في الذكري الثالثة لرحيل جمال بكري: تشكيلي ومعماري ينعى عمارة الحواضر العربية اليوم

حجم الخط
0

محمود قرني

القاهرة ـ ‘القدس العربي’ من محمود قرني: قبل ايام مرت الذكرى الثالثة لرحيل المعماري والفنان التشكيلي جمال بكري، عن عمر ناهز الخامسة والسبعين، فقد ولد في التاسع والعشرين من كانون الاول (ديسمبر) عام 1931، وتخرج من كلية الهندسة ـ جامعة القاهرة عام 1956، وبدأ منذ طفولته في ممارسة فن الرسم، وهو الى جانب ذلك عازف كمان وله عدة مؤلفات موسيقية، وقد شارك في معرض المعماريين عامي 1980 و1990، الاول كان بعنوان ‘المريديان’، والثاني كان بدار الاوبرا المصرية، وقد اقام معرضا خاصا لأعماله المعمارية بقاعة غاليري المتاجر بدار الاوبرا عام 2001. يقول عنه الدكتور مصطفى الرزاز الناقد والفنان التشكيلي: يجمع جمال بكري بين منتهى السجية والبراءة الطفولية، بين الحكمة العميقة ونفاذ البصيرة، تمنحه الخصيصة الاولى طلاقة مذهلة في الافكار التي تنساب مخصبة بمكنونات الخصيصة الثانية من دون ان تطيعها. تلك القدرة على ترويض الحكمة والمعرفة كي لا تزاحم حرية التحليق الابداعي، لا تتوافر إلا للنزر اليسير من البشر، وعندي جمال بكري اقترب كثيرا من دورة هذه العلاقة التكاملية المسالمة لاختراق آفاق العقل في مرونة النائم بالاجتياح التلقائي للفطرة، بذلك فان عقله وقلبه يلتقيان عند مركز التفاعل، لا يكل أي منهما عن مساندة الآخر.

ويختتم الرزاز حديثه عن جمال بكري قائلا: يتأمل الاعمال التي فصلتها ولونتها يداه في لحظات الغفلة عن المعرفة، تنساب المشاعر المرهفة في صيغة الحان خالصة الصفاء تتقاطع وتلتف حول منشأها وتطوق مساحات كخرائط الهوى الأثيرية، بعيدا عن الاشباه وعن الكنايات، ومنزهة عن حسابات البناء وتوازناته، فهي وليدة الايقاع الداخلي البكر الكامن في وجدانه، الذي يثمنه كثيرا بعيدا عن الحنكة، وعن عدوه المعلن ـ اليقين.

وكان آخر معرض لجمال بكري هو المعرض الذي اقامه بمجمع الفنون بالزمالك في بداية عام 2005، وقد صدر بكري معرضه بقوله: من الوجدان، حيث يحوي ما مر من احداث، حين انفصل السالب عن الموجب لتدور دوامة الزمان، فينشأ المكان. ينفصل النور عن الظلام.. والبحر عن اليابس.. نبت الزهـر في الوديان. عمت الكائـنات فظهر الانسان… فضول يتساءل.. نفس ترغب، ووجدان حاكم، يتصالح الانسان مع نفسه.. فيكون الفنان ينساب من وعاء تلقائية، فيفيض.. وتتوارى الصنعة.

ويعد جمال بكري واحدا من كبار المعماريين المصريين وتعد انجازاته المعمارية الأبرز في سياق اعماله بشكل عام، فقد صمم العديد من الأبنية المتميزة في مصر وخارجها، وكان مكتبه الهندسي قد انجز تصميما متميزا للمبنى المزمع اقامته لنقابة المحامين، وكذلك لمبنى متحف الحضارة المزمع اقامته في منطقة مصر القديمة. وحتى الآن لم تنتبه وزارة الثقافة الى الاحتفال بمنجز جمال بكري على أي مستوى وجاء رحيله ملفوفا بصمت غامض لا يتلاءم مع اهميته.

وكنت قد التقيت الراحل مرتين، الاولى كانت بمعرضه بقاعة مجمع الفنون، حيث آخر معارضه، كان شديد الرقة والعذوبة في اصطحاب ضيوفه ومشاهدي لوحاته وفي تقديم قراءته الخاصة لأعماله بصوته الأجش الخفيض بطبيعته ولكنته المتقطعة الجميلة، وبحس معلم يعي ما يقول وما يفعل.

كانت اعمال جمال بكري المعروضة كلها تقع في اطار تجريدي مفارق لوعيه المعماري الذي يميل الى التجسيد والتعيين وليس الى التجريد. وكانت هذه المفارقة هي سؤالي الذي وجهته اليه.

كان شغوفا بسماع اسئلة من هذا النوع وكان السؤال فجر مكامن بؤرية داخل وعيه فانبرى يحدثني عن نعمة الخيال وعن درجة الحرية شبه المطلقة التي يحققها له الرسم، مؤكدا في كل مرة على ضيقه ـ في احيان كثيرة- من الخطوط ذات الطبيعة الهندسية التي لا تحتمل الخطأ بطبيعتها في مقابل الخطوط الحرة التي يمنحها هبة لنفسه في حقل الرسم، وبمجرد ان يمسك بالفرشاة. كانت المرة الثانية التي التقيته فيها بعد ذلك بشهور قليلة عندما كنت ازمع اعداد استطلاع موسع عن المدينة العربية من حيث معمارها ولم أكن اعلم بأهمية الفنان والمهندس جمال بكري، فلفتني الى ذلك الكاتب السياسي المرموق الصديق نبيل عبد الفتاح، فالتقيت بكري هذه المرة في مكتبه ووسط اوراقه ولوحاته، كان المكتب المجاور لحديقة الاورمان يكتظ باللوحات، فلا يكاد يخلو حائط من حوائط المكتب من لوحات بكري، وعلى مبعدة ينطلق غناء هامس عبر جهاز التسجيل شديد النقاء، وكان التراث الموسيقي العربي هو الخلفية التي تشد أذني بين الحين والآخر.

تحدثنا طويلا عن انحدار النمط المعماري للمدينة العربية، وكنا متفقين ـ تقريبا ـ في هذه الناحية، غير ان ما تحدث عنه جمال بكري عبر استعراضه لأنماط العمارة تاريخيا وكيف تطورت وكيف كانت ملامحها تعكس روح عصرها وتأخذ منه الكثير، لكن أهم ما تناوله بكري كان حول سيادة النمط الغربي في العمارة في قلب المدينة العربية باعتباره نمطا نفعيا لا يلائم الطبيعة العربية ولا بيئتها، وفي النهاية رد ذلك الى نمط الانتاج المنتصر الذي يحمل مع انتصاره منظومة قيمية يؤكد بها هذا الانتصار.

كانت فكرة الارتقاء بالحواضر العربية هما حقيقيا من هموم الفنان جمال بكري، وكان الارتقاء بهذه الحواضر شغله الشاغل، فقد تحدث بما يشبه البكائية عن الانماط المعمارية المعهودة في كل من بغداد ودمشق والقاهرة وفاس ومراكش وغيرها.

وها هو جمال بكري يرحل من دون انتباه احد فهل ينهض تلامذته، والجهات المعنية بوزارة الثقافة باقامة معرض استعادي لكل مراحل جمال البكري الفنية التي بدأت منذ خمسينات القرن الماضي بعد ان تخرج من كلية الهندسة بجامعة القاهرة، الى ان انتهت هذه الرحلة قبل حوالي ثلاث سنوات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية