في الشعر النسائي المغربي: كتابة مفعمةً بالنّفَس الأنثوي تسرى في جسد اللغة !

حجم الخط
0

عبد اللطيف الوراري علاوةً على الغياب الطويل الذي تُكرّسه كتب الأدب والتاريخ عنها لأسباب دينية واجتماعية ونفسية تحكّمت بآليّات الإنتاج الثقافي وسلطتها، فإنّ المرأة كشاعرة في المغرب لم يثبت حضورها إلا منذ عهدٍ قريب، بعد أن صودر صوتها في ميدان الشعر ولم تكن بالنسبة له إلّا موضوعاً أو مجرد منشدة أو راوية له في مجالس السماع والإنشاد والأندية الأدبية التي ازدهرت خلال العصرين الموحدي والسعدي. وإذا كان العلامة عبد الهادي التازي قد ذكر في كتابه (المرأة في تاريخ الغرب الإسلامي) ثلاثة وستّين منهنّ بمن فيهنّ أم النساء بنت عبد المومن، وحمدة العوفية الملقّبة بخنساء المغرب، وحفصة بنت الحاج الركونية، إلّا أننا لا نجد لهنّ إلا شذرات غائمات لا تفصحن عن شخصية إحداهنّ على الأقل.هكذا، لم تظهر أول مجموعة شعرية نسائية إلا في العام 1975م، موسومة بـ ‘أصداء من الألم’ لصاحبتها فاطمة الزهراء بن عدو الإدريسي. أضمومة شعر متواضعة فنّياً، لكنّها كسّرت صمتاً مُريباً وكثيفاً خيّم على وجود المرأة وكينونتها لسنين عدداً، وكسّرت طوق الخوف عمّن كانت تحتفظ بما تكتبه لأرشيف أوجاعها، وإذا نشرته وَقّعته بأسماء مستعارة. وابتداءً من التسعينيّات، سوف نشهد إقبالاً من لدنهنّ على الإفضاء بتجاربهنّ ونشرها في كراريس ومجاميع تعاظمت في بدايات الألفية الجديدة التي أطلقت زخم الحرية وفضاء النشر الإلكتروني، حتّى طاولت المئين مجموعةً شعريّةً اِستبدّ بأكثرها اللسان العربي فصيحاً ودارجاً، بالقياس إلى الأمازيغي الناشئ والفرنسي المدعوم، وقد بزّ فيها الشعر غيره من أجناس القول، كأنّه الأثير لديهنّ لِيقُلْنَ صمتَ النساء.وفي خضمّ ذلك، أُثيرت مصطلحات من قبيل ‘الكتابة النسائية’ و’أدب المرأة’ و’كتابة الأنوثة’ داخل حقل الشعر، متجاوباً مع بعض الداراسات الثقافية، وقد صار في تأويله بما يُشبه تقسيماً جنسانياً لمفهوم الأدب لم يخل من أحكام قيمة. لكن من الحقّ أن نقول إنّ ذلك لن يمنعنا من أن نستشفّ من تلك الكتابة ما نميّز فيه أنا الأنثى وهُويّتها ومُتخيَّلها، وما حقّقته بِجُمّاع ذلك من إضافات نوعيّة، راهناً وترهيناً.إنّ أمامنا اليوم متناَ شعريّاً بارزاً، متأتّياً من مجموع ما تكتبه شواعر المغرب، يسمح لنا أن نُقرّ بوجود كتابة شعريّة تتكلّم صيغة المؤنّث وفتنته، ومفعمة بالنّفَس الأنثوي الذي سرى في جسد اللغة وفتّت آليّاتها، وأعاد تسمية كثيرٍ من مفرداتها المادّية والرمزية، بفضل التهوية التي أتاحتها أناها الكاتبة وهي تضع إصبعها في الجرح، وتسمّيه بنفسها، متمرّدةً ومتأمّلةً وونابضةً بالعاطفة والشهوة وبوجدانها الخصب الذي يتكلّم عهوداً من التاريخ الشخصي الموجع والتجربة الوجدانية المشعّة. وبهذا المعنى، رفضت أن تكتب نصّاً تحت أطر القولبة أو تطمئنّ إلى التنميط الذي يستغرق غنائيّتها أو شفافيتها الخاصّة، فبدا قاموسها الشعري هامساً وعفويّاً، وتماوج إيقاع خطابها بأنفاس غوايتها وشروخ جسدها، وتراقصت على أطراف كتابتها مخايل من هشاشتها وحياتها الصغيرة.هذا الإقرار الذي نسوقه ليس مُجرّد أحكام قيمة مسبقة عن المنجز في نصوص المتن وأجرومياته، بل هو استنتاجٌ تدمغه ملفوظات بنية الجملة الشعرية، من جهة؛ ويومئ إليه المتخيّل الشعرية الذي يشتغل في غفلة عن الذوات ويُوجّه مساراته في كلّ ديوانٍ على حدة، من جهة أخرى.عندما نُصغي إلى أهمّ تجارب الشعر النسائي المغربي أمكن لنا أن نرصد آليّات تشكُّل الأنا الشعرية وما يترتّب على مُتخيَّلها من فهم خاص للذات والأشياء والعالم، يختلف من ذات إلى ذات. فإذا كانت شاعرة مثل مالكة العاصمي أثبتت، ابتداءً من ديوانها ‘كتابات خارج أسوار العالم’، ارتباط تجربتها بمشاغل فكرها السياسي والنضالي الذي أملى على أناها المتمرّدة والمُحرِّضة أن تُجابه السلطة وتصرخ في وجه الواقع وتكلُّسه وخذلانه، بدون أن تضيع بوصلة الأمل واستشرافه كما في ديوانيها التاليين ‘شيءٌ له أسماء’ و’كتاب العصف’؛ إلّا أن شواعر أخريات انصرفن إلى كتابات تضوع بروائح الأنثى، وذلك ما: بين سعيها إلى المطلق الذي يحرّرها أناها من سلطة المعنى ويستبدل به معنى أن تقول شفوفها الرؤياوي- الجوهراني بلغة إشراقيّة وغنائية تتلألأ بمجازات الكشف والرؤيا، وهو ما يتيح للأنا أن تتجوهر في الصميم من هويّتها الكيانية المهدورة، وأن تبصر بضوء المحبة أعماق الحياة رغم ما فيها من زيف وخداع، كما لدى أمينة المريني ولطيفة المسكيني وأمل الأخضر ورجاء الطالبي وفتيحة النوحو؛وبين توهّجها في عبور الطبيعة الحيّة بأسطقساتها الأربع (الماء، الهواء، النار والتراب)، حيث تُطْلق الأنا أجنحتها المنقوعة بماء الحبّ الذي تنثره ببساطة في كلّ ركْنٍ منها كريم، حتّى وإن كانت شواهد الفقدان والموت تلتمع من كُواها، كما لدى عائشة البصري ونجاة الزباير وإيمان الخطابي وصباح الدبي وحليمة الإسماعيلي ونسيمة الراوي؛وبين عكوفها على الجسد الذي تُحرّر معناه إذ تُسمّي حواسَّه وتقضُّ مغاليقه وعلاماته وخباياه الهاجعة، وهو ما يستدعي احتفاءً بالحياة التي تقدح النزعة الديونيزوسية الولوع بأفراح الروح ومباهج الأنا بما فيها من رغبةٍ وبوحٍ وحميمية، بدون أن تسفَّ أو تنحدر إلى ابتذال، كما لدى وفاء العمراني وثريا ماجدولين ووداد بنموسى وإكرام عبدي وفاتحة مرشيد وفاطمة الزهراء بنيس وعلية الإدريسي البوزيدي؛وبين احتمائها بالذاكرة حيال عالم متيبّس طاعن في اليأس واليباب، إذ تنثرها في شكل شذراتٍ مكثّفة وموجعة لا تتكلّم إلا الغياب بلغة سوريالية أو قريبة منها، بدون أن يقعد بالأنا الشعرية عن طلب الخلاص، كما لدى لبنى المانوزي وفاطمة موادي ووفاء الحمري ونعيمة فنو.عدا الأسماء التي ذكرت، هناك عشرات الشواعر بين شاعرة ملتزمة ربطت شعرها بتحرير معنى هويتّها كأنا جمعية، أو موهوبة تشقّ طريقها بصمت، أو متلفّعة بلباس فضفاض لم تعثر بعد على أسلوبها الخاص، أو متردّدة بين جنسي السرد والشعر إذ لا موطئ لقلمها في أحدهما بقوّة. من أنا الكتابة ضدّ السلطة إلى كتابة الذاكرة، مروراً بالكتابة الإشراقية وكتابة الجسد والأسطقسات الأربع، لم تذّخر شواعر المغرب جهداً لتوطين متخيّلاتٍ كتابيّة مشبعة أنوثةً في رؤيتها إلى العالم، عابرة لأكثر من بناء نصّي، غنائي ودرامي؛ ووعيٍ شعريٍّ، صوفي وجسداني وسوريالي. من الآن فصاعداً، لن تكون هشاشة الأنثى، بما هي قدرها الأنطولوجي، إلّا قوّة استبصارية تُطْلق الذوات والتوضُّعات والمصائر من عقالها، في الكتابة وعبرها.*شاعر وناقد مغربيqadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية