يحيي بن الوليد
لا أخفي أنني سعدت، كثيرا، لنبأ ادراج الشاعر المغربي كريم حوماري (1972 ــ 1997) ضمن انطولوجيا الشعراء المنتحرين التي اصدرتها الشاعرة والمترجمة اللبنانية جمانة حداد. وعمل من هذا النوع، ومهما كانت الهنات التي قد تمسه، وككل الأعمال، لا يخلو، في تقديرنا، من دلالات، ولا سيما بالنسبة للشعراء، ومن الأموات والأحياء علي السواء، ممن هم أهل بالتقدير النقدي الذي لا يحالف، أبدا، البعض. ونصوصه، وللمناسبة فهي معدودة، تظل أرجح، وبكثير، مقارنة مع نصوص ان لم أقل أعمالا كاملة لشعرائنا من المكرسين في دنيا التسويق الاعلامي لكي لا نقول الفعل النقدي القرائي التأويلي الذي يعكس، وعلي أساس من التأثر المتبادل، تلك العلاقة معقدة الأطراف التي تصل ما بين النص والقراءة ذاتها. هذا لكي لا نتحدث عن نجوم الاعلام من الشعراء اليوميين، سيرا علي نهج الكتاب، والنقاد أيضا، اليوميين. وقد يكون هذا أحد مظاهر الفساد الثقافي الذي لا يخلو، ومن خارج دوائر المناقلة الميكانيكية، من صلات مع الفساد السياسي الذي يلوي بالمغرب، مغربنا، مما يدفع، وعدا حالات الجنون، الي الانتحار. وهذا ما كان قد أقدم عليه الشاعر كريم حوماري في عز شبابه، وفي واحدة من أفجع حالات أدباء المغرب الذي لا يزال يحتقر الثقافة والمثقفين. وكريم حوماري، وللتعريف الأولي، بدأ النشر في الصفحات التي كانت تخصصها الصحافة، صحافة تلك الأيام، لما تسميهم الأدباء الشباب. وهي الصفحات التي سجل فيها الكثير منا، وبكثير من الاعتزاز والكبرياء، لحظة الدهشة الأولي المؤشرة علي الانخراط في ضباب الابداع ودخان الايديولوجيا. ومن هذه الناحية فقد نشر في صفحة الباب المفتوح لجريدة العلم، و علي الطريق لجريدة الاتحاد الاشتراكي و ابداع ونقد لجريدة انوال… الخ. بل انه يمكن التأكيد علي أنه نشر في جميع الصفحات المتاحة وقتذاك، وبما كان يوحي بظاهرة لافتة بالنظر لعدد الذين كانوا ينشرون من الشباب. كان حريصا علي نشر قصيدة واحدة في الأسبوع الواحد، وفيما بعد قصيدتين أو ثلاث. وكان في هذا التعدد السليم مظهرا لـ انشطاره وعدم استقراره في دائرة واحدة لا يمكنها أن تستجيب لـ اندفاعته التي كانت تتقدم، وبكثير، علي اندفاعات الشباب الأولي والحماسة المفرطة.
ومؤكد أن هذه الاندفاعة، وبوتائرها التي تسارعت فيما بعد، هي التي أفضت به الي موجة الجنون الخانقة التي ستفضي به، بدورها، وبعد ما يقرب من خمس سنوات، الي الاقدام علي ذلك الاختيار الذي بموجبه سيضع حدا لحياته مساء يوم الثلاثاء الرابع من شهر آذار (مارس) 1997 وعن سن لا تتجاوز الخامسة والعشرين. وكل ذلك بعد أن تغني بهذا الانتحار، بل وخطط له في أفق القصيدة قبل أن يقدم عليه في ذلك النفق الضيق بين أحجار مرسي مدينة أصيلة الصغيرة. أصيلة الأخري لا أصيلة الفنون المجردة التي لا وجود لها أصلا علي مستوي المسلكيات الفردية والمجتمعية علي السواء. وهو الحدث الذي كتب لكاتب هذه السطور، ورفقة أصدقاء آخرين، وفي مقدمهم الشاعر ادريس علوش، أن باشروه في لحظات من الدوار الهادر. ولا أزال أستحضر، من جراء رؤيته، وهو في لحظته القاسية، كيف كدت أن أهوي بين أحجار المرسي الضخمة بسبب من الضباب الأسود والكثيف الذي بدا أمامي وخلفي جنبا الي جنب البكاء المتعالي لأصدقاء بجوار آخر ما خلفه الشاعر من رسالة كان يشهرها أحد رجال الأمن الذين كانوا في لحظة طوارئ نتيجة كتابات علي جدران، وقيل انها مسيئة، تزامنت مع عيد العرش. وكان كريم واحدا من الذين تم اعتقالهم، والتهمة أنه واحد من الذين كان لا يغمض لهم جفن علي مدار الليل ودون أدني وعي بأن الليل مهنة الشعراء.
وقد كتبت عن كريم حوماري أربع مقالات، وهي جميعها منشورة في جريدة الاتحاد الاشتراكي التي كان لها صيت ذائع وقتذاك. وكتبت عنه، وفي الجريدة ذاتها، وقبل الحدث الفاجع؛ أي في تلك الفترة التي كان فيها طائر أصيلة لا يزال يحلق بين دروب المدينة وفضاءاتها الآمنة. ومن هذه الناحية كان الراحل نصا مفتوحا، وبالقدر نفسه كان صديقا للجميع. وأشهد أنه لم يحقد علي أحد في يوم من الأيام، بل هناك من أساء اليه. ولم يكن يسارع أحدا من غير ذاته وفي الاتجاه ذاته الذي لم يقو عليه الكثيرون. ولقد استمد هذا الانفتاح من أصيلة بأمكنتها العارية والمتسامحة، وببحرها المشرع علي المجهول والغامض والمحتمل.
والعلاقة معه، علاقتي الجيلية، كان يطبعها المد والجزر، لكن التأمل وحصاد العين ظلا نقطة التمركز في قلب هذه العلاقة. وفي هذا المنظور كنت أنظر فيه صورة الشاعر الزاحف بقدر ما كنت أحدس فيه الموت الذي يهبر جسده النحيف من شدة الأقراص المهدئة والسجائر المدوخة التي كان يفضلها علي فناجين القهوة التي كان يبرر بها ما يأخذه من الأصدقاء الذين كان يثق فيهم. ولا أظن أنه كان سيعيش أكثر مما عاش. عاش حياة قصيرة، لكنها نادرة وملتوية ومليئة بالرجات والفواصل والهزات. عاش علي طريقة المبدعين الكبار ممن أدركوا تأثير الكلمة المبدعة وعنف الالتباس العاري باللحظة.
والشعر عنده لم يكن لحظة ناجزة أو مجرد ترف أو مزايدة أو رغبة عابرة في الظهور والواجهة. الشعر، شعره، كان يصادف رغبة الذات في الانتشار في خريطة الابداع والثقافة. كان واثقا من نفسه بسيره علي طريق البحث عن جده الفني الذي يليق بنصه الآتي/الصعب المتحدر من أمشاج البؤس والقلق الصامت. كانت نصوصه، والأخيرة بخاصة، احتجاجا ابداعيا هادئا وناقما علي الظرف الشرس الذي يعنف بالذات في تطلعاتها الي الانغراس في باحة الشعر والابداع. جميع نصوصه كانت لصيقة بذاته، بل ونموذجا للذات في مقاومتها لزحف الصدأ والنسيان والتأجيل. كان الشعر رئته الثالثة و عينه الثالثة، كان جزءا من حياته، بل حياته في مساراتها المتقطعة والتواءاتها الحادة وانكساراتها المتتالية. وكان تأسيسا أنطولوجيا لذاته، وبحثا عن معني قصي لها، ومحاولة معلنة لايقاف نزيف التبعثر والتشتت التمزق وحموضة اليومي. ورغم الهامش الصغير، أو الثغرة، التي فتحتها القصيدة له، في دروب الوجود، فكل شيء، وبدءا من القصيدة ذاتها، كان ينذر بالموت وتأجيج الانتحار.
كان، نصا وشخصا، صعبا؛ وكانت صعوبته صامتة ومبطنة. وخطورته أنه كان يكتب بذاته وعن ذاته. وكان يكتب بقدر ما كان يأكل من ذاته التي كانت سنده الوحيد في ساحة العري ورياح الافلاس وأدغال المستحيل وسفر الذات في ذاتها. وللمناسبة فهو لم يكن يعبأ بكلمات مثل المستقبل والقادم والخوف… ولا بأحد وخصوصا من الذين كانوا، ولا يزالون، ينصبون من أنفسهم حكاما أبديين داخل المدينة. كنا نعده واحدا من سلالتنا الصغيرة رغم لحظات المرض التي كانت تأخذه الي صحراء التيه. كان يرتجل اللحظة/ لحظاته، ويسارع نحو الالتصاق بها أكثر بعيدا عن جميع أشكال المداورة والتلميح. غير أن لحظته كانت تنفلت منه في أحيان واحيان كثيرة، فتتهاوي جميع الأقنعة والمسافات… حيث الجسد في اعلانه، وعلي أرض القصيدة ذاتها، لعصيانه في باحات الصمت وصلواته في هياكل الخراب. ومن ثم منشأ فعل الكتابة الذي هو قرين تمجيد الغياب وفجيعة المداد وتصعيد التوابل الحراقة والمدمرة. ان حياة بدون شعر أقل جدارة بأن تعاش هكذا يقول روزنتال، وهو ما يصدق، وبالتمام والكمال، علي كريم حوماري. وفي هذا السياق يمكن أن نفهم واحدة من غرائبه التي هي غرائب أو حماقات الشعراء. كان يصعد الدرج نحو السطح فوق الطابق الثاني. وهناك في ركن من السطح كان يكدس الأخشاب والأشياء المعطلة قبالته في دلالة علي الجمهور مثلما يحجز لذاته صندوقا خشبيا هرما يصعد فوقه، ويشرع في القاء القصائد المدوية ومن حوله جمهوره الوهمي يحييه ويصفق له. ولم يسلك هذا المسلك الا بعد أن تعرف الي قصائد الشاعر العظيم بابلو نيرودا، وبعد أن استمع الي الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش بقبضة صوته التي يحاول أن يشق بها زرقة السماء، هذا بالاضافة الي رامبو الهارب بنعال الريح الذي كان يأسره جنبا الي جنب المتمرد واللعين بودلير ولويس أراغون وتحديدا عيون الزا. ومن حسن، أو سوء، حظه، أنه لم يطلع علي ديوان المتنبي عدا أبيات معدودة لم تعرج به، وقبل الأوان، الي جنون العظمة. ومن خارج الشعر كان معجبا بألبير كامو وكافكا.
وتذكرنا تجربة كريم حوماري بتجربة الشاعر الطبيب المصري علي قنديل (1952 ــ 1975) الذي فارق الحياة اثر حادث أليم ودون أن يتجاوز الثالثة والعشرين من عمره، لكن بعد أن كتب نصوصا شعرية لافتة ضمها ديوانه الأول الذي صدر بعد وفاته تحت عنوان كائنات علي قنديل الطالعة. علي قنديل الذي أراد، وبتعبيره، أن يخلق من نفسه كهرباء نفسه وبالقدر نفسه أراد أن يكون اللون الثامن في قوس قزح. فهما معا يشتركان في الالتصاق بالذات بعيدا عن أشكال التعذر والاستغلاق التي كثيرا ما يتستر وراءها الشعراء بدعوي التجريب لا اعترافا بـ عورات الابداع. ومن هذه الناحية يبدو لو أن كريم استمر علي قيد الحياة لرفد تجربته بالمنحي الصوفي الذي يتسرب، بشكل من الأشكال، في تجربة علي قنديل. غير أن هذا المنحي لا يغيب تماما داخل تجربة كريم حوماري، فهو حاضر وان علي مستوي النظرة للذات ذاتها وللعالم الذي يحيط بها.
وبالنسبة للمراكز الدلالية التي استأثرت بتجربة كريم حوماري، وعلي ايقاع من التنويع الذي يصل بينها، فهي: العشق والجنون والانتحار. ثلاث مراكز تتضافر في نصوصه وفي علائق بموجبها تتكشف التجربة/ تجربته التي تكشف، وفي وحدتها السياقية الكبري، عن ذلك النوع من اللقاء الصادم مع العالم وقبل ذلك الذات ذاتها. والعشق، في هذه التجربة، غفل… لا يتغني بمعشوقة متعينة، عشقه داخل الزمان غير المتزمن والمكان المتأطر. وعشقه، وعلاوة علي أنه يضاد المؤسسة والمجتمع، يسهم في تدمير الذات الذي يسارع نحوه الشاعر. وفيما يتعلق بالجنون فانه لا يمكننا أن نتصور الشعراء، العظام، من خارج دائرة الجنون وعلي الأقل في لحظات الكتابة التي تضاعف ان لم نقل تلخص الابداع ذاته. والجنون مجري أنطولوجي وعمق انساني وكسب ثقافي، وموقف من الوجود والعالم والناس. والاعتداد بالجنون، بل والحرص علي تعميقه باللاوعي والوعي، وببطارية القلب الصدئة وبأضلاع الجسد الخربة، وبنوع من التصميم علي الانتشار المفرط، ما جعل الشاعر يختار لمجموعته الشعرية الأولي عنوان تقاسيم علي الجنون بعد أن اقترحت عليه أن يضيف آلة. ومن ثم، وفيما أتصور، اكتمل مغزي عنوان المجموعة تقاسيم علي آلة الجنون التي حرصت، وبتكليف من الأصدقاء، علي طباعتها في الدار البيضاء التي كنت أدرس فيها في تلك الفترة وعلي ايقاع من التردد ومن حين لآخر علي أصيلة التي عدت اليها بعد عامين من رحيل الشاعر مُمْضيا أغلب أوقاتي في مكتبتي الصغيرة التي أحتفظ فيها بصورة فوتوغرافية مثبتة علي الجدار لكريم نفسه وهو بجوار احدي الجداريات في المدينة العتيقة.
وفي السياق نفسه لم يكن الشعر، بالنسبة لكريم حوماري، ترفا أو جرعة، وانما كان اختيارا صعبا و صيغة في الوجود. وفي ضوء ما سلف لا يبدو غريبا أن يفضي به الي الانتحار الذي بموجبه سيفارق الدنيا، وعلي غرار شعراء وكتاب، وغير آسف عليها وغير مخلف أي وصية من غير رسالة بيضاء سيتضح، وفيما بعد، أنه يشكو فيها من الضغط الذي تعرض له من قبل بعض عناصر البوليس. والظاهر أن وضعه في مقر رجال الأمن، وان لفترة وجيزة، وهي، وبالنظر لمرضه، لا تخلو من دلالة، كان بمثابة الحافز الأكبر علي ما أقدم عليه. هذا بالاضافة الي مجمل الملابسات الوقحة والظروف الشرسة التي أحاطت بحياته في الأعوام الأخيرة. ومن هذه الناحية تجدر الاشارة الي أنه كان من قبل قاد رسم قبره في شعره، بل وتغني، وعلي مستوي علاقات التضمن واللزوم، بالانتحار ذاته، وبـ الليل الذي يحفر قبره وينام وبـ السكاكين التي تطعن ظهره وغير ذلك من عناوين المجموعة الكاشفة عن الاختيار ذاته. وأما آخر ما خلفه فهو مطولته لا أنتعل حذاء الجنرال حين أدوخ التي يمكن النظر اليها كواحدة من القصائد الجميلة في الشعر المغربي بشعرائه المعدودين وعلي أطراف الأصابع كما يقال.
ناقد وباحث من المغربQMK