في الذكرى المئوية للمؤتمر العربي الأول: تساؤلات حول التاريخ والذاكرة والمستقبل
21 - June - 2013
حجم الخط
1
يميز الفيلسوف الفرنسي بول ريكور بين ثلاثة مستويات من الأحداث التاريخية: أولا: حدث ذومعنى في حده الأدنى، أي حدث عادي واضح المعالم، ولكن من دون أي تأثير على مجرى التاريخ ولا في تشكيل الهوية الجماعية. وثانيا: حدث يندرج ضمن نمطية معينة ويشكل نوعا من ‘الشيما’، مما يفقده طبيعته الاساسية كحدث. أما النوع الثالث فهوحدث استثنائي وغير مألوف أوحدث بمعناه العلوي حسب مصطلح ريكور، مما يجعله يلعب دورا مهما في إعادة تشكيل هوية جماعية جديدة. ويعطي ريكور امثلة معينة لتلك الانواع من الأحداث في التاريخ الأوروبي مثل المحرقة التي تعتبر حدثا غير عادي، مشكلا لهوية أوروبية جديدة ولكن بشكلها السلبي، بينما يعتبر عملية ‘الاستيلاء على الباستيل’ كحدث استثنائي ساهم في تأسيس هوية جديدة، ولكن بالمعنى الايجابي. كما يستخدم ريكور في تحليله للتاريخ مفاهيم أخرى، مثل التاريخ المستمر والتاريخ غير المستمر اوالمنقطع، ويعطي كمثل للتاريخ المنقطع’ سقوط جدار برلين، الذي كان محوريا ومشكلا لهوية ومرحلة جديدة من تاريخ اوروبا، كما يميز أيضا بين علم التاريخ الذي من المفترض ان يخضع الى مقاييس علمية وأكاديمية وأكثر موضوعية، والذاكرة أوالذاكرة الجماعية، التي تخضع أكثر لعوامل ذاتية وانتقائية، البعض منها بيئية وعائلية وسياسية واجتماعية، وحتى نفسية. وبالتالي فإن عملية تصنيف حدث تاريخي باستثنائي أو عادي، تخضع لتفسيرات متعددة تدمج في بعض الاحيان بين التاريخ والذاكرة، كما ان هناك احداثا تطمس عبر النسيان، وهو الوجه الآخر للذاكرة ونقيضها في نفس الوقت. وبينما لا يمكننا أن نعتبر ان هناك تاريخا موضوعيا بالمطلق، إلا أننا يمكن أن نعتبر ان هناك ما يمكن ان نسميه إجماعا بين علماء التاريخ حول مفصلية حدث أو آخر، مما يؤدي الى اعتماد بعض الاحداث كأحداث في مستواها العلوي، مع الأخذ بعين الاعتبار ان الحدث لا ينشأ بشكل مفاجئ ولا ينتهي بشكل مفاجئ، بل تسبقه تراكمات وأحداث تبدو نمطية أو عادية، وتتبعه أيضا أحداث أخرى قد تبدو عادية، وهكذا نرى انه عبر العالم أصبحت عمليات إحياء الذكرى، تعبرعن الاعتراف باستثنائية حدث ما، من قبل جماعة ما، مثل الثورة الفرنسية من قبل فرنسا أو الاحتفال بالاستقلال أو بنشأة الجمهوريات، أو بعقد الاتفاقيات، بالنسبة لعدة دول الخ. وعلى اساس هذا التصنيف المنهجي رأينا من الضروري البدء بطرح تساؤلات حول طبيعة الاحداث التي تسلسلت عبر قرن من الزمن في العالم العربي، في محاولة لتحديد ما هي الأحداث العادية، وما هي الاحداث المحورية والاستثنائية التي قد تشكل رمزا وعلامة في مسار التاريخ العربي وتساهم في إعادة تشكيل الهوية. فبعد قرن من انعقاده، ارتأينا أن المؤتمر العربي الأول (الذي يعرف أيضا بالمؤتمر القومي العربي او المؤتمر العربي السوري) والذي قد التأم في قاعة الجمعية الجغرافيّة الفرنسية في باريس من 18 إلى 23 حزيران (يونيو) 1913، يمكن اعتباره حدثا استثنائيا بمعناه العلوي، نظرا لاعتبار الكثير من المؤرخين والمفكرين أن الحركة القومية العربية التي كانت تتألف آنذاك من جمعيات سرية ثورية أو إصلاحية، (كان معظم أعضائها من سورية الكبرى، لبنان، سورية وفلسطين، واسطنبول ومصر)، تعود بجذورها إلى تلك السنوات الحاسمة والحرجة من حياة الإمبراطورية العثمانية، أي في السنوات السابقة للحرب العالمية الأولى، حيث كانت الإمبراطورية قد شهدت ثورة بقيادة جمعية الاتحاد والترقي في عام 1908، مما شجع المواطنين العرب على المطالبة بحقوقهم الوطنية وبحكم لامركزي في إطار الإمبراطورية، مما أدى بمجموعة من الطلاب العرب المقيمين في باريس والمنخرطين في بعض هذه الجمعيات، ولا سيما جمعية ‘العربية الفتاة’، الى الدعوة لانعقاد مؤتمر للتعبّير عن رغباتهم وتطلعاتهم الى الاستقلال في إطار اللامركزية، ولمناقشة قضية الإصلاحات في ظل الامبراطورية. وقد ترأس هذا المؤتمر عبد الحميد الزهراوي، الذي كان صحافيا ومفكرا بارزا منتميا الى حزب اللامركزية، وقد قدم مداخلة في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، عنوانها ‘تربيتنا السياسية ‘، جاء فيها ‘ايها السادة، ان الفلك دائر وبدورانه يكبر الصغير ويهرم الكبير وتتحول الاحوال كلها ولايبقى شيء على حاله أبدا، فالإنسان في الحقيقة رهن الحوادث وتحولات الاحوال، ولكن كما يتخذ الانسان التدابير عند وقوع الواقعات الطبيعية كهبوب الريح مثلا، كذلك يستطيع بقدر الطاقة البشرية ان يتخذ تدابير بناء على الحوادث البشرية، كانتباه الافكار او كرقادها، فالشيء الذي يقال له سياسة، هو ممارسة النظر في الحوادث من كل جهاتها، ليكون التصرف على حسبها’. ويضيف ‘موضوعي هو تربيتنا السياسية، ولست أدري هل يحسن صدور هذه العبارة من فم شرقي ما زالت روح الحكم المطلق مالئة محيطه، أم يعد منه ذلك جسارة في غير محلها’. وفي جوهر فكر الزهراوي ان ‘الجماعات الذين لا تربية سياسية عندهم لا تثبت مصالح عامة لهم، وقد كانت الأكثرية منا على جهل بهذه الحقيقة، ولكن توالي المصائب على البلاد مع توالي الزمان، جعلهم يلمسون هذه الحقيقة باليد، ولذلك كثر اليوم المائلون لمؤازرة المشتغلين بالسياسة بعد ان كانوا لا يذكرون’. ولذلك فإن ‘الامة التي يشيع فيها العلم تصبح عارفة ان الحكومة انما وجدت لمصلحتها، وان من تمام الحكمة في وجود الحكومة ان يوجد في جوارها مراقبون من ابناء الامة يساعدونها اذا صلحت ويقفون في وجهها اذا اخذت تفسد’. وقد أشار الزهراوي في كلمته الى قول ابن الوردي:’ان نصف الناس اعداء لمن ولي الاحكام، هذا إن عدل’. مضيفا إن ‘ كان هذا مقتضى طبع الناس مع الحكومات في حال عدلها، فكيف يكون حالهم اذا كانت ظالمة؟ انهم يكونون كلهم أعداءها إلا أذنابها المنتفعين من وجودها والذين يخشون فوات المنفعة بزوالها’. معبرا بذلك عن فهمه العميق لأهمية وجود معارضة في وجه كل سلطة . ثم افتتح الجلسة الثانية عبد الغني العريسي، الذي تحدث عن حق العرب في ‘ان يكون لهم على رأي كل علماء السياسة، من دون استثناء حق جماعة، حق شعب وحق أمة ‘، وبالتالي حق الجنسية وحق المشاركة السياسية بنسبة عادلة في كافة السلطات التي عرفها ‘بقوى الدولة الثلاث’ أي 1- السلطنة 2- القوة التشريعية و3- القوة الاجرائية. وجاء في آخر مداخلته ‘وقصارى القول اننا نعتبر ان حكومات الاستانة غير مستوفية الشروط والاركان من وجهة العدل، لان حقنا غير محفوظ لأن الحكومات في نظر ‘اعلان حقوق الانسان’ لا تكون مشروعة الا اذا احترمت حق الافراد فمن باب أولى حق الجماعات والشعوب. أما المتحدث الثالث فكان ندرة بك مطران الذي تحدث عن اللحمة التاريخية بين العرب أكانوا مسلمين أو مسيحيين. ومن الجدير بالذكر ان تكريس فكرة المساواة والشراكة بين الاديان عبر التصميم بالمشاركة المتساوية بين المسلمين والمسيحيين العرب، كانت من أهم اهداف المؤتمر العربي الاول.. ومن الجدير بالذكر ان عبد الحميد الزهراوي رئيس المؤتمر العربي الاول وعبد الغني العريسي دفعا ثمنا باهظا من أجل آرائهما، حيث كانا من بين الرجال الذين اعدمهم شنقا جمال باشا في عام 1915 وعام 1916 في الساحات العامة، ومنها ساحة الشهداء في بيروت، التي سميت هكذا إثر هذه الاحداث. وقد وصف المفكر العربي ناجي علوش، عبد الحميد الزهراوي (الذي ولد في حمص عام 1871) في كتاب مخصص لسيرته، إنه مناضل بارز، يعمل من أجل التجديد بلا هوادة ويقاتل الظلم والفساد بلا تردد، ويخوض المعارك بلا توان، ولكنه يعمل من دون ضجيج ويكره العنجهية وحب الظهور ويحاسب نفسه في كل ما يقول ويفعل ولا يحب الدعاوى، مضيفا ولذلك نال احترام الجميع، وثقة اصحاب العقل والموقف السليم، وسار بلا تردد ولا خوف الى حبل المشنقة، ولكن للأسف ان عبد الحميد الزهراوي أهمل كما أهمل رفاقه من المناضلين والشهداء، وظل تراثه مبددا ومجهولا، من يوم استشهاده الى يومنا هذا. ومع أن المؤتمر العربي الأول لم يحقق آمال الشبابّ القوميين العرب، إلا إن انعقاده في باريس في ذلك الحين، اعتُبر انعكاسا للأحوال السياسية والاجتماعية السائدة في العالم العربي في بداية القرن العشرين. وعلى هذا الأساس، قمنا كمجموعة من الأكاديميين والباحثين بعقد ندوة علمية في المعهد العربي في باريس في الرابع والخامس من يونيو من هذا العام، ليس فقط لإحياء ذكرى مئوية المؤتمر نفسه، ولكن ايضا لاحياء ذكرى الرجال والنساء الذين عاصروا هذا العهد الذي عرف أيضا بعهد التنوير، خاصة الذين دفعوا أرواحهم ثمنا لمعتقداتهم التي كانت تتمثل بجوهرها في الحرية والعدالة. وقد تخطت أهداف هذه الندوة، مسألة إحياء الذكرى، لتشمل القيام برصد علمي ونقدي ومتعدد التخصصات، لتأثيرات القومية العربية على المنطقة بأكملها، أكان ذلك من زاوية العلاقات الدولية والتحالفات الجيواستراتيجية، أو عملية بناء الشرعية للسلطات الوطنية وأنماط الحكم المختلفة، أو التحولات التي طرأت على الثقافات السياسية للمجتمعات العربية. كما طرحت الندوة تساؤلات مهمة حول الاسباب التي ادت الى الاختفاء التدريجي للعهد الذهبي للقومية العربية، وحول الاشكاليات الجديدة التي يطرحها الربيع العربي، مثل التفكيك الذي اصاب الفضاء العربيّ، وطبيعة العلاقات التي تربط بين أجزائه والتعبير السياسي عن تلك الروابط. وقد رأت معظم المداخلات انه قد يكون من الخطأ، أو من غير المنطقي، أن نستنتج، على ضوء التطورات الراهنة، أن القومية العربية التي تجسدت بأنظمة دكتاتورية، ستؤدي الى زوال الفكرة من أساسها لتستبدل بأفكار سياسية وعقائد أخرى، وانه لذلك يصبح من الحيوي القيام بمجهود نظري وتفكير تاريخي معمق لتقييم المسار المتعرج للحركة القومية العربية، والتساؤل في الوقت نفسه، عن مدى أهمية وضرورة استمرارها، ولكن بشكل متجدد بناء على منهحية قادرة على ان تستخلص الايجابي وتتخلص مما هو سلبي في مسارها، وذلك عبر الدمج بين الركائز الاساسية للفكر القومي العربي، مثل اللغة والثقافة العربية المشتركة ومواطنة عربية مبنية على أسس العدالة والحرية والمساواة والعلم وعدم الاقصاء على جميع المستويات، في اطار مشروع وطني وتحرري شامل.