الخرطوم: خلال الثورة السودانية على نظام عمر البشير، تشكلت “لجان المقاومة”، وهي مجموعات شعبية ساهمت في تنظيم الحراك الاحتجاجي، ما أجبر قيادة الجيش على عزل البشير، في 11 أبريل/ نيسان 2019.
والآن تكافح عناصر “لجان المقاومة” أنشطة تهريب الدقيق والغاز، تحت ضغط احتجاجات شعبية بدأت أواخر 2018؛ تنديدا بتردي الأوضاع الاقتصادية.
وتشكلت هذه اللجان الشعبية في المدن والقرى، إثر اندلاع احتجاجات 19 ديسمبر/ كانون أول 2018، وكان لها الدور الأكبر في إدارة الفعاليات الاحتجاجية غير المسبوقة في السودان.
واللافت، أن الشرارة الأولى للاحتجاجات ضد البشير (1989 – 2019)، اندلعت في مدينتي الدمازين (جنوب) وعطبرة (شمال)، بسبب عدم توافر الخبز؛ جراء اختفاء الدقيق في المدينتين لمدة أسبوع.
وحاليا، تنشط “لجان المقاومة” طوعا في متابعة المخابز ومحطات الوقود والمستشفيات، لتسهيل وصول المواد الأساسية إلى المواطنين، وسد ثغرات الفساد والتلاعب في تلك السلع والمستلزمات الأساسية.
ويعاني السودان من تصاعد أزمة الخبز، لعدم استيراد الكميات اللازمة من القمح؛ بسبب قلة النقد الأجنبي اللازم للاستيراد، وحدوث تلاعب في حصص بعض الولايات، وتهريب القمح إلى أسواق دول مجاورة، وفق مسؤولين حكوميين.
مراقبة المخابز
تحتكم “لجان المقاومة” إلى ميثاق ينظم عملها، والشرط الأساسي للانتساب إليها، هو أن يتمتع الشخص بسيرة ذاتية طيبة، وليس مرتبطا بالنظام السابق، وليس متهما بجريمة تمس الشرف والأمانة، وغير منتمٍ حزبيا، وأن يكون ديمقراطيا في اتخاذ القرار.
ووفق إمام بشير الجندي، عضو “لجنة المقاومة”، في حي أركويت وسط العاصمة الخرطوم، فإن أعضاء اللجنة ينشطون بصورة رئيسية في حراسة مخبز الحي، منعا للتلاعب والتهريب.
ويقول الجندي: “عندما تأتي حصة الدقيق إلى المخبز، يختم أعضاء اللجنة الجِوالات بختم أصفر بارز، تفاديا للتهريب، وعند محاولة تهريبه يتم اكتشاف الأمر سريعا، نسبة للختم البارز على جِوال الدقيق”.
ويوضح أن أعضاء اللجنة يسهرون في دوريات صباحية ومسائية، لتسهيل الإجراءات، ومتابعة الدقيق وإدخاله إلى المخبز، وحتى مرحلة توزيع الخبز على المواطنين.
ويتابع: “نحرص على إعطاء الأسرة الواحدة 90 رغيفا في اليوم، في كل وجبة 30 رغيفا، ليسهل على كل المواطنين تناول حصتهم”.
فيما يقول عضو “لجنة المقاومة”، مجدي عثمان، إن اللجان تعمل بشكل دائم على مراقبة الدقيق، وعدم خروجه من المخبز عن طريق التهريب.
ويذكر عثمان، أن أعضاء اللجنة يوزعون أرغفة الخبز بشكل متساوٍ على المواطنين، ويسمحون بخروج كميات كبيرة للمدارس، حتى لا يعاني الطلاب من الجوع.
قلة النقد الأجنبي
وأزمة الخبز هي إحدى تجليات الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها السودان، على خلفية فقدان احتياطياته من النقد الأجنبي، بعد انفصال دولة جنوب السودان عنه عام 2011، وما خلفه من حرمان السودان من موارد نفطية كانت تؤمّن 80 في المئة من احتياطياته من النقد الأجنبي.
وحتى الآن، لم تستطع الحكومة الانتقالية إيجاد حل ناجع للأزمة، التي تتجدد كل فترة؛ بسبب عجز السودان عن توفير موارد كافية لاستيراد القمح.
وبدأت في السودان في 21 أغسطس/ آب 2019، فترة انتقالية تستمر 39 شهرا تنتهي بإجراء انتخابات، ويتقاسم خلالها السلطة كل من الجيش وتحالف “قوى إعلان الحرية والتغيير”، قائد الحراك الشعبي.
ورغم وفرة موارده الزراعية، لم يستطع السودان تحقيق اكتفاء ذاتي من القمح لأسباب عديدة، منها عدم مواءمة المناخ لزراعته إلا في أشهر معينة من السنة، لاحتياجه إلى أجواء باردة، إضافة إلى عزوف المزارعين عن زراعته، لارتفاع تكلفته، ومحدودية عائداته.
وتلزم الحكومة المزارعين ببيع محصول القمح لصالح المخزون الاستراتيجي، بأسعار يعتبرونها ضعيفة، لا تتناسب مع تكلفة الإنتاج.
ويستهلك السودان، بحسب تقدير حكومي، نحو 2.44 مليون طن قمح، ولا يتجاوز الإنتاج المحلي منه 350 ألف طن.
أزمة خانقة
هذه الأيام، يعاني السودانيون من أزمة خانقة في الخبز والوقود، تجلت في اصطفاف عدد كبير من المواطنين أمام المخابز ومحطات الوقود، لساعات طويلة، فيما أغلقت عدد كبير من المخابز أبوابها؛ لغياب الدقيق.
ويوجد في السودان 13 ألفاً و760 مخبزاً، وفق وزارة التجارة والصناعة، مؤخرا.
وسنوياً، يستورد السودان قمحاً بقيمة 1.144 مليار دولار، وتدعم الحكومة الدقيق بقيمة 1650 جنيهاً (32 دولاراً أمريكياً) عن كل 50 كيلوغرام.
وشهدت مناطق متفرقة من البلاد، خلال الأيام الماضية، احتجاجات على انعدام الخبز في المخابز، ما أثار تخوفات من قيام ثورة ضد الحكومة الانتقالية.
ويتهم منتقدون الحكومة بالتساهل مع المطاحن غير الملتزمة بالحصص المتفق عليها، ما يؤثر في توزيع الكمية اليومية للدقيق المقدرة بـ100 ألف جوال، زنة 50 كيلوغرام.
وتعتمد الحكومة على خمسة مطاحن في القطاع الخاص، لطحن الدقيق، قبل توزيعه على المخابز.
أسطوانات الغاز
بجانب أزمة الخبز، يعاني السودانيون من نقص الوقود وغاز الطهي.
وتقول لينا عبد الرحمن، عضوة “لجنة المقاومة” في حي “النسيم” غربي العاصمة، إن أعضاء اللجنة ينشطون في توزيع أسطوانات الغاز على المواطنين بالسعر الرسمي، وإغلاق الباب أمام جشع وطمع الوكلاء والتجار.
وتضيف لينا: “نحرص على استلام الغاز من المستودع، ونقله إلى الأحياء بمساعدة السلطات المحلية، وتوزيعه بشكل عادل على المواطنين”.
وتتابع: “لجان المقاومة ظلت تعمل منذ اندلاع شرارة الثورة، دون كلل أو ملل، ولن تسمح بافتعال الأزمات لإفشال حكومة الفترة الانتقالية، برئاسة عبد الله حمدوك”.
ويتساءل سودانيون بشأن نجاعة الحلول التي ستقدمها الحكومة الانتقالية للخروج من المشكلات الاقتصادية المزمنة، وعلى رأسها أزمتا الخبز والوقود، وإذا ما كانت ستقيها غضب الشارع الذي أطاح بالبشير بعد ثلاثين عاما في الحكم.
(الأناضول)