في الذكرى المئوية لجان جينيه: مديح الخيانة!

حجم الخط
0

محمد الفحايم

خلدت فرنسا خلال عام 2010 مئوية الكاتب جان جينيه (1910 ـ 1986)، فأقيمت منتديات وأنجزت قراءات وظهرت إصدارات تتناول منجز هذا المشاغب الأبدي الذي صدح طوال عمره بمقته للمجتمع الفرنسي، ورفع عقيرته معارضا لسياساته، متفاخرا بخيانته له، مشرعنا سرقاته وجنوحه إلى جنسانية مثلية.

كدأبها خصصت المجلة الأدبية الفرنسية Le magazine li’raire لعدد كانون الاول ( ديسمبر) 2010 ملفا كبيرا للكاتب، فتداعى الكتاب من ذوي الاختصاص إلى تقديم قراءات تقارب وجوه الكاتب المتعددة: شعرا ومسرحا ورواية ومواقف وقناعات سياسية ووجودية تثير حفيظة المجتمع الغربي العنصري ( وليس الوجه الإنساني منه)، وتنبه الضمائر الحية فيه إلى القضايا الإنسانية العادلة ( عنيت مساندة واحتضان جان جينيه لقضية الفهود السود في أمريكا، وقضية الفدائيين الفلسطينيين في كفاحهم ضد العدو الصهيوني المحتل، التي أثمرت نصين شهيرين للكاتب: ‘ أربع ساعات في شاتيلا’ و ‘ الأسير العاشق’*، ناهيك عن مناصرته لقضايا العمال والطلاب والهجرة، وخروجه في مظاهراتهم..) . النص التالي مدين بأفكاره للمقالة الممتازة للكاتب Patrice Bougon : ‘المبشرون الكبار بجان جينيه’، المنشورة ضمن عدد المجلة الأدبية المذكور.

النص: غالبا ما يتم اختزال أعمال جان جينيه في ما قاله جان بول سارتر في كتابه الضخم الذي كرسه للكاتب، بعنوان ‘ القديس جينيه: ممثلا وشهيدا’ . وإذا كان هذا العمل الفريد قد جعل شهرة الشاعر تطبق الآفاق، فإنه ينبغي ألا يحجب الدور الذي قام به الشاعر جان كوكتو الذي يعد أول من قدم جينيه للجمهور.. صنيع جان كوكتومن المعروف أن جان جينيه قد نشر نصه ‘ المحكوم بالإعدام’ على نفقته عام 1941، وكانت نصوص أخرى له تقرأ خفية وتنقل من يد إلى أخرى سرّا، لأن محتواها القائم على إيروسية مثلية يعرضها للمنع والمصادرة، بسب انتهاكها الصارخ للذائقة البورجوازية.. بيد أن الشاعر جان كوكتو الذي قرأ هذه النصوص الشعرية فانبهر بها بل وقع في أسرها، هو من يرجع إليه الفضل في إخراجها من دائرة التداول السري المحدود إلى جعلها تحوز مكانة بارزة في المشهد الأدبي الفرنسي. اعتبر كوكتو في مذكراته هذا الكتاب بمثابة قنبلة، ورأى فيه حدث العصر الأكبر. هكذا سيسعى كوكتو إلى إقناع الوسط الأدبي لتلك الفترة بالقيمة الأدبية لهذا الكاتب الناشىء. أما الشاعر الكبير بول فاليري فإنه سيخيب ظن كوكتو حين حدثه عن كتاب جينيه، وطلب رأيه فيه، فما كان من فاليري إلا أن قال: ‘ أحرقوا هذا الكتاب!’. فعقب جان كوكتو على قوله: ‘ إن فاليري معتوه، أهذا هو الذكاء؟’. وأطلق الكاتب اليميني المحافظ ‘ فرانسوا مورياك’ على كتابة جان جينيه: ‘ الكتابة الغائطية’ excr’mentielle . وفي الرابع عشر من ايلول ) سبتمبر( 1943، سيشير كوكتو إلى رد فعل كاتب مهم في شبكة دار النشر الشهيرة ‘ غاليمار’: ‘ في اللحظة التي قرأ فيها مارسيل جوهاندو الكتاب قام بمهاتفتي، لقد وجد أن الكتاب ينم على عبقرية وغنائية لم يسبق إليها أحد حتى يومنا هذا..’ . غير أن جان جينيه، في رسالة له إلى الناشر Barbezat مؤرخة بتاريخ 8 تشرين الثاني ( نوفمبر) 1943، سينقض الصورة الافتراضية للكاتب: ‘ أريد أن ألفت انتباهكم إلى شيء واحد، فما يهمني هو الحصول على المال، إن أمر نشر كتابي بعد مئة عام لا يعنيني، لكني في حاجة إلى النقود’. سيبدأ الاعتراف الرسمي بالكاتب مع صدور كتاب الفيلسوف جان بول سارتر عن جينيه، وهو الكتاب الذي ضمن الشهرة للكاتب الملعون، وأثار بسبب قراءته الفلسفية للكاتب وأعماله، وإسقاطاته عليه عبر تطبيقه منهج التحليل النفسي الوجودي La psychanalyse existentielle، أثار حفيظة النقاد الآخرين من خصوم سارتر، الذين لا يشاطرونه رؤيته المذهبية ولا منطلقاته الايديولوجية، فانبروا للردّ على رائد الوجودية الفرنسية بقراءات تنطلق من زوايا نظر مخالفة. وهي، على كل حال، قراءات أضفت الغنى والتعدد على نصوص جينيه، ويحسن التمثيل لهؤلاء المناوئين بالكاتب والمفكر جورج باطاي الذي خص قسما من دراسته ‘ الأدب والشر’ ( 1957 ) لجينيه، أو قراءة الشاعر ميشيل دوغي الذي ينكر القراءات السياسية لمسرح جينيه، ويتهمها بالإسراف والغلو في التركيز على بعد الإلتزام وربطه بالنص الإبداعي، ويقترح قراءة شعرية لأعماله تركز على اللغة والوجوه البلاغية واستعمالاتها.

كما اهتم الفليسوف جاك دريدا بالكاتب، ورأى أن كتاباته تتأبى على كل شبكة قراءة فلسفية أو تحليلية نفسية أو أخلاقية. مثلما ركز الناقد والروائي فيليب سولرز في مقاربته للشاعر على عزلته الجذرية وفكره القائم على الجريمة والخيانة ( خيانة فرنسا بوصفها جهاز قمع وإقصاء ما جعل الكاتب يعتبر نفسه غريبا عنها لا يتورع في إحراجها ونقدها، يرفض جان جينيه فرنسا لأنها رفضته) . ويجمع هؤلا ء جميعا تشديدهم على الوظيفة الشعرية وعلى الاستعمالات اللغوية عند الكاتب، وتقليلهم من شأن القراءات الأيديولوجية السياسية لأعماله التي تصدر عن مفهوم الالتزام كما نظّر له سارتر وتداوله أشياعه.

إن انبهار الوسط الأدبي بأدب الكاتب أواخر الأربعينيات وخلال عقدي الخمسينيات والستينيات، يكمن في المفارقة التالية: كيف لكاتب لم يتلق تعليما منتظما جامعيا، ولم يتخرج في المدارس المعلومة أو الجامعات المشهورة، كاتب نشأ في الإصلاحيات وصرف أعواما في السجون، ليس له من الشهادات سوى شهادة الدروس الابتدائية، كاتب عصامي تربى على الروايات الشعبية الرخيصة، كيف له أن يكتب بهذه اللغة الأدبية التي بلغت مدى من الإتقان والكمال والصفاء جعلته يبذ شأو كتاب عصره اللامعين، ويجترح لنفسه مكانة سامية بينهم، يكنّ لها الفحول منهم كل الإكبار والإجلال.. سعى جان جينيه في حوار معه إلى تنوير الحائرين الذين طرحوا هذا السؤال: يقول السائل: ‘ أبهرتم الملأ بلغتكم الكلاسية، لغة لم تقصدوا خلخلتها. في البداية، من علمكم كتابة الفرنسية بهذه الإستقامة؟’ ويجيب جان جينيه بكلام لا يخلو من مكر:’ النحو هو معلمي… ما كان عليّ قوله للخصم، ينبغي تبليغه له في لغته وليس بواسطة العامية التي يمكنها أن تكون لغة غريبة. لا ينبغي للسجين الذي كنته أن يكتب على طريقة سيلين ( بالعامية )، يلزم أن أخاطب الجلاد في لغته (…) لا يسعني قول أشياء استثنائية وخاصة جدا إلا في لغة تعرفها الطبقة المهيمنة، ينبغي أن يصغي إليّ أولئك الذين أنعتهم بـ ‘ سجاني’، يتوجب إذا أن ألحق الأذى بهم في لغتهم، أما إذا خاطبتهم بالعامية فلن يصغوا إليّ.

صنع جان جينيه قدره بمفرده، وقاده هذا القدر إلى العيش على هامش مجتمع أقصاه وحشره في زنازن وحيدا غريبا إلا من تأملاته التي صاغها في صورة أشعار وروايات ومسرحيات، تصرخ عاليا في وجه هذا النفي والإبعاد، ولا تخجل من مديح الخيانة والسرقة والمثلية بوصفها أشكال احتجاج تثبت الذات وترسخ الذاكرة وتقاوم النسيان. رحل الرجل لكن أعماله ومواقفه ستظل باقية تثير الجدل ويسهر القوم جراها ويختصمون.

هامش:’ الأسير العاشق’ هو الكتاب الأخير لجان جينيه، صدر عام 1986 ويؤرخ لعودة الكاتب إلى الكتابة بعد انقطاع وصمت أدبي دام زهاء عشرين سنة، يقول عنه Albert Dichy وهو مختص في أعمال الكاتب، ألف كتبا، وكتب فيلمين وثائقيين عنه، هما: ‘ جان جينيه المتشرد’ و ‘ جان جينيه الكاتب’: ‘ إذا كان قد وجد عند الفدائيين، في حالة حرب، الرغبة في العيش والكتابة التي كان قد فقدها، فذلك لأنه ـ وهو المنفي بين المنفيين ـ يعثر، بلا شك، بجوارهم على وطن بالتبني، على أرض للملاذ العابر، على فضاء مفارق من الطمأنينة والسلام في أتون الحرب. في قلب الحكي يعبر، مثل طيف، وجه الأم التي لم يعرفها خلال حياته، والتي يبتكرها انطلاقا من ملامح عجوز فلسطينية’[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية