في الذكري الـ36 لرحيل جمال عبد الناصر السينما تذرف دموعها الساخنة علي البدر المفتقد: في يوم الوداع.. الكاميرا تبكي نيابة عن يوسف شاهين!
كمال القاضيفي الذكري الـ36 لرحيل جمال عبد الناصر السينما تذرف دموعها الساخنة علي البدر المفتقد: في يوم الوداع.. الكاميرا تبكي نيابة عن يوسف شاهين!القاهرة ـ القدس العربي في 28ايلول (سبتمبر) من كل عام تنشط الذاكرة الفنية ـ الوطنية وتطل الصورة الارشيفية الخالدة من الشاشة الصغيرة لتنقل لنا كوسيط امين ما سجلته السينما الوثائقية يوم رحيل الزعيم جمال عبد الناصر من آيات الحزن والفجيعة وكيف ان الحدث الخالد كان حالة استثنائية في تاريخ الانسانية يصعب ان تتكرر، وعلي خلفية ما طرأ من الاحداث السياسية والحروب المشتعلة في العراق ولبنان والتحرشات المستمرة من جانب الكيان الصهيوني بفلسطين وايران وسورية وما نجم عن ذلك من كوارث راح ضحيتها آلاف الشهداء والمصابين، علي ضوء ذلك كله كان الاحتياج الي زعيم وقائد في حجم وثقل عبد الناصر باعثا علي تجديد ذكراه السنوية بشكل اكثر سخونة من الاعوام الماضية، حيث بات شعاره الآسر سنقاتل ـ سنقاتل ـ ولن نستسلم عنوانا لكل الاحتفاليات وبرزت صورته كأنها المحرض علي القتال والبديل المرادف لغيابه وخرجت خطبه المسجلة من الادراج لتشعل حماس الجماهير كما كانت من قبل، واحتلت السينما دورها في هذا الخصوص وترجمت بكثير من الصدق حيوية الرجل المتفرد في شجاعته وموته وخلوده السياسي، اذ بلغ عدد الافلام التي انتجت واوردت في سياقها خصاله النبيلة وركزت علي مسيرته الوطنية ورحيله الجلل حوالي عشرين فيلما تسجيليا بخلاف الفيلمين الروائيين الشهيرين جمال عبد الناصر للمخرج السوري انور قوادري والذي جسد فيه شخصية عبد الناصر الفنان خالد الصاوي، ناصر 56 الذي قام ببطولته الفنان الكبير احمد زكي، والاخير تناول بالتحديد فترة العدوان الثلاثي علي مصر عام 56 وهي لا تتعدي 51 يوما من حياة جمال عبد الناصر كان لها اثر كبير في تغيير مجري الاحداث في المنطقة، خاصة بعد اعلان تأميم قناة السويس والاصرار علي التحدي كقرار يليق بغطرسة الدول الثلاث المعتدية بريطانيا وفرنسا واسرائيل.والفيلم هنا رغم انه لم يتجاوز هذه المرحلة الا ان دلائله السياسية قد اعطت فكرة وافية عن شخصية عبد الناصر كرئيس دولة وزعيم عربي كبير كان يمثل شوكة في ظهر دول الغرب مجتمعة، اما الفيلم الروائي الثاني جمال عبد الناصر فقد اختلف من حيث المضمون اذ شمل كل حياة ناصر تقريبا وتطرق الي مواطن كثيرة منها بما فيها الجوانب الانسانية، ولكنه لأسباب تتعلق بالتوزيع الخارجي وتوقيت العرب لم يستمر طويلا في السوق السينمائية وربما اثرت الكتابات النقدية بعض الشيء في عدم الاحتفاء به كعمل فني كبير ومهم الي الحد الذي جعل فنانا قديرا مثل نور الشريف يتراجع خـــــطوة الي الخلف معلنا تأجيل حلمه بتجسيد شخصية عبد الناصر علي الشاشة الكبــــــيرة خوفا من الاصطدام بالواقع والاحباط امام رد فعل الجمهور السلبي تجاه هذه النوعية من الافلام، ولعل ذلك يقودنا الي رصد التباين والفروق بينه وبين السينما التسجيلية، الأمر الذي يعكس تخاذل السينما الروائية الطويلة وشجاعة السينما التسجيلية التي كان لها السبق في التعامل مع شخصية جمال عبد الناصر مبكرا منذ ان قدم المخرج يوســــف شاهين اول فيلم مصور لجنازة الزعيم في نفس يوم الرحيل مسجلا نجاحا ساحقا ومنفردا بتوثيق اللحظات التاريخية النادرة لحظة وقوعها، ففي الوقت الـــذي غرقت فيه الجماهير في دموعـــــها واحزانها خرج شاهين حاملا الكاميرا لتبكي نيابة عنه وتدلي برأيها في الظاهرة الاسطورية لحظة الوداع الاخير.وللمخرج احمد فؤاد درويش ايضا تجربة تحسب له كفنان يمتلك حسا سياسيا مرهفا فقد انتج علي نفقته الخاصة فيلما وثائقيا مدته 45 دقيقة بعنوان كرنفال بعد رحيل جمال عبد الناصر بنحو خمس سنوات في اوج الخصومة السياسية بين السادات والناصريين طرح فيه لأول مرة مخاوف الاقتراب من الامريكان كحليف بديل للاتحاد السوفييتي، وحذر من التوغل في علاقات سياسية قد يعود اثرها السلبي وخيما علي مصر، وتنبأ الفيلم باتفاقية كامب ديفيد قبل ابرامها بعدة سنوات، وفي السياق النقدي الذي وجهه المخرج للسادات انحاز الفيلم للمرحلة الناصرية، فكانت المصادرة مصيره المحتوم، ولم يفرج عنه الا بعد عام 81 اي بعد ضرب المنصة، ويعد كرنفال العمل الفني الاكثر تميزا بين اعمال احمد فؤاد درويش وان تساوي في قيمته الفنية مع فيلمه الاخر وجوه من القدس الذي يحكي وقائع القضية الفلسطينية برؤية تشكيلية بارعة المستوي في تداخل مركب بين الرسومات الدالة علي القضية والادوات السينمائية المتمثلة في التصوير والاخراج والموسيقي والاضاءة وكافة عناصر التأثير.وبالاشارة الي التجربة السينمائية الاوضح والاقرب زمنيا نجد اننا سنتوقف اجباريا عن تجربة فريدة المت بمسيرة عبد الناصر كلها في قالب سينمائي وثائقي استغرق حوالي ساعتين ونصف الساعة وعرض بنقـــابة الصحافيين في اطار احتفالات الحزب الناصري بعيد ثورة يوليو، والفيلم قائم علي جمع لقطــــات تسجيلية حية للرئيـــــس جمال عبد الناصر في رحلاته الخارجية واهم الشخصيات التي قابلها والمؤتمرات التي حضرها مثل مؤتمر باندونغ والخرطوم، بالاضافة الي زياراته لعدد من الدول العربية مثل سورية وليبيا والسودان والتحديات التي واجهها ابان اعلان الوحدة المصرية ـ السورية وخطابه الشهير عن المؤامرة التي احاطت بالمشروع القومي. كما تضمن الفيلم كذلك مقتطفات من احاديثه الاذاعية عن المحاولات الغربية لتفتيت التضامن العربي ومساعي اسرائيل وامريكا الدؤوب لتنفيذ هذا المخطط عن طريق شبكة واسعة من الجواسيس والحلفاء المتواطئين.. وربما يكون الابرز في هذا الفيلم هو الربط التاريخي بين ما كان يشير اليه عبد الناصر وما يحدث الان علي الساحة بتطـــــــابق دقيق كأن الرجل كان يقرأ كف المستقبـــــل ويدرك بحدسه السياسي المرهف ما سوف يؤول اليه الحال بعد رحيله، خاصة انه ذكر بالنص في واحدة من خطبه المهمة ان امريكا تسعي لتقسيم العراق واحتلالها للاستحواذ علي ثرواتها، وبناء قواعد عسكرية لها في المنطقة، وان اسرائيل ستعمل جاهدة علي توقيع اتفاقية سلام مع مصر لتتخذ منها ذريعة ومبررا لاقامة علاقات ودية مع دول الجوار تحقق من خلالها مآربها الخبيثة كسرطان يتفشي في الجسد العربي.. هكذا قال عبد الناصر نصا ومعني فيما يشبه النبوءة.وبالعودة الي السينما نري ان هناك افلاما جاء فيها عبد الناصر حاضرا من خلال الاحداث مثل فيلم رد قلبي الذي ناقش الواقع المصري قبل الثورة وبعدها ورمز فيه الفنان كمال يس الي شخصية عبد الناصر باعتباره قائد تنظيم الضباط الاحرار، غير ان كثيرا من الافلام الروائية الطويلة اتخذت من مشهد الجنازة المهيب باك غراوند للاحداث او نهاية مؤسفة لمرحلة زاخرة من عمر مصر. وايا كانت السياقات والاطروحات الدرامية فان عبد الناصر ظل خالدا في ذاكرة السينما كما هو خالد في ذاكرة الوطن والمواطنين.0