في الذكرى 11 لغياب محمد أركون الإسلامُ وسُؤال الأنسَنة

أحمد دلباني
حجم الخط
0

تعود ذكرى غياب البروفيسور الراحل محمد أركون (1928-2010) بصورةٍ غير شاحبة إلى الواجهة ما دامت قادرة على إثارة بعض معاركه الأثيرة التي لم تُحسَم على صعيد التفكير في وضع العالم الإسلامي والمسلمين في ظل العولمة وفتوحات العقل المُنبثق مؤخراً. فما نلاحظه بصورةٍ مباشرة عندنا هو دوام هذا التشرنق داخل المُكوّن الطائفي والحرج من مواجهة الذات التاريخية بروح متخلصة من آليات الاستبعاد والنبذ التي مارسها العقل الخاضع، منذ قرون لـ «الفضاء العقلي القروسطي» في معظم البلدان التي تشملها الظاهرة الدينية. لا تزال المهامُ التي نذر لها الراحل الكبير حياته ورشة مفتوحة على مآزق التاريخ والفكر واستراتيجيات القراءة المُحرِّرة من ثِقل الماضي والمُؤسَّسات التي تمثله في حياتنا. كما لا يزال امتداد الصراعات القديمة يؤطر عمليات إنتاج المسلمين لتاريخهم بمعزل عن مُنجزات الحداثة الفكرية وما اقترحته من صِيغ جديدةٍ لعلاقة الذات بتاريخها وبالآخر وبالمعرفة وبوضع الإنسان والقيم طيلة قرون من النضال الذي احتل فيه الأنتروبوس، شيئا فشيئا، مركز دائرة القيم والفعل في الضفة الأخرى من المتوسط كما هو معروف. لا يخرج هدفُ البرنامج الفكري – النقدي لأركون عن مسألة الأنسنة بمفهومها الشامل باعتبارها جوهرَ الأزمنة الحديثة ومدار تحرير الإنسان من كل أشكال الاستلاب التاريخية؛ كما لا يحيد عن نضاله الرامي إلى كشف نقائص الأنسنة الحديثة وارتهانها، أحيانا، لمنطق إرادة الهيمنة وهو ما جعله يقترح برنامجا ضخما من خلال فتح أضابير اللامفكر فيه والدعوة إلى إدماج المثال الإسلامي ضمن الأنثروبولوجيا الدينية بعيداً عن مُسبَّقات الوعي القروسطي في النظر إلى الآخر المختلف. فلا حظوظ للأنسنة إلا من خلال الخروج من محدِّدات الوعي الموروث وأطر إدراك الآخر التقليدية التي شيَّدت قلاعا حصينة مغلقة على ذاتها ضمن عملية الصراع التاريخي على امتلاك المعنى المُبرّر للهيمنة. هذا ما دفع بالراحل إلى محاولة الإسهام – من خلال مثال الإسلام – في تدشين نزعةٍ إنسانية متضامنة مع الآخر بمعزل عن كل أشكال النبذ المعروفة، وبروح منفتحة على التحديات التي تطرحها العولمة.
إنَّ فكر البروفيسور الراحل متعدِّد المداخل، ولكننا نستطيع أن نحدِّد طموحه العلمي والإبستيمولوجي في محاولة توسُّل السبل إلى تدشين نزعةٍ إنسانية كونية، تُدمج المثال الإسلامي ضمن سياق مساءلاتها للوضع الإنساني من أجل تجاوز الانغلاق الذي ميَّز كل أنظمة الفكر في التاريخ. هذا ما جعله يبدأ – بوصفه مؤرخا للفكر الإسلامي – بنقد «العقل الإسلامي» باعتباره جملة من الآليات المعرفية التي ترسَّخت وأصبحت سِمة على المواقف المبدئية للرؤية الإسلامية، محاولا رسمَ حدوده العامة، الإبستيمية والتاريخية، في مقارنةٍ بينه وبين العقل الحديث الذي تخلص شيئا فشيئا، من مرجعية المتعالي والميتافيزيقا الجوهرانية لينفتحَ على النسبيِّ والتاريخي. لقد أراد أركون أن يتنطحَ لمسألية المعنى من هذه الزاوية، أي زاوية التاريخية التي رأى فيها الغائبَ الأكبر عن الوعي الإسلامي قديماً وحديثا. إنَّ بُعد التاريخية، نعني بذلك تاريخية الأفكار والأشياء والمعاني، هو المدخل الرئيس لفهم فكر أركون، وهو يمارسُ عملية النقد لكل فكر يستبعد أو يحذفُ مشروطياته المادية والرمزية ليخلعَ عليها بردة التقديس والتعالي الأنطولوجي. إنَّ ضمور الوعي بتاريخية الأشياء، بالتالي، يشكل عائقا أمام تحرير النظر إلى العالم في صيرورته، ويشكل عنفا رمزياً يتخذ صفة المُضمرات والمُسبَّقات التي تأسر دائرة الثقافة في وهم الاعتقاد بالخصوصية اللاتاريخية، وفي وهم الهويات المتعالية التي تنشط في أزمنة التغيرات الكبرى بوصفها ملاذا في عالم غير آمن. هذا، تحديداً، ما يلاحظه أركون بالنسبة للواقع العربي – الإسلامي اليوم حيث غشاوة الغليان الإيديولوجي تحجب كل منفذ للنور في رؤية الذات أو الآخر معا على حقيقتهما. إنَّ الفهمَ الجيّدَ للأمور، بالتالي، يتطلب الخروجَ الكلي من المُسبَّقات جميعها، لاهوتية كانت أو إيديولوجية، ويتطلب أيضا عدم الركون إلى مُسلمات الوعي الأسطوري غير التاريخي في مسائل النظر إلى الظاهرة الدينية في تعقيدها؛ كما يتطلب تفكيكاً منتظما لأنظمة التصور وأطر الإدراك التي يهيمن عليها المتخيل الاجتماعي و «الحقائق السوسيولوجية» الشغالة نظير ما نجدُ اليوم عبر كل أرجاء العالم الذي تغطيه الظاهرة الإسلامية.
هذا في الجهة الإسلامية، أما في الجهة الغربية فيلاحظ أركون دوامَ سيادة المُسبَّقات الاستعلائية في النظر إلى الآخر – ومنه العالم الإسلامي بالطبع – نظرة كرَّستها الحداثة الغربية تحديداً منذ أفصحت عن وجهها من خلال الاستعمار وإرادة الهيمنة على العالم القديم. فلقد رسَّخت الحداثة الظافرة منذ القرن الثامن عشر، كما هو معروف، رؤية تقدمية للتاريخ وجعلت من أوروبا مركز العالم المُجسّد لمسار التاريخ الحتمي نحو الانعتاق الشامل للإنسان. لقد ظل من الصعب، بالتالي، على الوعي الغربيِّ في عمومه أن يتجاوز مركزيته إلى وعي جديدٍ يحترم فيه كل الثقافات بمعزل عن مُسبَّقاته اللاهوتية والثقافية والحضارية، وينفتح فيه على النسبية بمفاهيمها الشاملة، الثقافية والفلسفية. لم يحدث هذا إلا في مرحلةٍ متأخرة نسبيا، وفي ظل مراحل تاريخية خلخلت المركزية الغربية من خلال انتفاضة الهوامش، ما دعا العقل الغربيَّ إلى إحداث مراجعاته الشاملة لأسس حضارته ولبنية وعيه العام الذي ساد تاريخيا وكرَّس النرجسية المتعالية للذات الأوروبية المزهوة بكونها مركز العالم. يستثمرُ البروفيسور أركون هذا المُنجَز النقدي المعاصر من أجل تحرير النظر إلى التراث الإسلامي، لا من النظرة الإسلامية التقليدية فحسب، وإنما أيضا من المنظور الاستشراقي الكلاسيكي الذي ظل خاضعا، قليلا أو كثيراً، لمُسبَّقات المركزية الغربية في النظر إلى الآخر نظرة دونية غير موضوعية.

٭ ٭ ٭

من المُسلم به أنَّ النزعة الإنسانية – في شكلها التاريخي المعروف – كانت وليدة أوروبا في نهاية العصور الوسطى وبداية ما سُمّي «عصر النهضة» على ما يرى تقليدٌ تأريخي أوروبي. وقد تميَّزت عموما بكونها مرحلة عرفت حركة واسعة من الانفتاح على الثقافات القديمة، الإغريقية والرومانية تحديداً، وعرفت نوعا من التجاوز، بل والتشكيك أحيانا، في مُسبَّقات الوعي المسيحي المدرسي. من هنا كان الإنسانيون مفكرين أحراراً مارسوا النقد، ورأوا في التواصل البشري شرطا لازدهار الإنسان. لقد كان هؤلاء المفكرون من الأوائل الذين جعلوا فكرهم دنيويا يعتني بالإنسان ويروم تحقيق سعادته بمعزل عن الوعود الأخروية للمُعتقد المسيحي. تكمن محدّدات النزعة الإنسانية بالتالي- استناداً إلى التجربة الحضارية الأوروبية – في الدنيوة مقابل الديننة، وفي الانفتاح على الآخر المختلف والتواصل والتسامح معه، بمعزل عن مُسبَّقات المواقف الدينية التقليدية الدوغماتية. هذا تحديداً ما جعل أركون ينتقد التقليد الاستشراقي الكلاسيكي الذي لم ينجُ من التحيُّز في النظر إلى التاريخ نظرة غير فاحصة وغير موضوعية عندما اعتبر النزعة الإنسانية خصيصة لصيقة بالحضارة الغربية المسيحية، نافياً أن يكونَ الإسلام قد عرف شيئا مماثلا، وهذا انطلاقاً من موقفٍ متحيّز ثقافيا ومتخلف إبستيمولوجيا عن فتوحات العقل التاريخي النقدي المعاصر الذي قطع مع الإبستيمولوجيا الجوهرانية المتحدرة من منظومات الفكر الميتافيزيقي الكلاسيكي. فليس من جوهر المسيحية أن تحبل بالنزعة الإنسانية والتقدم؛ وليس من جوهر الإسلام أن يكونَ معاديا أبديا لتلك النزعة أو للانفتاح والتسامح والفكر النقدي. هذا جوهرُ ما قاله أركون منذ قدَّم أطروحته الشهيرة عن «النزعة الإنسانية في الفكر العربي» نهاية الستينات كاشفاً عن وجود نزعةٍ إنسانية رائعة في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) مثلها جيل مسكويه والتوحيدي وعالم المناظرات التثقيفية الشيقة التي كانت تتناول كل شيء بالبحث والتساؤل توقا إلى الحكمة الخالدة. لقد كانت تلك الحقبة التي لم تعمر طويلا، فترة انفتاح على كل التراثات المعروفة آنذاك، يونانية كانت أو شرقية، وكانت تمثل إسلاما متسامحاً جداً مع كل إسهامات العقل البشري من أجل بلوغ الكمال العقلي والروحي. نستطيع أن نضيفَ هنا، بطبيعة الحال، إسهامَ ابن رشد المُعتبر في النزعة الإنسانية العربي باعتباره فكراً بلغ الأقاصي الممكنة في العصور الوسطى على صعيد تأسيس المعرفة عقليا والقول الضمني بأنَّ «العقل البشري قادر على إنتاج الحقيقة باستقلالية كاملة» وبأنَّ هذا الأمر يجب أن يتمَّ عن طريق «التضامن التاريخي بين مفكرين ينتمون إلى عصور وديانات مختلفة» كما يوضح ذلك أركون نفسه. إنَّ هذه المواقف المتقدمة التي ولدها الإسلامُ الوسيط، وفي الأندلس خاصة، مثلت فعلا نزعة إنسانية مهَّدت عن طريق انتقالها إلى أوروبا بعد ذلك، للميلاد التدريجي لمشروع الحداثة الضخم الذي رأى النور على أنقاض العالم الوسيط.
ولكن ما الذي أعاق ميلاد الحداثة في العالم العربي-الإسلامي؟ ما الذي أحدث الانقطاعات الكبرى في مسار الحضارة العربية-الإسلامية وزج بها في زمن ثقافي راكد لم يُسهم في بناء العالم الحديث؟ هذا ما أراد البروفيسور أركون من خلال «سوسيولوجيا الإخفاق» أن يُعبِّرَ عنه في معرض ردّه على الأدبيات الاستشراقية التي كرَّست نظرة دونية للآخر انطلاقاً من مخيال أنتجته المركزية الأوروبية منذ القرن الثامن عشر. إنَّ ما جعل الحداثة بوصفها قطيعة بين عالمين، غير إسلامية بحسب أركون لا يرجع إلى الإسلام ذاته بوصفه دينا وإنما إلى جملة الشروط المعقدة، الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية، التي لم تشكل إطاراً ملائما لاستمرار تلك النزعة الإنسانية الناشئة وتفتحها نحو المزيد من الجذرية والكونية. سيكون، بالتالي، من كبير الخطأ أن نعتقد أنَّ من جوهر الإسلام أو «العقلية الشرقية» الركون إلى الفكر الغيبي والنزعة القدرية والنفور من العقل والعقلانية والروح النقدية. هذه نظرة عنصرية أنتجها الفكر الأثنوغرافي الغربي وهو يستكشفُ الآخر خلال الحقبة الاستعمارية، مُدججاً بمُسبَّقات مركزيته الغربية وعنجهيته التي ولدها «عصر الأنوار». من هنا نفهم محاولة أركون التاريخية-النقدية في نقد المُسبَّق الغربي الكبير الذي أطر النظرة إلى الآخر المُسلم، وهذا من خلال تجاوزه للمنهجية الاستشراقية الكلاسيكية، وانفتاحه على المساءلة السوسيولوجية في دراسة الإسلام وتراثه دراسة تقرأ الظواهر ضمن أطرها الاجتماعية وشروطها التاريخية المعقدة بمعزل عن المُسبَّقات التي أنتجها الوعي الصدامي القائم على النظر إلى الثقافات المختلفة بوصفها جواهر ثابتة وغير تاريخية، أو باعتبارها كيانات تعلو على الشروط التي أنتجتها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية