تتخذ رواية “في الصيف والخريف فقط” لكاتبها الأكاديمي المغربي محمود عبد الغني، من “فضاءات” طنجة مسرحا لها، والفضاءات هنا ليست محض أجواء وأصداء وغلافا واسعا وخارجيا، بل تتعلق ببيوت وشوارع ومقاه ٍومطاعم وحانات، كما تتصل بأبطالها وليام بوروز، محمد شكري، بول بولز، محمد المرابط وتنيسي وليامز، صمويل بيكيت، جان جينيه وآخرين. أما المسرح الزمني فيمتد وإن بغير وضوح في الرواية بين عامي 1953 تاريخ وصول بوروغ إلى طنجة بالباخرة قادما من ايطاليا، وتاريخ 1973 الذي اجتمع فيه وليامز ببقية الأصدقاء المغاربة والغربيين. والرواية بذلك هي رواية مكان بقدر ما هي رواية أشخاص حقيقيين، رحل غالبيتهم وبقي بينهم المرابط شاهدا، لكن حضوره في الرواية جانبي وثانوي رغم تميز شخصيته، فهو مؤلف كتاب حكايات، وراو للحكايات، يجيد ثلاث لغات شفويا وسماعا، وفي الوقت نفسه لا يقرأ ولا يكتب.

ينجح المؤلف في نقل أبطاله من عالم الواقع بصفتهم أشخاصا حقيقيين، إلى العالم الفني التخييلي بجعلهم أبطالا لرواية قصيرة (143 صفحة) لكنها مكثفة، وغنية بالومضات النفاذة والعميقة. ولئن استندت الرواية إلى وقائع فعلية تتعلق بوجود أدباء غربيين واقامتهم في طنجة، وبصداقة نشأت بينهم، إلا ان مؤلف الرواية لم ينغمس في التوثيق أو تقصي يوميات أو رسائل، بل عمل على شحن هذا الإطار العام بعدد كبير من الحكايات والوقائع والحوارات والاستيهامات، التي يمتزج فيها ما هو حقيقي واقعي بما هو متخيل و”مصنوع”، وكل ذلك جاء مبنيا على سبر المؤلف لعالم شخصياته ومكوناتها النفسية والذهنية والثقافية وطبيعة العلاقات التي نشأت بينها، وانعكاس الانوجاد في المكان المؤقت (باستثناء جون بولز وزوجته الكاتبة جين اللذان اختارا طنجة دار اقامة لهما) على هذه الشخصيات، وكذلك الأفكار المسبقة وتلك اللاحقة عن المدينة وأهلها ونمط العيش فيها.
وقد كتب المؤلف روايته في فصول تحمل أسماء الأبطال، راسما صورة (بورتريه قلمي) لهؤلاء بغير تتابع في خط الحكايات، وأحيانا بقطع سياق فصل ما، لمباشرة الحديث أو استئنافه عن شخصية أخرى.
وتعتمد الرواية على تقنية أقرب إلى طريقة الكولاج (السردي هنا)، في رصف الوقائع والحكايات المتسقة حينا والمتناثرة حينا آخر، بدون خيط سردي متنام وممتد بالضرورة، إذ يسهل الانتقال في الحديث عن شخص إلى آخر، وذلك ضمن إطار يقوم على الحكي المتدفق والمرسل مع ضوابط خفية، ومع التوجه إلى القارئين مباشرة. فالمؤلف يحكي بعضا من سيرة هؤلاء في محطة مهمة من حياتهم، وفي المدينة التي أحبوها وقادهم الشغف إليها، كشاهد عيان مفترض، ولا يقوم بتوثيق أحداث ومجريات. أجل، لقد اعتمد المؤلف سمت الحكاء “العائد من تجربة كان شاهدا عليها”، وجاء ليخبر السامعين (القارئين) بأطراف منها. وهي تجربة ذهنية وتخييلية، وجاءت على قدر كبير من الامتاع، وسمحت للحكاء التنقل أحيانا من شخص إلى آخر ومن واقعة إلى أخرى نظيرة لها أو من باب التداعي المحض، وحسبما تسعف “الذاكرة” الحكاء، الذي لا يكتفي برصد الوقائع وتقصي التفاصيل (حيث تلعب المخيلة هنا دورا بارزا)، بل يذهب أبعد من ذلك في تحليل الشخصيات والتعليق المقتضب واللماح على حركات هؤلاء وسكناتهم، وعلى تفحص دوافعهم وأهدافهم، وذلك في علاقاتهم التي يكتنفها الاحترام والمودة، كما يعتريها الاحتراس والاضطراب، وحيث تسعى هذه الشخصيات للتحرر من مراقبة أحدها للآخر. لكن المؤلف “يراقب” هؤلاء معا متسلحا بأكبر قدر من الحياد الموضوعي الذي يستبطن اعجابا بهم وإقرارا بغرابة أطوار بعضهم في بعض الحالات والمواقف، ومن هؤلاء الأمريكي بوروغ (يرد أحيانا في الكتاب: بوروز) المتشرد (يفرد له الفصل الأول من الكتاب، وهو فصل شيق يتناول حياة الكاتب في السفينة التي أقلته من ايطاليا، وتعرفه إلى نادلة صينية في مشرب السفينة، حيث قدّم نفسه لها رداً على سؤال منها بأنه كاتب صيني! ولما استغربت ذلك فقد عمل على مط المنطقة المحيطة بعينيه، للتدليل على أنه يسهل عليه تحويل عينيه إلى عينيْ أحد أبناء الصين)، ومحمد شكري وجون بولز. ومن المفارقات أن شخصية جان جينيه (جان جوني كما في الكتاب) تبدو على قدر كبير من الاتساق والتهذيب ومراعاة الآخرين واحترامهم، خلافا لصورته هو عن نفسه، بأن شخصيته مرتبطة بكل ما هو سيئ! بينما يبدو تنيسي وليامز شخصا غامضا يبحث في الأزقة عما يفتنه في ليالي المدينة، من دون ان يتخلى عن طبائع حميدة أخرى مثل الكرم والمرح.
ظهرت “في الصيف والخريف فقط ” ككتاب روائي مستقل، مع إشارة في أسفل صفحة الغلاف تفيد: “معجم طنجة 2”. والكتاب الأول، الذي صدر في العام الماضي 2018، يحكي بعضا من السيرة المتخيلة لهؤلاء الذين ورد ذكرهم من أدباء، وينتهي بمرض جين بولز زوجة جون بولز، ثم موتها. وتبدو علاقاتها بالزوج ممزوجة بالتفاهم والوداد وتعاون الشريكين، مع انصراف الزوج إلى شؤونه الخاصة واستغراقه فيها، ومنها ولعه وجمعه لألحان وأغان في مناطق نائية من المغرب، وأحيانا على حساب الاهتمام بزوجته المريضة.
في الكتاب الثاني، الذي نحن بصدده، يدور هذا الحوار بين بيكيت وزوجته سوزان:
ـ هل ستبقى في حياتك مفاجآت سعيدة بعد موتي؟
أجابها وهو يضمّها إلى صدره:
ــ إذا رحلت في تموز/يوليو سألحق بك في كانون الأول/ديسمبر من السنة نفسها.
ــ ولماذا تنتظر حتى شهر كانون الأول/ديسمبر؟
ـ لأنه شهر الاستمرار، ينتهي ليبدأ زمن جديد.
ــ أستغرب كيف أن بولز يحُدّث الناس عن مفاجآت سعيدة، ولم يمض على رحيل زوجته جين أكثر من شهرين (ص 73 ـ 74).
والكتابان هما على نسق الروايات القابلة للقراءة متسلسلة كأجزاء، أو قراءة كل منها ككتاب مستقل قائم بذاته. وقد حدث أن قرأ كاتب هذه الكلمات وبغير تقصّد الكتاب الثاني قبل الأول، من دون أن يغير ذلك في الأمر شيئا من المتعة، أو الوقوف على ماهية الكتابين المتصلين في الشخوص الرئيسية وفي الفضاءات، المتعلقة بطنجة أساسا كما بإيماءات تتصل بقلب المغرب وأقاصيه.
ومن المعلوم أن سيرة أدباء الغرب الذين مروا بطنجة أو أقاموا فيها ونسج كثير منهم علاقات مع محمد شكري، استأثرت باهتمام كثيرين. ولشكري نفسه كتاب عن صديقه وخصيمه بول بولز، بعنوان “بول بولز وعزلة طنجة”. وفي “معجم طنجة” بجزأيه إضاءة على تلك الصداقة، وتأملات في شخصية شكري العصية على التحليل والتوقعات، مع الإمساك بملامح أو مفاتيح محددة لها، ومنها كراهيته لكتابه “الخبز الحافي” والانتقال من ذلك للحديث عن أدباء كرهوا مؤلفات لهم (في حالة شكري المقصود بالكراهية هي صيرورة الكتاب عائقا أمام تجاوزه لكتاب آخر). ويسترعي الانتباه أن “اصطدام” المؤلف بشخصية شكري على صعيد التحليل، قد أدت إلى إرباك طفيف في السياق (ص 46 و47)، حيث تجرد السارد من دوره الخارجي وهبط فجأة من عليائه وبرانيته، إلى معمعة السرد كأحد شخوص الرواية:
“حين أقوم بمراجعة ما جرى، أجد أن إمكانياتي محدودة جدا أمام هذه الشخصية المزدوجة، فلا هي من الواقع بشكل كامل، ولا هي من الورق بشكل كامل. أظن بل أنا متأكد أنه يفعل كل شيء بشكل مقصود، حتى لا أذهب بالسرد إلى الوجهة التي أريد. لم يعد حتى يطرح الأسئلة أمام الأشياء الغامضة، بل أصبح يرغمها على أن تصبح واضحة، وحتى إن طرح الأسئلة فإني لم أعد أسمع إجاباته عن تلك الأسئلة، بل يختزن إجاباته لنفسه”.
محمود عبد الغني: “في الصيف والخريف فقط”
المتوسط، ميلانو 2019
143صفحة.