصرة (التنظيم أسسه الشهيد عبد القادر الحسيني)، بقيادة توفيق الإبراهيم (أبو إبراهيم الصغير) من قرية اندور، بتجنيد اربعين شابا من قضاء الناصرة ممن لهم إلمام وخبرة في القتال (خدموا في الجيش والشرطة وحرس الحدود البريطانية).
وفي شهادته قال الحاج فياض نمر خطيب( 90 عاما) إنه كان واحدا من بين مجموعة شباب من بلده والمنطقة هبوا لمؤازرة طبرية قبل سقوطها بأسبوعين.
وعن ذاك اليوم قال “عند الغروب سافرنا الى بلدة لوبية وهناك انطلقنا ليلا سيرا على الاقدام، نحو حطين، كنا 73 شابا عبرنا سهل حطين وكان معنا دليل وبنادق إنكليزية وكندية. كان الربيع عاليا في سهل حطين، وكان الواحد يسقط ويقوم. الضابط محمد العورتاني كان قائدنا (كان ضابطا في الجيش الأردني) ولما وصلنا الى شارع طبريا صفد، كشفنا اليهود بالأضواء الكشافة ولكن لم يشاهدونا ووصلنا المطحنة شمال المدينة، وهناك استقبلنا المجاهدون من شباب طبريا بقيادة صبحي شاهين ومعه عشرون من الفدائيين.
في المدينة توزع المجاهدون من (الجهاد المقدس)على جبهات المدينة الثلاث، من الشمال، الجنوب والغرب، وكان اليهود يهاجموننا أيضا من جهة البحر، حيث كانت زوارقهم المسلحة تطلق النار على العرب، قادمة من عين غيف، ودغانيا وكنيرت.
وقال رفيقه محمود مطر عباس في شهادته من كفركنا إن اليهود حملوا رشاشات ستن وبرن البريطانية وسلاحا تشيكيا حديثا ومدافع مورتر وهاون وألغاما وقنابل ولم يكن مع المقاتلين العرب سوى بنادق فرنسية قديمة، أرسلت من القيادة في دمشق(60 بندقية) وبنادق إنكليزية وكندية كانت مع المتطوعين. وحمل الفدائيون العرب بقيادة المجاهد صبحي شاهين رشاش طوميغان، ورشاشات ستن ومدفع هاون واحدا وذخائر شحيحة، ولم تزودهم القيادات في الناصرة ودمشق حتى بالطعام اللازم فكان أهالي طبريا العرب يقاسمونهم قوت يومهم من الخبز والطعام.
وقال عباس “بعد توزيعنا على الطوابق العليا في البيوت العربية الواقعة على خط النار بين الأحياء العربية واليهودية، شاركنا في الدفاع عن طبرية من الهجمات الصهيونية المتصاعدة”. وأضاف “كانت تصلهم الامدادات والأسلحة فيما تتناقص ذخائرنا ولا يصلنا شيء. كنا مطوقين من الجهات الأربع. كانت البنادق الفرنسية تتفكك وتخرب بعد إطلاق عدد من الرصاصات ويلجأ حاملوها الى الحدادين لإصلاحها”.
وحسب شهادة عباس وصلت الى طبرية سرية أخرى من المقاتلين العرب بقيادة ذياب الفاهوم، وبلغ عدد المقاتلين العرب فيها 200 مقاتل مقابل المئات من رجال العصابات الصهيونية الذين فاق عددهم الألف مقاتل يوم سقوطها في 19 نيسان، وكانت في طبرية لجنة قومية عربية حملت مسؤولية الدفاع عن المدينة العربية، وكان الشيخ كامل الطبري رئيسا للجنة القومية.
وأكد الشيخ جبرا قردحجي هذه المعلومات حول الأسلحة والبنادق الفرنسية، فيما يؤكد ذلك أيضا المحامي محمد نمر الهواري في كتابة “سر النكبة”، والمؤرخ عارف العارف في كتابه “النكبة الفلسطينية والفردوس المفقود”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية