في الستارة كل شيء يذهب وتبقي الرواية.. والعمل الأبدي لا يكتفي بما هو مكتوب علي الحائط
زمن الرواية.. الروائي كمعلق ومنظر وناقد.. قراءة في محاولتين .. كويتزي وكونديرا: 2 من 2 ابراهيم درويشفي الستارة كل شيء يذهب وتبقي الرواية.. والعمل الأبدي لا يكتفي بما هو مكتوب علي الحائطهل تستطيع الرواية الاجابة علي اسئلة الحياة؟ وهل الرواية في دأبها لمتابعة الشرط الانساني يجب ان تعتمد علي الفلسفة لكي تجيب عن هذه الاسئلة؟ وهل هناك ادب روائي اهم من ادب آخر؟ وهل الرواية تدخل من نفس الباب الذي تدخل منه الوان ادبية اخري، من الشعر والموسيقي والنثر،؟ام ان الفن الروائي ولد بشروطه وجاء بجدته، اي ان هذا الفن له قصته الخاصة من ناحية الولادة، لا يكتب عن التاريخ او السيرة لا يوثق للحياة الانية، لا يتمثل الرخيص او البسيط؟ والرواية في هذا الاطار فن مستقل، فن جاء الي الدنيا يحمل الجديد والمخترع كما تشي العبارة التي تستخدم لوصف هذا في اللغة الانكليزية واللغات الاخري.في الاسبوع الماضي قدمنا عرضا لمقاربة جي كويتزي، الروائي الجنوب افريقي الحائز علي نوبل عام 2003، الذي اصدر مجموعة مقالاته النقدية تحت عنوان اعمال داخلية/ باطنية وكمتابعة لهذه المقالات نقدم عرضا لكتاب ميلان كونديرا الستارة . كونديرا الروائي التشيكي المعروف وصاحب كتاب فن الرواية يقدم لنا جديده وهو الستارة وهو الكتاب الذي يصفه بأنه مقال في سبعة اجزاء ويحتفي في الرواية بالسرد الروائي طارحا عددا من الاسئلة الشائكة حول اصالة السرد الروائي وجدته وعلاقته بالفنون الادبية، وفي طياته يشير الي ان المشروع السردي هو مشروع الحياة، ينغمس فيه الكاتب طوال حياته وبعد انتهائه من مشروعه الكبير يكتشف انه لم يعد هو نفس الشخص، لقد غيرته التجربة الروائية والسردية وقد كبر معه .لان الرواية كانت تعبيرا عن الجدة ولم تكن مسبوقة فقد كان عليها ان تخط تاريخها وسلالتها. كان عليها ان تؤكد حضورها ومبررات وجودها ولهذا فاننا نجد فيلدينغ في روايته توم جونز يقطع خط رحلة فارسه ومغامراته بالقاء محاضرات عن اهمية الرواية وهذا السرد الجديد. جاءت الرواية في البداية لكي ترفض الوعي الجمعي والتاريخ الرسمي والايديولوجي، والتقسيمات الجغرافية للفن والادب، بين اوروبي وشرق اوروبي، كما جاءت لتؤكد موقف الفرد من نفسه ومن جماعته. كان علي الروائي في البداية ان يلعب دور المنظر والسارد، فسرفانتيز، يفحص في دون كيخوت سخف الفروسيات العاطفية والرخيصة ومثله فيلدينغ الذي كان يقوم بمديح الرواية. لم يتخل الروائي رغم مرور قرون علي ولادة هذا الفن عن دوره كناقد ومنظر وسارد، فكويتزي في عدد من رواياته خاصة اليزابيث كوستيلو يخوض هذا الجدل النقدي، من خلال نقاشات طويلة حول الفن والادب وعلم النفس عبر المحاضرات التي تقدم علي السفن السياحية التي تجذب عادة المتقاعدين. ورواية كونديرا، الابدية ، هي في النهاية عن ديمومة وبقاء الفن الروائي، الذي حافظ خلال القرن الماضي علي فكرة الفردية التي تقف علي خط النقيض مع التجربة الجمعية او الوعي الجمعي للمجتمع. الرواية كما يري كونديرا هي ضرورة بشرية وهي حاجة لانها تحفظ وتبرر التصرفات الانسانية التي لا يمكن التكهن بها وهي بالتالي تؤكد ان كل شيء بما فيه الحقيقة نسبي، ولان الامر كذلك فالرواية توجد مبرر بقائها ووجودها كمعبر اكيد عن الشرط الانساني وعن الوعي المستمر. الرواية كان عليها ان تخط طريقها وترسم سلالتها، وان تكتب تاريخها من خلال التكرار الجميل، في البداية كان ابطال الروايات اشباه متعلمين يحكون حكاياتهم ويقدمها الروائي بدون تشذيب او حذف وكان الابطال في احيان يخرجون عن النص، خالقين شكلاً متعرجا يقول عنه كونديرا انه محاولة للتأكيد علي حرية التعبير الكاملة. في نهاية كتابه المكثف يقول كونديرا ان معركة الرواية كانت منذ البداية للتخلص من السارد واسقاطه من علوه السامي، السارد الذي اساء استخدام سلطته والذي يقدم منذ الابدية، حقيقة واحدة تمت المصادقة عليها وفرضها. ومن هنا فقد تم خلع الكاتب عن عرشه في ثورات جمالية واخري سياسية، لتصبح الرواية ارضا، كرنفالا للحقائق المتعددة وملعبا للجنون الجميل. اختار كونديرا عنوان الستارة لهذا العمل النقدي الذي يمارس فيه دور التنظير والسرد، فهو يتحدث عن نفسه، والرواية قناع او حجاب يخفي وراءه التحيزات والتفسيرات المسبقة التي تحجب عيوننا عن الحقيقة، كان علي الروائي ان يخرق الستارة ويمزقها، حيث قام سرفاتنيز بتجاوز هذه الستارة المغزولة من الاساطير، وحرر بطله دون كيخوت من الحب العاطفي والفروسية الرخيصة الي عالم النثر العاري الساخر. الستارة هي عن الرواية والخروج عن النص، فالعمل الذي يريد ان يحتفظ بنفسه في سجل الخالدين يجب ان يخترق الستارة، لانه من خلال فتق وتمزيق الستارة يكون بمقدور الكاتب علي طرح الاسئلة الوجودية، عن الحقيقة والهوية والحب، وهي الاسئلة التي لا يمكن الاجابة عنها، سواء بالسخرية او التراجيديا، يتحدث كونديرا عن مشهد يدعو شخصا دون كيخوت لبيته ليعرفه علي ابنه الشاعر، عندها يكتشف دون كيخوت ان مضيفه مجنون لا يرجي شفاؤه، وعندما يلقي الابن قصيدة امام الضيف، حيث يجد دون كيخوت يرفع الابن وشاعريته للاعالي لدرجة تختفي فيه الحدود بين العقل والجنون، فلا نعرف في النهاية من هو العاقل او المجنون، او من المجنون والمجنون الاكثر جنونا، هذه الرواية إذن تدور في اطار الحدود النسبية، فالنكتة قد تفقد في خلال السرد الروائي نضارتها ومعناها. الرواية هي عن السلوك الانساني، عن الانسان كما عبر فلوبير عندما سألته كاتبة مغمورة عن علاقته بمدام بوفاري فقال مدام بوفاري هي انا ، ولان الرواية عما هو نسبي فقد كانت منذ البداية شكاكة او عصية علي كل ما هو تراجيدي، التراجيديا في مشهدها المسرحي وعماها لسرد الحياة، في السرد الروائي والمفاهيم والاسماء تكتسب حياة جديدة، فالتراجيديا تتحول لمعني جمالي، والسؤال هل التاريخ تراجيدي؟ وهل هناك معني اخر للتراجيديا غير المصير الشخصي. ويشير كونديرا الي نسبية المفهوم عندما يحيلنا الي رواية ارنيست همنجواي لمن تقرع الاجراس؟ ففي الفصل العاشر عندما يصف لنا يوما قام فيه الجمهوريون بالسيطرة علي قرية من الفاشيست، وقيام الجمهوريون بجمع عدد من السكان واعدامهم لتأييدهم الفاشيين، يقضي همنجواي وقتا طويلا لوصف المشهد، تردد الجنود، الخمر والدم، قبل ان يتحول المشهد الي جحيم، لكن الجحيم هذا ليس تراجيديا، الجحيم هو الرعب الذي لا يوجد فيه اثر لهذا الجحيم الارضي.كونديرا في سرده للولادة والسلالة الروائية واخيرا كيف نسيت الرواية تاريخ ميلادها مفضلة الحديث عن تيار الوعي المستمر، يري ان اوروبا نسيت تاريخها، ويعتقد هنا ان المعجزة الكبيرة في اوروبا لم يعد فنها، بل ان فنها صار تاريخا، وهنا يقول انه في البداية عندما يتم تخيل اوروبا الازمنة الحالية كما تخيلها كتاب في القرون السابقة لم تعد موجودة، اوروبا الازمنة الحديثة عفا عليها الزمن، فاروربا التي نعيش فيها اليوم لم تعد معنية بالبحث عن هويتها عبر مرآة فلسفتها وفنها، كسرت المرآة، كان هذا الوضع في القرون الماضية، عندما تم النظر الي تاريخ اوروبا عبر ديكارت وسرفانتيز. كونديرا الذي يتساءل قائلا اين نذهب من اجل البحث عن وجوهنا؟ الاجابة هنا عن السؤال غير مباشرة، نجدها قطعا في الراوية، التي قطعت قرونا وقارات، بالنسبة لكونديرا، فالرواية من خلال تأكيدها علي العواطف المتواضعة فانها الفن الذي يختاره لتذكر حياته الاولي في تشيكوسلوفاكيا، حيث يبحث عن ادب هذه الامم الصغيرة ويحاول ان يربطها بين ادب القارة اللاتينية، مؤكدا وجود صلة بين ادب الواقعية السحرية عند ماركيز وفوينتس وبين ادب فرانز كافكا.الرواية حملت شكوكا من الرموز والاحداث التي تسيطر علي الحس الانساني وتاريخه، فالاحداث الكبيرة لم تكن مسرحا للرواية، واترلو، المعركة لم تذكر الا عرضا في ثاكري فانيتي فير ، نشعر بالغزو الفرنسي والمخاوف منه في تحيز وكبرياء عند اوستن ولكن نابليون لا يذكر ابدا. الروائي لم يكن بحسب كونديرا خادما للمؤرخ. ويري ان الشك من جانب الروائي من اجندة الجنرالات والسياسيين هو ما ساعد في ولادة الحركات المعارضة، وهو يتحدث عن سنوات الستينيات والمسرح الهامشي الذي اكد هذه المعارضة، ولكن التاريخ كما يكتبه الجنرالات لم يكن محط اهتمام الروائي، ومن هنا فالتشيك الذين اقتيدوا للقتال في الجبهات عام 1914 للدفاع عن امبراطورية الهاسبيرغ لم يكونوا عارفين بدوافع الحرب ولهذا اعجبوا بالهاربين من المعركة وبرواية هاسيك الجندي الطيب ، ويمدح كونديرا الرواية وحسها الملحمي الساخر. ويعتقد كونديرا ان انجاز الرواية يكمن في انها حررتنا من خداع التراجيديا، لانها اي الرواية تركز علي المعرف والمحدد، والافعال التي تحدد الهوية، ويعتبر الابطال التراجيديين مجانين يتماهون معه المعتقد او الايديولوجيا التي تدفعهم للموت او لفعل الموت. التراجيديا تقوم بتغذية الاحتفالات والمذابح وتحول الافراد الي رعاع في حالة جنون وجذب. شخصيات التراجيديات هم مغرورون وفخورون وشخصيات متعالية، هناك فرق بين هذا النوع من التراجيديا ومقتل آنا كارنينا، حيث يصف تولستوي فعل البطلة بالقائها نفسها تحت عجلات القطار ما اسماه شاعرية الانتحار، والفعل الهاديء اللامسرحي. يبدو فعل انا كارنينا آليا وتقنياً تتعاون فيه مع القطار عندما تدس نفسها بين عرباته في اللحظة المناسبة، ومن هنا فهي تفشل في المحاولة الاولي لانها تأخذ وقتا لكي تنزع حقيبة يد من ذراعها.يرسم كونديرا مآلات الرواية ومساراتها منذ البدء فهو كمهاجر، ينظر لنفسه كضحية للنظام في بلاده وللقانون الادبي الذي لا يعترف به، ينتقد البيروقراطية او ما يطلق عليه البقرطة حيث يخصص جزءاً من كتابه الصغير هذا للحديث عن علاقة كافكا بالبيروقراطية. ولكن كونديرا يتعامل مع المفهوم ليشير الي منظري الرواية والادبخاصة الاكاديميين. ومن هنا فكتابه هذا يمزج بين خيال الراوئي وصرامة الناقد، يبدو كونديرا احيانا يتلاعب بالكلمات ويصدر الاحكام، وفي مناسبات اخري يتخلي عن الشرح والتحليل ليعوض ذلك بالتعجب والاعجاب.حدد كونديرا رؤيته للرواية ودوره كمنظر وروائي قائلا روائي يتحدث عن فن الرواية ليس استاذا يقدم خطابه من علي منصة، فهو (اي الروائي) سيتحدث عن نفسه، واكثر من هذا عن الاخرين، وعن رواياتهم التي يحبها، والتي يوجد لها حضور سري في عمله. وبحسب معياره وقيمه، سيقوم مرة اخري بملاحقة كل تاريخ الرواية الماضي، وبقيامه بهذا فانه يقوم بتقديم صورة عن شعرية الرواية ، الشعرية التي تنتمي لنفسه . من خلال الفهم يخوض كونديرا مغامرته الروائية التي يري ان الروائي فيها لا يقدم او لا يكتفي بتقديم ما هو مكتوب علي الستارة، بل عليه ان يمزقها. فالرواية، فن الرواية، ليست فرقة قرية موسيقية تقوم باستعراض، ولكنها هناك لكي تصنع تاريخها. وهو هنا يقدم تاريخ الرواية وفنها في تحولاتها السردية من التركيز علي سرد الحوادث مرورا بفلوبير وانتهاء بجويس وكافكا. وفي النهاية يقدم رواية دي لاكول تآمر خطير (1782) ويربطها مع مسجاة للموت لفولكنر (1930) كمثال عن سلالة الرواية وارتباطها لانهما تمثلان جزءا من نفس تاريخ الفن، ولانهما تتعاملان مع سطوة السارد. كونديرا في رحلته في تاريخ الرواية، يقدمها علي انها رحلة مستمرة، وبناء متكامل، حيث يؤكد علي ان الفن الروائي خط طريقه واذا كان لكل فن بابه، فالرواية لها بابها الخلفي، انها رحلة النشوء والولادة، والتكوين، والتطور الذي انتهي بنسيان اسطورة البدء، واذا كان تاريخ الفن له زمن وعمر محدود فان بلبلة الفن ابدية.ناقد من اسرة القدس العربي Milan KunderaThe CurtainAN eay in Seven PartsTranslated from French by:Linda Aherfaber& faber/ 20070