هناك من يقترح علينا تبديل الأسماء التي نعرفها؟
ربما كان الأكثر دلالة على حال الأدب والكتابة هو تلك المشاريع الإبداعية المقدّمة لنيل الدعم من أحد أكبر المؤسسات المعنية بهذا الشأن (مؤسسة آفاق). ليس فقط بالنظر إلى أعداد المتقدّمين، بل لسعة النطاق الجغرافي الذي ينتشر فيه هؤلاء، حيث لم تشذّ دولة عربية واحدة عن أن يكون كتّابها وفنانوها من بين الراغبين في الحصول على ذلك الدعم. ولنزد على هذا الاتساع البلدانَ الجديدة التي انتقل إليها المهاجرون العرب وأقاموا فيها. وهؤلاء كثيرون كما نعلم أصلا، وكما يفصح عن ذلك السطرُ الذي يُسأل فيه المتقدم عن اسم بلده فيقول، مثلا، إنه من سوريا، لكن مكان إقامته هو فرنسا أو ألمانيا. بدا كما لو أن من النادر أن يقول أحدهم إنه مقيم في البلد الذي ولد ونشأ فيه، خصوصا في تلك البلدان التي شهدت حروبا وثورات، وهذا ما يجعل قارئ تلك الطلبات المقدّمة، فيما هو يقرأها طلبا إثر آخر، يفكّر أن النتاج الأدبي والفني العربي انتقل من حيث كان إلى أمكنة بديلة أخرى. ولم تعد الحاجة ماسّة لإبقاء صلة المهاجرين قائمة مع البلدان العربية لترويج أو لنشر ما يكتب هناك، في بلدان الغرب. كاتب الرواية لم يعد ينتظر أن يأتيه جواب الموافقة، أو الرفض من بيروت، أو من بلده الأصلي الذي نشطت فيه حركة النشر في السنوات التي سبقت نزوحه، فهناك في أوروبا أقيمت دور نشر عربية كثيرة. أما الأعمال المسرحية فصارت تقدّم وتُعرض هناك أولا، وكذلك الأفلام السينمائية والأعمال التصويرية الأخرى، وهناك أيضا ذاك التلاقي بين فنانين عرب وغربيين، واشتراكهم معا في أعمال تقدّم بعضها لنيل الدعم المذكور عنه أعلاه.
ودائما، تبعا للطلبات المقدّمَة، نقرأ أن ما يكتب أو يُصوّر في ألمانيا أو فرنسا أو في أيّ من بلدان اللجوء الأخرى، ليس معزولا عن لغات تلك البلدان وثقافاتها. فهناك أعمال فنية كثيرة كتبها مهاجرون عرب لتترجم فور صدورها، بل وفي حالات لم تزل أوّلية، نقرأ عن أعمال كتبت بتداخل لغتين معا. أما موضوعات تلك الكتابة فسريعة التأثر بما يدور في الفلك الثقافي لتلك البلدان. من ذلك مثلا توسعة مجال الكتابة عن المرأة، وكذلك اتساع عدد المشارِكات النساء في تقديم مشاريعهن. ومن ذلك أيضا ما تتضمنه عناوين الموضوعات من ثيمات كان التطرق إليها سيتأخر كثيرا لو بقي الكتّاب والفنانون العرب ماكثين في بلدانهم. أذكر من ذلك ما احتوته لائحة الموضوعات من تناول للمثلية الجنسية، سواء صيغت بطريقة الرواية، أو السيرة، أو حتى اليوميات. كما يلمس قارئ المشاريع المقدّمة، كيف أن التصنيف الشائع لأنواع الكتابة، بين شعر ورواية وقصة ونصّ مسرحي إلخ، اختلف عما كانه، لم تعد هذه الأنواع حبيسة تعريفاتها السابقة، صارت الكتابة أكثر حرية في تنقلها بين تلك الأنواع، وصارت تمزج النص الأدبي مع الرسم والتصوير الفوتوغرافي. كما بات النص الشعري يُكتب ليؤدّى وليس ليُلقى كما كان الحال في السابق، أو صار يُمثّل على الخشبة. الجديد إذن مع تجارب ذاك الانتقال هو تداخل الفنون وامتزاجها، وكذلك تأثّرها بالتكنولوجيا الحديثة، هكذا كأن الأدب لم يعد قادرا على البقاء كما هو، بتصنيفاته السابقة ذاتها، فيما العالم من حوله دائم التغيّر. في تلك اللائحة التي يزيد عدد المتقدمين فيها على المئة، كان عدد أولئك الذين ما زالوا يكتبون ملتزمين التصنيفات القديمة، قليلا، بل راح المتمعّن في تلك المشاركات يميل إلى الظن أن ما تحمله التسميات الصرفة، الشعر الصرف مثلا، أو القصة الصرف، ليس أصحابها فقط من الباقين في أمكنة نشأتهم (بلدانهم الأصلية) بل من أطرافها.
ذلك التحوّل، المفاجئ والكثير، له وقع الصدمة، كأنه حدث سريعا بتواثب تخطّى ما كان ينتظره أولئك الذين لم ينكروا ماذا سيأتي به الزمن الجديد. هؤلاء ما زالوا متأثرين بمفاجأة أن يلقي شعراء جدد قصائدهم مقروءةً على شاشات هواتفهم النقّالة. كان ذلك كاسرا لصورة الشعر والشاعر، رغم ما يبدو لنا الآن من فوات الوقت عليه وقلّة شأنه. يبدو الحال كما لو أن الأدب العربي والفنون العربية باتت تصنع جديدها هناك، وعلى نطاق أوسع بكثير مما بلغته هجرات سابقة. ذلك يعود إلى أسباب كثيرة في طليعتها أننا لم نعد إزاء هجرات أفراد أو مجموعات صغيرة، بل هي هجرة عارمة من شأنها أن تقيم فصلا سريعا ومتباعدا، بين ما كنا نعرفّ به أنواع فنوننا، وما صارت إليه الآن.
روائي لبناني