‘في الطريق إليهم’ لجعفر العقيلي: رواية الأصوات

حجم الخط
0

حكمت النوايسة يأتي كتاب ‘في الطريق إليهم’ ( دار ‘ورد’ للنشر والتوزيع، بدعم من وزارة الثقافة الأردنية 2010)، ضمن النشاط الدؤوب، والحراك الثقافي الصحافي للقاص جعفر العقيلي على مدى أكثر من عشر سنوات، إذ يجمع فيه مختارات من الحوارات التي أجراها مع كتّاب ومفكرين ومثقفين لهم مكانتهم، ولهم أفكارهم التي ربما لا نجدها في كتبهم، لسبب أو آخر، ومن هنا تأتي الأهمية الاستثنائية لمثل هذه الحوارات.

العنصر الثاني الذي يجعل هذا الكتاب قميناً بالقراءة، خاصٌّ بالمحاوِر، جعفر العقيلي، فمتصفّح الكتاب يدرك منذ صفحاته الأولى أنه أمام عمل جادّ؛ ذلك أن المحاوِر كان يذهب إلى عمله مستعدّاً، محدّداً ما يريد من المحاوَر، ولا يترك أسئلته تأتي من ‘فيض الخاطر’ كما هو غالب في الحوارات الصحافية، وإنما كان يبنيها من خلال الاطلاع على إنتاج من سيحاوره واهتماماته. فهو عندما يحاور ( المرحوم) أنور الزعبي في موضوع خارج اهتماماته، يعدّ العدّة بقراءة أعماله، في تنوعها، وفي الخيط الذي ينظمها، ومن هنا يتأتى له أن ينشئ حواراً سلساً، في موضوع شائك، يطلعنا به على آراء لا نجدها في الكتب، إذ ليست كل أفكار الكاتب والمفكر موجودة في كتبه، ولنا أن ننظر في ذلك من خلال حواره مع ( المرحوم) خليل السواحري، حيث نقف على مفاصل مهمة في تجربته، وشهادة مفيدة عن جيل المؤسسين في القصّة، في فلسطين والأردن، وهي مفاصل تكتمل عندما نقرأ حواره مع القاص محمود الريماوي الذي شقّ طريقه في الكتابة القصصية بصمت، أنطقه الحوار معه فقرأنا جوانب معرفية لها أهميتها في فهم قصص الريماوي، ومعاركة أجوائها الهادئة. وعندما نقرأ حواره مع القاص سعود قبيلات، نقف على الأهمية الاستثنائية لهذا الحوار، مع قاص صامت، قليلاً ما يتحدث عن قصصه، وهي قصص مثيرة في تجديدها، وطاقتها الاختزالية.

وعندما نقرأ حواره مع الروائي والقاص عدي مدانات، نطّلع، عن كثب، على تجربته الإبداعية وظلالها في حياته، وأهمية الحوار هنا أنّه يؤسس لقراءة هذا الكاتب المهم الذي لم يحظَ بما يستحقه من نقد، وإن كان قراؤه كثيرين، كما يضيء لنا الحوار معه جوانب من حياة تيسير سبول الإشكالية، وهو الصديق الذي ظلّ مقرّباً من مدانات حتر حيله العام 1973. في هذا الكتاب حوار مع فايز محمود، المثقف القريب حد الظلم في المعرفة السطحية له، والبعيد حدّ الجهل في التناول الحقيقي لأعماله… إن العقيلي هنا ينْصف فايز محمود المثقف الموسوعي، صاحب القلق الإنساني الفريد، بأن يقدّمه بما يستحق من تقديم، ويثير القارئ إلى أسئلة مهمّة عن إنتاجه الفكري والإبداعي.

وفي حواره مع الشاعر والناقد والمثقف عزالدين المناصرة، ينشر العقيلي أمام الناس آراءه في قضايا مهمّة في الثقافة العربية، كانت مفاتيح لمعارك خاضها، وجدل أوجده، ونمائم كثيرة قال بها كثيرون من دون أن يحمّلوها حقها المعرفي الجدلي الذي ينشده المناصرة، والحوار صريح ذاهب إلى كشف الستار عن تقوّلات لم ترتَقِ إلى المثاقفة المفيدة كما يريد المناصرة.

وربما كان اختيار العقيلي لنشر الحوار مع الشاعر والأكاديمي عبدالرحيم مراشدة موفَّقاً؛ ذلك أنّه يضيء شيئاً من هواجس الكتابة الجديدة التي تحاول أن تبني أسسها في الغيوم، وتتكئ على إرث معرفي قد يسندها أو لا يسندها في تأسيس شرعيتها الأرضية.

وإذ يحاور العقيلي في هذا الكتاب الشاعرة والباحثة والناقدة سلمى الخضراء الجيوسي، فإنه يوصل إلينا شيئاً من معركة التعريف بالأدب العربي والمقاومة التي واجهتها في الغرب في مسيرتها البنّاءة، وأسرار التطوّر السريع في الشعر العربي الحديث والمعاصر، ومشاغل هذا الشعر كما تبدو عند مبدعة ناقدة، باحثة، وقفت حياتها على التعريف بهذا الشعر، في العالم، والتأريخ له بجهد مؤسسي خطير، لا نعدم معه أن نتعرّف شيئاً مهماً من حياتها وانشغالاتها التي لا نعرفها.

وفي حواره مع الناقد العربي شكري عزيز الماضي، نقف على أسرار أخرى لم يَقُلها هذا الناقد المهم في كتبه، ونقف على آراء يمكن أن تشكل بواعث حقيقية لدى الشبان الذاهبين في هذا الإطار يأخذون بها، ويبدأون مسيرتهم ( على بيّنة)، فتجربة الماضي، تأتي أهميتها في سعة اطلاعه، وجديّة انشغاله، وأصالتها.

ومع الروائية ليلى الأطرش، نقلّب صفحات من مرجعية الكتابة الروائية عندها، وانشغالاتها ‘الجندرية’ و’ النسوية’ الصريحة التي تتأسس على البحث في الواقع النسوي العربي، وتقدّم آراء بحاجة إلى قراءة ومناقشة، فضلاً عن كشفها عن أسرار العالم الروائي عندها.

وعندما يحاور العالِمَ والباحثَ الكبير ناصر الدين الأسد، فإنه يطلعنا على أشياء قريبة، وحيوية، في تجربته الريادية، في الوقت الذي يقدّم لنا فيه، ربما من دون أن يدري، إشارة مهمّة إلى تواضع العلماء، نلمسها في التعادل الكمّي بين السؤال والجواب، في المادة، وصراحة العلماء في كثير من الآراء التي نقرأها حول النتاج الثقافي العربي في عقوده الأخيرة.

وعندما يحاور الشاعرَ محمود فضيل التل، يذهب إلى ما لم يتوقعه الشاعر من أسئلة، تتناول رومانسية تجربته، ومكانتها في الواقع الشعري، وهدوءها في عالم شعري تعصف به القفزات الخرافية في عالم الحداثة.

أسئلة كثيرة يثيرها وينبش بها وعي الكتابة عند الروائي هاشم غرايبة، نقف من خلالها على كثير من الأجوبة التي نحتاجها ونحن نقرأ هاشم الروائي، مدجّجين بالصورة التي نحملها عن هاشم السياسي والمناضل، وإدارة السؤال بذكاء جعل من الحوار مفاتيح مهمّة لقراءة جوانب حيوية عند غرايبة.

أما عندما يحاور هند أبو الشعر، القاصة والأستاذة الجامعية، فإن للحوار نكهة التنقل بين أفقين من مشاغلها، والتجسير بينهما بمقولاتها التي ربما تفسّر بها المنطقة الوسطى بين البحث التاريخي والكتابة الإبداعية، في حوار مطوّل لا بدّ أن يستفيد منه من يقرأ هند أبو الشعر المبدعة.

وأما في حواره مع القاص يوسف ضمرة، فإنه يعرّفنا بالأفق النقدي عنده، ويخرج من عالم القصة إلى عالم النقد، الذي يشغل ضمرة، وإن كان غير مشتهر به لأسباب تتعلق بعدم نشره ما يكتبه في متابعاته النقدية في كتاب، لكن الحوار يضيء شيئاً من تلك الذائقة النقدية التي يتمتع بها، فضلاً عن إسهامه في إضاءة جوانب من العوالم القصصية والروائية عند ضمرة.

وإذ يغلب أن يفاجئ جعفر ضيفه برأيٍ قاله، أو مقولةٍ كتبها ذات بداية، أو معركة، وقد يكون نسيها، فإنه بذلك يؤسس لنوع من الحوار الصريح، المفيد، متكئاً فيه على جديّته في العمل، واحترامه لمحاوره، فضلاً عن إيمانه بأهميّة الحوار، وفائدته المرجوة.

هذا الكتاب إضافة مهمّة في قراءة الأدب من هناك، من عالم المرجع، والخارج، يُبقي المؤلف حيّاً، يأكل الخبز، ويجالس نصّه كثيراً، ويذكّرنا بالمحاورات المهمة في التجربة الإنسانية، التي اتكأ عليها الباحثون في ما بعد، وأبدوا كثيراً من الأنظار المهمّة التي أضاءت الحراك الفكري والثقافي الإنساني.

ولنا أن نقرأ هذا الكتاب قراءتنا روايةَ الأصوات، لكنّها رواية المرجع هذه المرة، أكثر من كونها رواية العمل الفني، وربّما من هنا تأتي المتعة الحقيقية لمطالعة الكتاب.

وبعد، فليس للمرء إلا أن يبدي إعجابه، ويقدّم شكره على ما أضاف العقيلي إلى معرفته، وقرّب إليه مفكرين وكتّاباً يحبهم ويحترمهم، لهم بصماتهم المهمّة في الزمن الثقافي الذي نعيش فيه.

كاتب وشاعر من الأردن[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية