في الطريق إلى سورية

حجم الخط
0

د. شهلا العجيلي’في هذا البلد، لايوجد لاحقائق، ولا أكاذيب، لا يوجد سوى روايات’بيير لامازييريربض المستقبل في واحدة من زوايا التاريخ، تلك مقولة قد تبدو طفوليّة، أو نسقيّة اندحرت، وقد ينكرها بعضهم، لكنّها تبقى في فكر ما بعد الكولونياليّة مقولة رئيسة، تقفز إلى السطح كلّما قرأ المرء في أدب الرحلة، أو في مذكّرات المستعمر، أو حتّى في روايات المستعمرات.

تشبه الطرق في سورية اليوم، الطرقَ التي مشى الناس فيها بعد (سايكس- بيكو): حرب، ومقاومة، ووصايات دوليّة، وجماعات مسلّحة، وحركات عنف، ودمار، وخوف، وقتل، تلك الطرق التي يحكي عنها بيير لامازيير في كتابه ‘مسافر إلى سورية’، والذي ترجمته عن الفرنسيّة الدكتورة فوزية الزوباري، وقدّم له الروائي خيري الذهبي، ونشر عن دار المدى عام 2009. يروي لامازيير حكاية النزاع على سورية، بين فرنسة والثائرين عليها، والعملاء الذين يصطفّون معها، والإنكليز الذين يحرّضون ضدّها، فيموّلون بعض الجماعات لإثارة العنف والاضطرابات، بحيث لايمكن، إلاّ للعارف، التيقّن من مرجعيّة أيّ حدث يمكن أن يحدث، تماماً كما هو الأمر اليوم، فـ’في هذا البلد، لايوجد لاحقائق، ولا أكاذيب، لا يوجد سوى روايات’. ص59تبدأ حكاية النزاع تلك منذ دخول غورو حتّى عام 1926، وتُروى من وجهة نظر استعماريّة، ترى في كلّ حركة ثوريّة ضدّ فرنسا، فوضى وإرهاباً، كأن تكون جماعة سلطان باشا الأطرش، كما يرى، مجموعة من المرتزقة، ذلك أنّهم يقفون ضدّ مصالح فرنسا. لكنّه يعترف وبالصورة الموضوعيّة التي يحبّ المستعمر أن يظهر بها أحياناً، قائلاً: ‘كان يعدّ هؤلاء الرجال أبطالاً أو خونة، حسب الفريق الذي كان ينتمي إليه المرء’. ص77. يقرّ لامازيير، استكمالاً لتلك الموضوعيّة بأخطاء الانتداب، الذي أصرّ موظفوه، وعساكره، وقوّاده أن يكون استعماراً، لا وصاية، ممّا أفقد فرنسا نفوذها في سورية، لأنّ موظّفي فرنسا لم يدركوا كنه السوريّين، لم يعرفوا طبيعتهم: ‘لم يأبهوا بالطقوس والأعراف المحليّة، وبخصوصيّة كلّ مجموعة سكّانيّة، وبالحساسيّة الفرديّة أو الجمعيّة، متجاهلين أنّ سورية هي بلد قديم جدّاً، ذو ثقافة عميقة جدّاً، لقد تصرّفوا، كما كانوا يتصرّفون مع عبيد تقريباً’ ص155. لعلّ أكثر ما يلفت في رواية لامازيير هو إعادة إنتاج الموتيفات الرئيسة للفكرة الاستعماريّة، والتي ظهرت بعد سايكس-بيكو، وعادت في ما نعيشه اليوم، رغم مرور ما يقارب تسعين عاماً، إذ تتشابه الأحداث الرئيسة، وتحضر فيها شخصيّات تقوم بالأدوار ذاتها، فهناك من يقاوم، وهناك من يدعم، ومن يموّل، ومن يستضيف… ولعلّ أجمل الصور في تلك المدوّنة هي صورة عملاء فرنسة من العرب وهم في حضرة مندوب الاستعمار، إنّنا نراهم اليوم، وربّما اختلف لباس بعض منهم فحسب: ‘مجموعة من الزعماء العرب الرائعين، المعتمرين الكوفيّة الحريريّة المزخرفة المثبتة على الهامة… ويرسمون بأيديهم الملوّحة في الفضاء التحيّة الشرقيّة: أحمل في قلبي، وعلى شفتي وعلى جبهتي، غبار حذائك.’. ص69تمثل بين الأمس واليوم حالات استاتيكيّة نراها في كلّ مرحلة من المراحل التي عنوانها إرهاب الأفراد للدولة، والتي لا شكّ في أنّها أخطر بكثير من إرهاب الدولة للأفراد، لكنّ المجتمعات لاتدرك ذلك إلاّ بعد فوات الأوان، من تلك الحالات الاستاتيكيّة حالة العنف في النزاعات المسلّحة، التي يصفها صاحب الكتاب بقوله: إنّ ‘العنف بكافّة أنواعه يصبح بطولة في الحرب’. ص136لاتتغيّر الخصائص الأنثروولوجيّة الثقافيّة للمجموعات البشريّة، وغالباً ما تبقى ردود فعلها ثابتة، تجاه الآخر، أيّاً كان ذلك الآخر سواء أتمثّل بسياسة استعماريّة تجاهها، أم أراد النيل من أمنها واستقرارها لمصلحته، ويفصح الكاتب عن ذلك عبر رؤيته لكلٍّ من حلب ودمشق: ‘حلب، حلب الحقيقيّة، حلب المسلمة، القاسية، والعصيّة على الفهم، والممتدّة بين القلعة والصحراء، لا تسلّم سرّها… الوجهة يجب أن تكون إلى دمشق، إذا ما أُريد حقّاً التعمّق في الروح السوريّة، ومتابعة خفقانها.’ ص143لعلّ أكثر ما يمتع في تصفّح المدوّنة الاستعماريّة هو الأوراق التي تعرّي الذات مثلما تعرّي الآخر، والتي تتسم بها مدوّنة بيير لامازيير في كثير من صفحاتها، من ذلك قوله في بيروت: ‘وبيروت الجامعة لأجناس متعدّدة ومختلفة، بيروت الفاسدة، مشغولة بالمنافع الماديّة وحدها، مشغولة بالكسب، وهي تمارس بمهارة تامّة قول الكلام الذي يرغب السامعون في سماعه، وأيّاً كانوا.’ ص143. نجد، عطفاً على رؤيته للبنانيين، أنّه منذ ذلك الحين إلى اليوم، لم يدرك اللبنانيّون، خلا العسكريين منهم، أنّ سورية هي العمق الاستراتيجيّ للبنان، ومازال (جانوس بكركي الجليل في أوهامه الضائعة)ص53، ويمكن أن يتحوّل غبطة البطرك اليوم، رمزاً لكلّ فريق في لبنان يؤازر الرغبات في سورية، للانفراد بإقطاعيّة خاصّة، أو دويلة، لأقليّة أو أكثريّة، تعزل الداخل السوريّ عن البحر أو عن الجبل، لكنّه حينئذ سيصطدم بإرادة السوريين، كما فعل أهل حلب حينما فاجأوا (ريكلو) الذي أراد أن يصبح ملكاً عليها، وجمع تواقيع لذلك، عرضها أمام المندوب السامي، فطلع الحلبيّون عليه بوثيقة يرفضون فيها الانفصال عن دمشق، ويرفضون الاستقلال الذاتيّ، من أجل طموحات شاذّة لصعاليك العسكر، أومغامرات لأفّاقي السياسة. دوّن لامازيير كثيراً من السياسات الفرنسيّة الخاطئة تجاه السوريين، إنّها أخطاء غورو، التي كانت سبباً في خسارة فرنسة لنفوذها في الشرق الأوسط، تلك التجارب التي جعلت الفكر الاستعماريّ يطوّر ذاته بتجنّبها، وهذا ما نشهده اليوم، بانفتاح المستعمرين الجدد على الأكثريّة، بدلاً من تقوقعهم على الأقليّة: ‘قد مارسنا سياسة محاباة الأقليّة، فحملت إلينا الثورة والحرب. فلننفتح أمام سياسة الأكثريّة، السياسة الإسلاميّة. بهذا الثمن، وبهذا الثمن فقط، نعيد بناء السلام، ونستعيد في الوقت نفسه نفوذنا الضائع’. ص175يمرّ لامازيير بالحوادث التي تنشط في مثل هذه المراحل كافّة، من الأعمال غير المشروعة في ارتكاب المجازر، وتجارة السلاح، إلى تنامي بيوت الدعارة، وعلاقة ذلك كلّه بالوطن والمواطن، وبالعسكر والثوّار، مثلما يحدث في معظم الحروب والنزاعات. يندحر في النهاية الطامعون والمتآمرون، وسيقول كلّ من يغمس يديه في الدم السوريّ، ما قاله أحد الوزراء الفرنسيين آنذاك: ‘آه! لو نستطيع الانسحاب من سورية خفية، وعلى أصابع أقدامنا، دون أن يدري أحد بذلك.’ص174. بل سيزيد على ذلك قول لامازيير ذاته في نهاية مدوّنته: ‘لقد أرقنا ما يكفي من دمائنا، صرفنا ما يكفي من المليارات في هذه المغامرة، فلنترك السوريين واللبنانيين لمصيرهم، على الأقل، لأولئك الذين يرون أن يضطلعوا بمهمّة وصايتهم، ولنعد إلى بلدنا.’ ص181. ونحن ليس لدينا ما نقوله في هذا المقام التاريخيّ، ما بعد الكولونياليّ، أكثر من قولنا: ما أشبه الليلة بالبارحة!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية