محمّد محمّد الخطّابيغرناطة من محمّد محمّد الخطّابي: فى الواحد والعشرين من شهر ديسمبر(كانون أوّل) القادم (2012) تحلّ الذكرى الواحدة والتسعين لميلاد الكاتب الأمريكي اللاتيني الكبير أوغوستو مونتيرّوسو(من أصل غواتيمالي، المولود في الهوندوراس فى 21 ديسمبر 1921، والمتوفّى فى 7 فبراير بالمكسيك2003). خلق هذا الكاتب من الخرافات والأساطير قصصا اعتبرت من أجمل ما كتب في الأدب المعاصر، يجمع مختلف النقاد في العالم الناطق باللغة الإسبانية، أنّ مونتيرّوسو يعتبر بدون منازع، من أقطاب كتاب القصّة القصيرة في الآداب المكتوبة باللغة الإسبانية ، ليس في أميركا اللاتينية وحسب بل في العالم أجمع. يقول عنه الكاتب الايطالي ‘إيتالو كالفينو’: ‘انّ القصص التي خلفها لنا مونتيرّوسو تعتبر بدون منازع من أجمل القصص في العالم، لقد كان هذا الكاتب ظاهرة فريدة لا تتكرّر في الآداب الإسبانية، كان بارعاً في الإيجاز الموفى والاختصار البليغ’.القصّة..ضربات فأس يقول الكاتب المكسيكي المعروف ‘خوان رولفو’: ‘القصّة القصيرة هي ضربات فأس هنا وهناك، وعمليات مراجعة وحذف، وإضافة، وطرح وجمع، والقصّة لها فرصة واحدة في الزمان والمكان، وحظها يتقرّر في الحين مباشرة بعد مرحلتين: كتابتها ثمّ قراءتها. فأيّ طلب أو تعديل أو إضافة أو وصيّة لاحقة أو تنميق أسلوبي لا جدوى منه’. (أنظر مقالي في ‘القدس العربي’ حول هذا الكاتب بعنوان ‘خوان رولفو: صانع العجلات المطّاطية الذي إرتقى إلى مصافّ سوفوكليس’ العدد7286 الإثنين 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2012. وقد اعتمد مونتيرّوسو في كتاباته مثلما هو عليه الشأن مع الأديب الأرجنتيني الرّاحل خورخي لويس بورخيس، على بعض الخرافات، والأساطير، والحكايات، والقصص الغريبة، ممّا جعله يخلق له عالماً أدبياً متميزاً خاصاً به، يقوم على النقد اللاذع والملاحظة الذكيّة الدقيقة لبواطن الأمور. ومعاني قصصه ومضامينها مستقاة ومستوحاة في معظمها من الأمثال السائرة، والحكم المأثورة، والأشعار البليغة، بل ومن صلب المجتمع ذاته، إنه يحوّل كل ذلك إلى نصوص آسرة تقوم أساساً على السخرية المرّة من مظاهر الحياة ومفارقاتها، وتشرّح المجتمع بمبضع دقيق.تقول عنه الكاتبة الاسبانية المعاصرة ‘أنا ماريا ماتوتي’ (الحاصلة على جائزة سيرفانتيس، أعلى تكريم في الآداب الإسبانية): ‘لقد كان مونتيرّوسو شخصية فريدة في بابها، كان شخصاً إستثنائياً في عالم الأدب، كان مولعاً بالسخرية والتهكمّ اللاذعين، كلماته وتعابيره في قصصه كانت تبدو وكأنّها شعر منظوم، فلا زيادة ولا نقصان، ولا حشو ولا إطناب، إنه كان يقول الكثير باستعمال القليل من الكلمات، فقد كان مقلاّ في كلامه، مثلما كان مقلاّ في كتاباته وهيئته، كان قميئا سمينا وكان لون وجهه ورديّا مثل الأطفال’. ويقول عنه الكاتب الكولومبي الكبير ألفارو موتيس: ‘لقد تعرّفت على مونتيرّوسو عام 1956 عندما وصلت الى المكسيك، كان كاتبا جيّدا ومتفقها في اللغة الاسبانية، كنا نمضي ساعات طويلة ونحن نستمتع بقراءة دون كيشوت لسرفانتيس، لقد أعجبت بأسلوبه الأصيل الذي يطبعه الوضوح والمرح، ويتميّز بالمرونة والنفاذ وعدم الإلتواء، كان معروفا بأسلوبه الشخصي، لدرجة أنه في إمكان القارئ الجيّد أن يميّز أسلوبه حتى وإن لم يكن اسمه مكتوبا الى جانب عمله الأدبي’. لغز الدّيناصورويشير الكاتب البيروفي ماريو بارغاس يوسا (نوبل فى الآداب) الذي يعرف مونتيرّوسو منذ سنوات عديدة : ‘كان رجلا لطيفا طيّب المعشر، إنه واحد من هؤلاء الكتّاب القلائل المعاصرين الذين أعتزّ بمعرفتهم. كان متواضعا يميل للسّخرية وهو معروف بتضامنه وتعاطفه مع المستضعفين والمهمّشين، إشتهر بكتابة نصوص أدبية موجزة إلا أنه كان يجعل من هذه النصوص على صغرها وقلتها تتفجّر بالأفكار والمعاني الكبيرة، وقد خلّف لنا عالما أدبيا متميّزا خاصا به إنطلاقا من القصّة القصيرة جدّا بالذات’. أما الكاتب المكسيكي الراحل ‘ كارلوس فونيتيس’ فيقول عنه : ‘كان مونتيرّوسو معروفا بجمالية نصوصه، بل لقد كتب أجمل النصوص في الآداب الأمريكية اللاتينية في القرن العشرين، فما كان يتطلب منّاّ كتابته في مائة صفحة كان مونتيرّسو يوجزه في عبارة واحدة’.واشتهر مونتيرّوسو بأنّه كاتب أو صاحب أقصر قصّة قصيرة جدّا في العالم، وهي تحت عنوان: ‘الدّيناصور’ وهي كما يلي: (عندما إستيقظ ،كان الديناصور لا يزال هناك…). وهي قصّة على قصرها و صغرها، وإيجازها الشديد تجنح بفكر القارئ، وتثير فضوله وتطلّعه، وترخي العنان لخياله في عالم الرموز والإيحاءات والمجاز. وقد كتب عنها الشئ الكثير بمختلف اللغات، كما قيل في حق هذه الأقصوصة أنّ تفاسيرها ومجازاتها لا حصر ولا حدود مثل الكون ذاته. وهناك أقصوصة أخري عنوانها ‘المهاجر’ يزعم بعض النقّاد (وهم قلّة) أنها أقصرمن قصّة مونتيرّوسو وهي للكاتب المكسيكي ‘لويس فيليبي لوميلي’ وهي كما يلي: (هل نسيت شيئا ؟ أتمنّى). ‘ولكنّ معظم النقاد الثقات (وهم كثر) يجمعون أنّ هذه الأخيرة لا ترقى إلى مستوى وعمق ورمزيّة أقصوصة ‘الدّيناصور’. التي طبّقت شهرتها الآفاق. ومونتيرّوسو حاصل على جائزة’ أمير أستورياس الاسبانية في الآداب’، هذا كما سبق له أن حصل على ‘جائزة خوان رولفو’، التي تعتبر من أكبر الجوائز الأدبية في الآداب الأمريكية اللاتينية والكاريبي، بالإضافة إلى جوائز أدبية أخرى عالمية عديدة .الأمور نسبيّةونقدّم للقارئ نموذجا لقصصه القصيرة ، وهي بعنوان: ‘الزرافة التي أدركت أنّ كلّ شيء نسبي'(*) وهي كما يلي:)منذ زمن بعيد، وفي بلد ناء، كانت تعيش زرافة ذات قامة متوسّطة، كان بالزرافة غفلة، إذ خرجت ذات يوم من الغابة وتاهت، فلم تدر أين تسير ولا أين تتّجه، فصارت تمشي على غير هدى من هنا الى هنالك، حاولت البحث عن طريق العودة فلم تهتد إليه، وهكذا، ظلت تتجوّل في أرض الله الواسعة، حتى وجدت نفسها في فجّ بين هضبتين حيث كانت تدور رحى معركة حامية الوطيس. على الرّغم من أن عدد القتلى كان مرتفعا في الطرفين، لم يستسلم المتحاربان، ولم يسمحا بالتفريط في سنتيمتر واحد من الأرض التي كانا يذودان عنها. كان الضباّط يحثّون جيوشهم على الصمود والاستمرار في القتال بضراوة، والسيوف مرفوعة إلى أعلى، في الوقت الذي كان الثلج يكتسب اللون الأرجواني بدم الجرحى. وبين تصاعد الدخان، ودويّ المدافع وضجيجها كنت ترى الموتى يتساقطون في صفوف الجيشين الذين يسلمون الروح في كل حين.الأحياء كانوا مستمرّين في إطلاق النار بحماس منقطع النظير، وهكذا حتى يأتي دورهم هم الآخرون في السقوط، إلا أنهم كانوا في تلك اللحظات يضعون في حسبانهم أنّ التاريخ سوف يذكرهم بفخرالأبطال، لأنّهم كانوا يهبون أنفسهم دفاعا عن شرف علمهم، أخذ التاريخ بالفعل إقدامهم وشجاعتهم بعين الإعتبار، وكان عادلا، فقد حكم وقضى بالقسطاس لصالح الطرفين بأنهم أبطال، إذ كل طرف كان يكتب تاريخه الخاص، وهكذا أصبح ‘ويلنغتون’ بطلا مغوارا بالنسبة للإنجليز، وأصبح ‘نابليون’ بطلا مقداما بالنسبة للفرنسيين.إستمرّت الزرافة في المشي، حتى وصلت إلى جانب من الفجّ حيث كان هناك مدفع كبير. وفي تلك اللحظة ذاتها إنطلقت رصاصة طائشة مرّت بالضبط على بعد عشرين سنتيمترا من رأسها من الجانب الأعلى، وعندما رأت الزرافة الرصاصة تمرّ بالقرب منها، وبينما كانت تتابع بنظرها طريقها، فكّرت وقالت: الحمد لله الذي لم يخلقني طويلة القامة أكثر ممّا أنا عليه، إذ لو كان عنقي يزيد ثلاثين سنتيمترا فلا بدّ أنّ الرصاصة كانت قد أصابتني في رأسي. والحمد لله كذلك على أنّ هذه الجهة من الفجّ، حيث كان يوجد المدفع، ليست منخفضة أكثر ممّا هي عليه، إذ لو كان انخفاضها يقل ثلاثين سنتيمترا لكانت الرصاصة قد أصابت رأسي، ثم أردفت قائلة: الآن فقط فهمت أنّ كلّ شيء نسبي’.(*)هذه الاقصوصة من ترجمة كاتب هذه السطور،وهي مدرجة ضمن كتابي أنطولوجيا القصّة القصيرة في أمريكا اللاتينية تحت عنوان: ‘عدالة الهنود وقصص أخرى’، نشر المشروع القومي للترجمة،المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة.