يسار أيوبفي تعريفها الأعم والأشمل تعرف الثقافة على أنها البيئة غير المادية التي أبدعها الانسان والتي تنتقل من جيل إلى آخر، فهي بذلك تتضمن الأنماط الظاهرة والباطنة للسلوك المكتسب عن طريق الرموز والذي يتكون في مجتمع معين من علوم ومعتقدات وفنون وقيم وقوانين وعادات وغير ذلك.
من هنا يمكن القول بأن الثقافة في انتقالها من جيل لآخر تتضمن معنى الاستمرارية، ولا تعرف معنى السكون والجمود. وسيرورتها هذه ليست مجرد آلية ميكانيكية، إنما هي عملية إبداع وصيروة، تأخذ شكل الارتقاء بالجوانب الخاصة في هذه الثقافة كالفن والأدب والموسيقى وغيرها، إضافة إلى تهذيب الجوانب العامة فيها كالسلوك الجمعي أو الفردي، المتضمن الانفعالات، والأفعال وردود الأفعال وغيرها في طريقة تبدو معها الثقافة الجمعية كرادع ومحرض أخلاقي، في دفع الأفراد إلى تبني سلوكيات معينة وإبعادهم عن سلوكيات أخرى.
يبدو أن الحديث عن ثقافة واحدة ضرب من المتخيل المستحيل، فلكل أمة مكوناتها الديمغرافية ومجموعاتها الدينية والإثنية والطبقية، والحديث عن ثقافة واحدة موحدة يشمل نوعاً من القسر الفكري يشبه ذلك الذي مارسته أنظمة شمولية حين حاولت فرض ثقافة مجموعة على الآخرين لتشكل أمة قهرية ما لبثت أن عادت لتتفكك الى مكوناتها الأصلية الأصغر. فمن الأصح إذن الحديث عن ثقافة مشتركة وما يمكن تسميته بالثقافة ـ التسوية التي تتشكل عبر عمليات تفاعل الثقافات الفرعية مع بعضها، وتكون حاصل التأثر والتأثير بين ثقافات المكونات الأساسية للجماعة الكبرى، وهذا يقود الى الحديث عن ‘تسوية ثقافية’ تسود بين الجماعات لتسهيل عملية العيش المشترك على الأرض الواحدة.
وقد اكتسب مفهوم الثقافة أهمية قصوى مع تطور العلوم الانسانية وتحديداً علم الاجتماع والانتربولوجيا والاتنولوجيا، واعتبر مفهوماً محورياً يشكل أرضية تحليلية لفهم الشخصية الجمعية لمجموعة انسانية ما، بغية استنباط السمات المشتركة بين الأفراد والبناء عليها من اجل تطوير سلوكيات عامة تطور من حال المجموعة الانسانية بخصوصها والتجمع البشري بعمومه.
ولما كانت أهمية مفهوم الثقافة عالية فقد درج استخدامه مع إلحاق يستتبع تحديداً خاصاً لجانب معين من الثقافة وليست بكليتها ومن هنا انتشر استخدامها للتدليل على توجهات مستحبة او مكروهة، على سلوكيات مقبولة أو مرفوضة، على نظم مرغوبة أو مستبعدة، وهنا كان استخدام مصطلحات من قبيل الثقافة الامبريالية او الثقافة الماركسية او الثقافة الديمقراطية او الثقافة السياسية وما الى ذلك. غير ان استخدام مصطلح الثقافة بصورة فوضوية قد جعلها ضبابية لا يمكن الوصول الى تحديد دقيق لها وصار الخلط واضحاً بل ومبرراً احياناً بين مستويات مختلفة للثقافة نفسها وبينها وبين مصطلحات اخرى قد لا تعطي المعنى ذاته فتم الخلط بينها كعمومية وبين مكوناتها لتصبح الثقافة كأنها مكون من مكوناتها ذاتها، فالاقتصاد والاجتماع والسلوك وغيره من جوانب الثقافة قد يتحول بالاستخدام الى معنى اكبر ليضم المصطلح الأصلي ذاته ويسيطر الجزء على الكل مفهومياً. وكذلك ايضاً الخلط بينها وبين مفهوم الحضارة التي هي انجاز مادي جعل منها اي الثقافة مجرد نتاج مادي من نتاجات الحضارة مبعداً عنها صفة الكل الفكري لتغوص في المحسوس الحضاري، وهو ما نزل بالثقافة الى معايير قياس مادية كان اولها عدد الكتب المنجزة وعدد الشهادات الدراسية المحصلة، بل وحتى عدد المنشآت الثقافية المقامة في مكان ما لشعب ما.
الاستعمال المجحف هذا بحق مفهوم الثقافة لم ينزع عنها صفتين أساسيتين وهما العمومية والتطور، عمومية تجعلها متجذرة في عقول أكبر عدد من أفراد الجماعة البشرية، أي الشعب. وتطورها الذي، إضافة إلى ما سبق ذكره، يسعى إلى تطابقها /أي الثقافة/ مع المثل الأخلاقية العليا التي جعل منها الانسان مثلاً وقيماً صالحة بالمعيار الأخلاقي لكل العصور، وهي المثل التي تظل حقيقة على جانبي البيرينيه.
يبدو أن أهم مبدأ في النسق الأخلاقي الانساني هو العدل، والعدل بمعناه العام هو أن يأخذ كل ذي حق حقه، ولكي يتحقق العدل لا بد من ربطه أيضاً بمفهوم المساواة الانسانية فالناس يولدون أحراراً، متساوون في الكرامة والحقوق بحسب الاعلان العالمي لحقوق الانسان، وقد كانت جميع الفلسفات الانسانية التي نشدت فهم الانسان ورامت لتحسين ظروف حياته، تسعى عن قصد او غير قصد للحاق بعلوية هذا المبدأ الأخلاقي، وكانت كل فلسفة تضيف الى سابقاتها شيئاً جديداً في هذا المجال، وتشكل تقدماً في سلم العدل والمساواة. بحيث تم الانتقال من فلسفة أفلاطون الذي شرع العبودية والمجتمع الطبقي القائم على علاقات استغلال بدائية، وان تحدث عن المساواة بين الرجال الأحرار، إلى فلسفة الأنوار الفرنسية التي اعتبرت مرجعية للاعلان العالمي لحقوق الانسان من حيث تركيزها على المساواة وضمناً العدل بكل معانيه.
الثقافة بكل فروعها، بما فيها الثقافة السياسية، تسعى أخلاقياً للعدل والمساواة كأساس في تنظيم علاقات البشر الداخلين في الجماعة البشرية، وان كانت لا تحمل أحياناً نفس المعنى تجاه الآخر. فالثقافة السياسية هي فرع من أصل كلي، يهتم بتنظيم العلاقات السياسية بين الأفراد في الجماعة ذاتها وبين الجماعات المختلفة، لتصبح اوضح مثال عن الثقافةـ التسوية التي تحدثنا عنها سابقاً، وثقافة السلام هي جزء من هذه الثقافة السياسية التي تعني فيما تعنيه ترسيخ سلوكيات وعادات وتوجهات اللاعنف في الأفراد لتصبح مشتركاً ثقافياً بينهم يسمح لهم باشاعة اللاعنف في تنظيم علاقاتهم الداخلية والخارجية. واضافة إلى أهميتها في المجتمعين المركب والفسيفسائي حيث تسمح بتشكيل الحد الأدنى لشروط تعايش المكونات المختلفة كذلك فهي مهمة للعلاقات بين المجتمعات ذات المصالح والعلاقات المتشابكة، حيث تسمح بتنظيم وحل الصراعات على أسس سلمية، وتشكل رأياً ضاغطاً على مراكز القرار للتماشي مع هذه الثقافة السائدة.
بيد أن الثقافة هذه ليست موحدة ولا موحًّدة، فقد يتكون سلوك سلمي تجاه مكون ما ويكون عنفياً تجاه مكون آخر، وقد يكون سلمياً أمام مجتمع ما، وعنفياً في وجه مجتمع آخر، وقد يكون سلمياً في معالجة قضية ما، وعنفياً في مواجهة قضية أخرى.
ولكي يصبح للسلام ثقافته السائدة والمتأصلة في أفراد الجماعة لا بد أولاً من توفير شروطه الأساسية التي تكمن في المبدأ الأخلاقي الكلي ‘العدل’، ولا يكفي القول أنه، وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي وانهيار الايديولوجيا الكلاسيكية الماركسية القائمة على مفهوم الثورة كأداة شبه وحيدة للتغيير، قد انتهى زمن الثورات الى غير رجعة، وأن العنف لم يعد له مبرر، وأن الثقافة السلمية ترسخت بطريقة آلية في المجتمعات البشرية. فالثورة بكل أشكالها والثورة العنفية على رأسها ما زالت تحمل امكانيات اندلاعها من جديد، فإن كان الطابع السلمي للربيع العربي نموذجاً، إلا أن العالم المليء بالظلم والمآسي والكوارث والديكتاتوريات يحمل في ثناياه بذور الثورات العنفية في غير مكان من العالم. إن الوضع الذي يبدو معقداً في الشرق الأوسط من ناحية الصراع العربي الإسرائيلي، يمكن تحليله إلى عوامله الأولية البسيطة، وبدون أن نغلق الأعين عن التشابكات القائمة، إلا أننا نستطيع القول أن هناك قوة محتلة (اسرائيل) تسيطر على أراض تابعة على الأقل لثلاث دول (سورية، لبنان، وفلسطين)، وأبعد من ذلك أن هناك ظلماً تاريخياً وقع على شعب يعيش على أرضه منذ آلاف السنين وجد نفسه في النهاية مقتلعاً منها، وتحول إلى مجرد مجموعات سكانية لاجئة في محيطات سكانية أخرى، وتم التعامل معه على أساس إنساني بحت، واقترحت لأجله الحلول الكثيرة التي انطلقت جميعها من ثابتين أساسيين هما رفض الاعتراف بهذا الظلم التاريخي الواقع عليه، والتعامي التام عن حقه السياسي.
إن الضمانة الأساسية لترسيخ ثقافة سلام في منطقة الشرق الأوسط تكمن أولاً وقبل كل شيء في الاعتراف الاسرائيلي بالمسؤولية الأخلاقية عن الظلم التاريخي المستمر على الشعب الفلسطيني. ولا يكفي مجرد الاعتراف الانتقائي بقرارات الامم المتحدة لكي نتقدم في سلم الحل. بل يجب تضمين الاعتراف بالمسؤولية الكاملة عن المأساة في أي تصور لتسوية الصراع. وكذلك يجب على العالم تحمل مسؤولياته التاريخية التي تبدأ أولاً من الاعتراف بالمسؤولية الجزئية عن المشكلة القائمة، وهو ما يتضمن اعترافاً بريطانياً وأوروبياً بالأساس عن الدور الذي لعبته أوروبا ما بين الحربين، وكذلك اعتراف المجتمع الدولي برمته عن عدم التدخل بشكل فعال في انهاء المأساة رغم اتخاذه مئات القرارات المؤيدة لرفع الظلم عن الشعب الفلسطيني في مؤسساته المختلفة إن على صعيد الدول أو المنظمات الدولية. إن الاعتراف بالمسؤولية التاريخية لكل من اسرائيل والمجتمع الدولي، يعتبر شرطاً أساسياً لبدء وصل الجسور، واعادة بناء الثقة المطلوبة مع الشعب الفلسطيني الذي يشعر منذ حوالى مئة عام بأن وجوده مهدد، وكيانه ممزق، وحلمه مصادر، ومستقبله يلونه السواد. إذاً فالاعتراف شرط لبناء الثقة التي هي بدورها شرط أولي للبدء بانتهاج سلوكيات السلام ضمن ثقافة عامة تشجع على نبذ العنف كوسيلة وعلى الوسائل السلمية للوصول الى الأهداف الكبرى.
ومن نافل القول أن الاعتراف وحده لا يكفي، فالهدف هو العدل، أي رفع الظلم عن الشعب الفلسطيني، وهذا يتطلب أيضاً مجهوداً محسوساً من قبل الأطراف المسؤولة من أجل تعزيز الاحساس بأن الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني سيجد له حلاً ونهاية، وأنه لن يدوم الى ما لا نهاية. فالثقافة أيضاً في جزء منها مبادرات تعزز سلوكيات مرغوبة، وبذلك فإن المبادرة باتجاه خطوات عملية تشجع المجتمع الفلسطيني على تبني خيار ثقافة السلام باعتبارها خياراً مجدياً يمكن أن يعزز فرص الوصول الى تسوية تاريخية تضمن قبولاً ثقافياً وتعاطياً شعبياً معها باعتبارها تسوية ترفع الظلم ولو جزئياً.
لا بد هنا من القول بأن ثقافة السلام على ضفتي الصراع شرط أساسي للدفع باتجاه حل يكون له نصيبه من الدوام، غير أنه ليس شرطاً كافياً، عدا عن العلاقة الجدلية بين السلام وثقافته. إن مجرد شيوع ثقافة مسالمة قد يعني في أحد أبعاده يأساً من امكانية الحل العنفي، وقد تعلمنا من تاريخ الشعوب أن اليأس يصبغ مرحلة ما لكنه لا يمكن أن يكون سيد المراحل، وبالتالي لا يغر المرء أن يرى ثقافة اليأس سائدة ليبني عليها نتيجة خاطئة بإمكانية الحل، فالحل حينها يكون مفروضاً، قد يقبل به شعب ما لمرحلة معينة لكنه لن يكون سوى مقدمة للعودة الى وسائل العنف. وما تاريخ فلسطين سوى مثال جيد على هذه فاليأس تعمم كثقافة بعد كل حدث ضخم غير أنه يترك مكانه دوماً لوسائل عنفية تثبت للذات وللآخر أن الشعب مازال موجوداً، ولا يمكن القفز عنه واعتباره لاغياً والتعامل فقط على مستوى تهدئة هنا وتسوية صغيرة هناك.
أي هدنة أو تسوية لا تضمن مراجعة تاريخية للصراع هادفة إلى طمأنة الجمهور على المدى الطويل ليس لها أن تصمد، وخصوصاً في ظل وجود من يذهب الى النهايات القصوى غير عابئ بالآخر. إن ثقافة السلام لا يمكن لها أن تتحقق بقرار سياسي، حتى وان اتخذ، ولا يمكن للسلام أن يتحقق بمجرد وجود ثقافة سلمية، إن العلاقة الجدلية بين السلام وثقافته تجعل منهما مقدمتين ونتيجتين بنفس الوقت وذلك رهن بصيرورة الصراع بين الطرفين. من الظلم المطالبة دوماً بنبذ العنف حين نرى أن المسيرة السلمية تتعثر منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، ومن الظلم أن نطلب من الشعب الفلسطيني إيماناً بالسلام وهو يرى تغييراً هائلاً في الوضع الديمغرافي للقدس عاصمة دولته المنشودة، وتكثيفاً هائلاً للاستيطان في الضفة الغربية، وبناء لجدار يحجب الشمس والهواء والحرية، من الظلم أن نطلب من الفلسطيني أن يستوعب ثقافة السلام، وهو يرى أن الطرف الآخر ما زال متمسكاً بمنطق الاحتلال، ومنطق القوة، ومنطق الحرب. من الظلم ان نطلب من الفلسطيني ان يخمد صرخته في حين نعطي كل شيء للطرف الآخر. ومن الظلم أن نطلب من الفلسطيني نسيان مأساته المعاشة لنبيعه حلماً لا يسنده واقع.
السلام والعدل لا ينفصلان، لكي يكون السلام دائماً يجب أن يكون عادلاً، ولكي يكون دائماً يجب أن يتحصن بثقافة تسانده، ولكي يكون دائماً يجب أن تسود ثقافة العدل قبل الحديث عن ثقافة السلام.*كاتب فلسطيني مقيم في فرنسا