في العراق الآن: جميع الفصائل تتهرب من الرئاسة ومستقبل الحكومة يتأرجح بين التيار الصدري والتوافق
سمير عبيدفي العراق الآن: جميع الفصائل تتهرب من الرئاسة ومستقبل الحكومة يتأرجح بين التيار الصدري والتوافق إن خير جواب عن الحالة العراقية في هذه الأيام هو (ضباب وشجار ودسائس وأجواء مريضة)، وإن من أوصل الأمر الي هذه الحالة التي جعلت العراق مثالا سيئا في الأداء السياسي والحكومي هي الوزارات الأمنية التي أديرت من قبل الأشخاص الذين فضلوا أحزابهم وطوائفهم ومناطقهم وقبائلهم علي المصلحة الوطنية العليا والشعبية العامة، وحدث هذا التردي والسوء منذ فترة مجلس الحكم ولحد الآن، حيث عمل هؤلاء الأشخاص لطوائفهم وقبائلهم وأحزابهم فقط، فسادت الفوضي والفساد، وانتشرت الجريمة المنظمة في العراق، ولهذا زاد الشجار والعناد في الغرف المغلقة هذه الأيام، وكثرت ولائم ترطيب الأفواه والألسن، تلك الولائم التي أصبحت تُنقل عبر وسائل الإعلام، والتي ليس لها علاقة بالواقع المرير الذي يعيشه المواطن العراقي، وتذكرنا بطوابق (كيكة) ميلاد صدام حسين وعظمتها مقابل الشعب العراقي الذي كان تحت الحصار والضيم، ولقد علّق علي تلك الولائم أحد كبار الساسة العراقيين أخيرا وقال (إنها ديموقراطية القوزي) والقوزي هو المولود الصغير لأنثي الأغنام والذي عادة يُذبح ويُطبخ ليكون علي موائد الكبار والأغنياء ــ ساعدك الله يا شعب العراق ــ .نعم انها ولائم قوزية، وتصريحات نارية، وديباجات وطلبات عجائبية من قبل البعض حول الإحتفاظ بتلك الوزارات وكأنها ملك صِرف جاء عن ورثة، وهذا لا يجوز حيث أن الإحتكار يناقض الديمقراطية التي يدعيها الرئيس بوش وأصدقاؤه في العراق، حيث أن المنطق العقلاني يقول (لا بد من إدارة تلك الوزارات من قبل ذوي الإختصاص، ومن الذين هم خارج تلك التركيبات الحزبية والمليشياتية) كي تعود الأمور الي نصابها الوطني الصحيح، ولهذا جاء تصريح السفير الامريكي في بغداد ــ خليل زاد ــ وبصيغة تحذيرية والي جميع الأطراف، والذي قال فيه (إن وزراء الداخلية والدفاع والمخابرات القومية ومستشار الأمن القومي يجب أن يكونوا أناسا بعيدين عن الطائفية ومقبولين علي نطاق واسع وغير مرتبطين بميليشيات وأن يعملوا من أجل العراقيين) وهو رد عنيف علي التصريحات التي خرجت عن الأئتلاف الموحد، والتي جاء فيها (إن وزارة الداخلية خط أحمر، ولدينا عشرة مرشحين لهذه الوزارة)، وهذا يدل علي شيء مهم جدا، وهو أن بعض أعضاء الائتلاف الموحد لا زالوا بمنطق واحد، وهذا يدل إما علي جهل سياسي، أو استخفاف بالآخرين، أو طريقة استفزاز مقصودة، لأن المنطق السياسي يحتّم علي السياسي الذي يتبوأ العملية السياسية العمل ضمن الأدوات التي تتوفر في كل مرحلة، وعليه أن يكون براغماتيا من أجل المضي في العملية السياسية الي مديات أوسع وأكبر، وإلا أصبح مغردا خارج الأسراب.وعودة علي كلام السفير الامريكي خليل زاد، فلقد أكد لنا مصدر عراقي مقرّب من السفارة الامريكية، ومن الإجتماعات المتتالية في المنطقة الخضراء، حيث قال (لقد تناقش السفير الامريكي مع أعضاء مهمين من قائمة الأئتلاف الموحد، ومن بعض الأطراف الأخري حول التخلي عن الوزارات الأمنية ولعدة مرات، ولم يحصل إلا علي التصعيد والتشبث والمزايدة، فلهذا اضطر السفير خليل زاد ليحسمها عبر المؤتمر الصحافي، كان يتكلم وفي جيبه قائمة أو رزمة من الشخصيات الوطنية والعسكرية، والتي أغلبها من خارج المجموعات الفائزة لتكون علي رأس تلك الوزارات لضمان حياديتها وعملها الوطني) ولقد أكد المصدر أيضا ان الامريكيين يريدون الخروج من العراق بأسرع ما يمكن، وأن الفوضي ستؤخرهم، ولهذا يريدون رجالا من ذوي الإختصاص في الوزارات الأمنية، والذين ليست لديهم عقدة التعامل مع الأمريكان.خرق دستوري قد يضاعف الأزمة!أما من الجهة الأخري فهناك اجتماعات تلو الإجتماعات في بغداد، ولكنها تراوح لحد الآن في المربع الأول، حيث هناك مزايدات وتصعيدات وابتزازات ومن جميع الأطراف، ولكن الجميع تقريبا متفقون ومنسجمون في عملية التخطيط الذي يقود العراق الي الخروج من الفشل الذي وقع فيه طيلة الفترات السابقة، لأن البديل الذي ينتظرهم في حالة تقاعس التخطيط أو تبخر التخطيط السليم هو الحرب الأهلية، أي لم يبق هناك حل وسط غير الحرب الأهلية في حالة فشل الأطراف في إيجاد صيغة توافقية للخروج من عنق الزجاجة.إن الضغط الشعبي يتضاعف علي جميع الأطراف، والإنفجار بات يدنو من لحظة الحقيقة أو نقطة الصفر، والجميع يعلم بهذا سواء كانوا من الامريكيين أو العراقيين الذين هم في العملية السياسية، ولولا اللعبة التي لعبها السفير الامريكي ــ خليل زاد ــ في عملية تكوين الكتل لكانت هناك سيناريوهات تقسيمية معقدة، وهناك عزل كامل للمنطقة الغربية (السنيّة)، ولكن الضغط لم ينته هنا بل هناك الضغط الدستوري، وهو انتهاء موعد إقرار (الجمعية الوطنية/ البرلمان) حيث سينتهي الموعد بعد 48 ساعة فقط حيث لحد الآن لم يُعرف موعد انعقاد الجمعية الوطنية أو البرلمان وهو أول الضغوطات والخروقات الدستورية، وهذا حتما سيولد صراعات واحتمالات جديدة، فلهذا سيكون الجميع مضطرين للوقوف أمام المسؤولية وإلا ستكون هناك مفاجآت ظهر طرفها من خلال التلويح بـ (ائتلاف جديد هو أكبر من الائتلاف الموحد) وهو نوع من المناورات السياسية، والتي ربما ستكون حقيقة لو استمر العناد من جانب الائتلاف الموحد وبعض الأطراف الأخري، خصوصا وأن الأمريكان يريدون الخروج بسرعة وبوجه أبيض، وربما سيضطرون الي دعم الائتلاف الآخر والمٌلوَح به، ولقد سهل الشعب العراقي المهمة علي الامريكيين وعلي الفرقاء السياسيين، حيث تنازل الشعب العراقي عن تعبيد الطرق والكهرباء والماء وعن معظم الخدمات مقابل توفير الأمن والأمان فقط.إنشطار الائتلاف الموحد!من يعتقد أن هناك خلافا شديدا بين الطالباني والجعفري فهو واهم ولم يلامس الحقيقة إلا القليل، وكذلك من يظن أن هناك خلافا شديدا بين السيد الجعفري والكتلة الكردية فهو لم يفك طلاسم اللعبة، خصوصا وأن الفقرة الخاصة بمدينة (كركوك) النفطية والتي تحمل الرقم ((58 من قانون إدارة الدولة العراقية الذي كتبه اليهودي ــ نوح فليدمان ــ والتي رُحلت الي الدستور ــ الفلتة ــ لم يقف بوجه تطبيقها السيد الجعفري، فهي طلب كردي بمباركة أمريكية، وبهذا هي فوق السيد الجعفري، وفوق الائتلاف الموحد، ولكن الخلاف والتحسس الكردي علي ــ التيار الصدري ــ في الائتلاف الموحد وعلي نفوذ السيد مقتدي الصدر الرافض للفيدرالية بوجود الإحتلال، والرافض لتنفيذ الفقرة (58) حيث يعتقد السيد مقتدي الصدر والتيار الصدري أن مدينة كركوك مفتوحة، ولجميع العراقيين وذات أكثرية وهوية تركمانية، وهذا لا يريد سماعه الأكراد.فالأكراد في حيرة من أمرهم، حيث أن السيد الجعفري لا يمكنه ترك التيار الصدري الذي أوصله للترشيح مرة أخري، وكذلك لا يمكنه ترك التيار الصدري لأنه ليس هناك جيش وراءه من المليشيات أي الجعفري، وكذلك ليس هناك جيش وراءه من القبائل العراقية، فـــــلو ترك التيار سيسقط سياسيا وربما للأبد أو يكون علي رأس مجموعة صغيرة، خصوصا وأن تيار حزب (الفضيلة) بزعامة د. نديم الجابري هو الآخر أقرب الي توجهات التيار الصدري أكثر من قربه الي تيار المجلس الأعلي في الائتلاف الموحد، لذا لم يبق هناك ستار يستر الإنقسام الحاصل في جسد الائتلاف الموحد وعلي الائتلافيين الإقرار بالحقيقة، بحيث أصبح هناك تيار من (الصدريين والفضيلة والجعفري) أما التيار الآخر فهو من (المجلس الأعلي والشهرستاني وتيار حزب الدعوة تنظيم العراق بزعامة عبد الكريم العنزي) فهذه صورة الائتلاف الجديدة، لذا لا داعي للتــــــزويق والهروب من قول الحقائق، لذا فالسياسة فن الممكن وعلي كل طرف التحرك ضمن هذا المنطق. السيد الجعفري يعرض علي جبهة التوافق رئاسة العراق والائتلاف معها!ومن منطلق شعار السياسة فن الممكن، لقد سرّب السيد الجعفري والمقربون منه برقية سريعة الي جبهة التوافق ومن معها، والتي سيعطيهم بموجبها (رئاسة العراق) وبعض الوزارات السيادية في حالة قبولهم الائتلاف معه لتشكيل الحكومة، وهذا ما صرح به لنا (مصدر كبير جدا وقريب من المحادثات الجارية) ولكن جبهة التوافق أعادت الجواب الي الجعفري بأنها لا تريد رئاسة العراق، وكذلك لا تريد الوزارات السيادية ولا وزارة الخارجية، بل هي تريد الوزارات الخدمية مثل (الزراعة والبلديات والتربية والصحة) وغيرها، وجاء ذلك علي أثر تعهد السيد الجعفري بأنه قادر علي تجميع (55) صوتا، خصوصا وأن هناك بعض المستقلين داخل الائتلاف الموحد وخارجه يحبذون الإنضمام الي هكذا ائتلاف يقوده الجعــفري والتوافق، فيما لو جمعت الأخيرة (80 إلي 85) صوتا. وكان اقتراح السيد الجعفري كالآتي (الرئاسة للتوافق، ورئاسة الوزراء للجعفري، ورئاسة البرلمان للأكراد الإسلاميين / مجموعة التحالف الإسلامي الكردي) ولكن جبهة التوافق التي تمثل (السنة) رفضت الرئاسة، حيث لا يريد أعضاؤها التورط في لعبة وخطورة التوقيع علي مراسيم الإعدامات والقرارات التي يريدها الإحتلال، وكذلك لا يريدون وزارة الخارجية، حيث لا يريدون الغوص في لعبة الصفقات والتوقيع علي الأمور الخارجية، والتي تخص العراق وفي هكذا ظروف صعبة لا زال بها الآمر الناهي هو (المحتل)، وهنا تسجل جبهة التوافق نقطة لصالحها تقع ضمن (الإستراتيجية البعيدة) حيث هي تريد الوزارات الخدمية كي تبني قاعدة جماهيرية ممتازة لتكتسح البرلمان في الأربع سنوات التي تليها الحكومة الأولي.كذلك يريــــد أعضاء التوافــــق ومن معهم الحرية في البرلمان كي يفتحوا الملفات الخطيـــــرة التي تتعــــلق بالفساد والجرائم والاستحواذ والتجنيس والتزوير والهجرة والاحصاء، ويريــدون الوقوف بحرية ضد تمـــــرير قرارات الحاكم المدني في العراق ــ بــــول بريمرــ والتي في حال إقرارها سيـــكون العراق رهينة للشركات الامريكية والبريطانية والغربية، وســـــيكون المواطن العراقي أجيرا لدي هذه الشركات في بلده وأرضه ومزرعته ومعمله وفي كل مكان.من يقف وراء صفقة الجعفري؟وبعد التحري والتحليل عرفنا ان وراء تلك الصفقة التيار الصدري، أي هو صاحب الفكرة ليحرج الأكراد والأطراف الأخري، ويضع الجميع أمام مسؤولياتهم، خصوصا وان الأكراد يريدون إفشال التيار الصدري من خلال كسب بعض الأطراف داخل الائتلاف، والمحسوبة علي المجلس الأعلي من خلال العمل علي تشنيــــج الأجواء ضـــد التيار الصدري، كون السيد مقتدي الصدر يرفض الدستور الجديد وينادي بتعديله.وقال عنه أخيرا (انه دستور مشوه) وكذلك من الذين يرفضون فيدرالية الجنوب التي ينادي بها السيد عبد العزيز الحكيم، ويرفض فيدرالية الأكراد التي تريد كركوك وربما الموصل أيضا، وهنا يريد التيار الصدري فك الإرتباط بين التحالف الكردي والائتلاف الموحد، أي فك المجلس الأعلي عن الأكراد.لهذا فهناك مفاجآت كثيرة ومعقدة، وقد تقلب الطاولة علي الكبار، أو قد تعيد الأمور لنقطة الصفر، أو قد تفسح المجال الي لاعبين جدد يكونون هم اللاعبين الأساسيين، خصوصا وأن الخطوط الحمراء ضد الدكتور (علاوي)، والتي رفعها التيار الصدري ضده قد أزيلت برجاء من الرئيس السوري بشار الأسد، وبطلب ورجاء من الملك الأردني عبد الله الثاني مقابل اعتذار الدكتور (علاوي) عن الأخطاء التي ارتكبها هو وحكومته ضد التيار الصدري، وضد مدينة النجف الأشرف والفلوجة، ومن ثم تعويض جميع الشهداء والمتضررين من التيار الصدري.ولقد كـــفل الرئيس السوري بشار الأسد ذلك حسب المعلومات التي وردت، وهي نقطة إيجابية تُحسب للرئيس السوري الذي يريد إنـــقاذ العراق من الحرب الأهلية، والتسريع في خروج الإحتلال، ومن ثم سيُفتح الطريق أمام الدكتور علاوي ليكون علي رأس وزارة الدفاع، أو علي رأس الملف الأمني خصوصا عندما يعطي ضمانات مكتوبة للتيار الصدري.لذا فالتيار الصدري في داخل العراق ينتظر عودة السيد مقتدي الصدر من جولته الناجحة، والتي زار من خلالها (طهران والريـــاض ودمشق والكويت وعمان وبيروت)، وكانت بمثابة ضربة معلم حقا، حيث خرج من الحصار المفروض عليه من الإحتلال وبعض الأطراف، وخرج من تهمة (الأميّة والجهل) والتي يقذفه بها الخصوم والأعداء، فتبين أنه رجل وطني، ويمتلك حنكة سياسية، ويمتلك بعد نظر يبشر بألف بخير. لذا فكتلة التيار الصدري في البرلمان المقبل تنتظر عودة السيد مقتدي لتتحرك ضمن توجيهاته الجديدة، وكذلك تنتظر جبهة التوافق ومن معها لسماع العرض من السيد مقتدي الصدر بدلا من السيد الجعفري.ونتيجة تلك الظروف المبهمة أصبح مقعد الرئاسة في العراق كرة تتقاذفها الأيدي، أو (بعبع) مخيف يهرب منه الجميع، لأن من يصبح رئيسا للعراق تنتظره مسؤوليات جسيمة، ومغامرات كبيرة من خلال توقيعه علي الأحكام الخطيرة التي ستنال قسما كبيرا من رجال النظام السابق وسيوقع علي قرارات مصيرية وخطيرة إضافة لأمور أخري….. فمقعد رئاسة العراق فارغ وينادي هل من رئيس مغامر!!؟ہ كاتب ومحلل سياسي عراقي[email protected]