هل حملت التقارير السويسرية التي أشارت لاحتمال وفاة الرئيس الفلسطينيياسر عرفات مسموما مفاجأة جديدة وغير متوقعة؟ ربما يكون الأمر كذلك لمن لم يكن يتصور إن إسرائيل تستكثر على عرفات البقاء على قيد الحياة لعدة سنوات أو أشهر أخرى، حتى لو كان تحت وطأة الحصار والتهديد بالموت بأكثر من طريقة، إن لم يكن بنيران القصف والاجتياح فليكن بالموت جوعا وعطشا. وعدا عن كون هذه التقارير دلائل ذات مصداقية ومهنية، فإنها لم تأت بجديد سوى الإشارة إلى أن الراحل عرفات ربما يكون ضمن قائمة طويلة من الأسماء والرموز والقيادات التي تورطت إسرائيل باغتيالهم. إذا كان عرفات قد قضى معظم سني حياته وهو يخوض غمار النضال الوطني ضد آلة القتل الإسرائيلية، منذ التحاقه بفرق الإخوان المسلمين المقاتلة في غزة سنة 48 مرورا بتنقلاته بين القاهرة والكويت وعمان وبيروت وتونس، فما الذي يمنع الآلة ذاتها من الإقدام على وضع حد لحياة لهذا ‘الختيار’ الذي طالما نظرت له بوصفه مثيرا للمتاعب؟ في سياق قراءته لتحولات الصراع العربي الإسرائيلي تنبأ الكاتب الصحافي البريطاني المعروف روبرت فيسك بفشل المفاوضات، ومن ثم إعادة عرفات إلى المربع السابق لمرحلة ما قبل أوسلو. يقول فيسك في كتابه ‘ويلات وطن’: ‘وفي وقت أقصر مما استلزمته قراءة نص اتفاقية أوسلو المحكوم عليها بالفشل لعيوبها الفادحة.. أعيد اختراع ياسر عرفات من الإرهابي الأكبر إلى رجل الدولة الأكبر، كان ذلك التغيير في حياة عرفات محفوفا بالخطر، إذ متى فشلت اتفاقية أوسلو كما كان محتما لها أن تفشل- سوف يحولون عرفات حتما إلى ذاك الإرهابي الأكبر مرة أخرى’. وهذا هو ما حدث بالفعل، فشلت أوسلو وسارع الطرف الذي أفشلها لتحميل عرفات تبعات ذلك الفشل، وبسرعة خاطفة غدا عرفات الذي تقاسم مع رابين رئيس حكومة إسرائيل إبان أوسلو جائزة نوبل للسلام، مطلوبا أمنيا لإسرائيل. وحين نستدعي اللحظات الأخيرة من حياة عرفات نجد أنه بعد ساعات من وصوله إلى أحد مستشفيات باريس بدأت وكالات الأنباء الغربية تتحدث عن وفاته، بينما يأتي النفي أكثر من مرة من مسؤولين فلسطينيين، حتى تم الإعلان رسميا عن وفاته في 11 نوفمبر، لكن التلفزيون الإسرائيلي اختار يوم 4 نوفمبر لإذاعة النبأ، ولعله أراد بذلك أن يتطابق تاريخ وفاة عرفات مع مقتل إسحاق رابين الشريك الرئيس لعرفات في التوقيع على اتفاقية أوسلو وجائزة السلام، ليقول إن لحظتين متماثلتين شهدتا رحيل عرفات ورابين ومعهما عملية السلام واتفاقيتها التي يجب أن تطوى، وبالتالي فعلى إسرائيل أن تستعد جيدا لمواجهة المرحلة القادمة، وهي في حل من أي التزام تجاه المجتمع الدولي، خاصة وقد نجحت في إقناع رعاة السلام في واشنطن إن تململ عرفات في التوقيع على وثيقة تنازلات ‘واي ريفر’، دليل كاف يثبت ردته عن السلام الذي يعني من وجهة نظر إسرائيل: المزيد من التنازل مقابل المزيد من الوعود. والمؤكد ان عرفات حينها خيب ظن الأمريكيين عندما رفض التوقيع على وثيقة تتضمن حلولا رأى إنها منقوصة لأنها لم تتضمن أراضي 1967 وفي مقدمتها القدس الشرقية، وعلى الطرف الآخر كانت اسرائيل منزعجة لأنها ‘قدمت أقصى ما يمكن تقديمه’، واقتنع الوسيط الأمريكي بالطرح الإسرائيلي، ملقيا اللوم على ياسر عرفات. وصدقت هنا نبوءة روبرت فيسك، وبات من السهل إعادة عرفات- في الخطاب الإسرائيلي طبعا- إلى خانة الإرهاب. وجاء ذلك متزامنا مع اندلاع الانتفاضة الثانية سنة 2000، لتكتمل الأدلة في عيون إسرائيل على أن عرفات كفر بأوسلو وأهدر فرص السلام، واتهمته بدعم المقاومة الإسلامية مع أن الطرفين لم يكونا على توافق في ذلك الحين. وجدت إسرائيل أنه لابد من اجترار التهم التي كانت تقال بحق عرفات في سبعينيات القرن الماضي، وسعت بكل ما أوتيت من قوة وإمكانات لمهاجمة القرى والبلدات الفلسطينية من جديد، اجتاحت بعضها وحاصرت البعض الآخر، ولم تسقط من حسابها رام الله، حيث كان أبو عمار يقضي الأيام الأخيرة من حياته رافضا أن يساوم على خروجه، وقرر البقاء حيث هو متنبئا بمصيره وهو يردد: شهيدا.. شهيدا.. شهيدا.