بغداد ـ «القدس العربي»: يعد العراق من الدول القلائل التي لم تتأثر بالأزمة الاقتصادية العالمية الحالية، وذلك بسبب زيادة عائدات تصدير النفط وارتفاع أسعاره إضافة إلى عدم وجود ميزانية لعام 2022 تنفق الحكومة العراقية بموجبها.
ولعلها مفارقة مؤسفة انه رغم الوفرة المالية الكبيرة التي تتراكم لدى الحكومة العراقية، فإن الشعب لم يستفد منها إطلاقا في تخفيف معاناته، لعدم وجود ميزانية سنوية وعدم وجود حكومة دائمة لديها صلاحيات الإنفاق، وسط مخاوف جدية من استحواذ حيتان الفساد ودول إقليمية على أغلب الفائض المالي.
وقد حدد هيثم الجبوري المستشار الفني لرئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، قيمة الناتج المحلي الحكومي والخاص للعام الحالي، وتوقعات حجم الإنفاق الكلي لهذه السنة.
وقال الجبوري، في لقاء تلفزيوني، إن «حجم الناتج المحلي للقطاعين العام والخاص للعام 2022 حسب أسعار النفط الحالية نحو 300 مليار دولار» مبينا أن «الحكومة تنفق حاليا وفق قاعدة الصرف 1/12 من موازنة العام الماضي، إضافة إلى ما خصص في قانون الأمن الغذائي».
وأوضح أن «ما خصص من قانون الأمن الغذائي بلغ 25 تريليون دينار يضاف إليها 103 تريليونات دينار صرفت في العام الماضي 2021 كونها قاعدة نعتمد عليها، ليكون المبلغ الكلي الذي يصرف لنهاية هذا العام هو 128 تريليون دينار( نحو 89 مليار دولار)» مشيرا إلى أن «الناتج الحكومي لوحده سيتراوح تقريبا حسب أسعار النفط الحالية من 145 إلى 155 مليار دولار نهاية السنة».
ويعاني العراق حاليا من أزمة سياسية واقتصادية وفراغ دستوري ، جراء عدم وجود حكومة دائمة، وعدم مصادقة البرلمان على ميزانية 2022 بسبب فشل القوى السياسية منذ نحو عام، في الاتفاق على تشكيل حكومة جديدة.
ومن جانبه أشار المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، في أحاديث متفرقة إلى الفائض المالي للعراق في هذه المرحلة، حيث بين أن «متوسط الإيرادات النفطية للعام 2022 سيزيد بنسبة لا تقل عن 60 في المئة من إيرادات الصادرات النفطية للعام 2021 ما يعني أنه سيكون هناك احتياطي مالي كبير متوفر للدولة في نهاية العام ربما يتخطى الـ 40 مليار دولار».
فيما أوضح صالح إجراءات الحكومة في استثمار وفورات النفط، التي تذهب باتجاهين: الأول الإنفاق الاجتماعي الضروري (الرعاية الاجتماعية) عبر توفير دخل نقدي لا يقل عن 2.5 دولار يوميا وهو مستوى خط الفقر لكل فرد من المحرومين في العراق».
وأضاف، «يرافق ذلك تقديم خدمات صحة وتعليم مجاني وبطاقة تموينية تقدم لأولئك المحرومين ولا سيما الفئات الأكثر هشاشة من المعوقين والأرامل وكبار السن والأيتام وغيرهم» فيما لفت إلى أن «الشق الثاني هو الإنفاق الاستثماري على المشاريع العمرانية والإنتاجية التي تتولاها الدولة ولاسيما المشاريع الموفرة لفرص العمل».
ويذكر ان وزير التخطيط، خالد بتال النجم، أعلن عام 2021 أن «عدد الفقراء في العراق بلغ 11 مليونا و400 ألف فرد، ( أي ربع عدد السكان ) بعدما كان قبل أزمة كورونا حوالي 10 ملايين فرد» كما أن «نسبة الفقر ارتفعت إلى 31.7 في المئة، والتي كانت 20 في المئة في عام 2018».
احتياطي العراق
وكان نائب محافظ البنك المركزي عمار خلف، أعلن عن ارتفاع احتياطي البنك المركزي من العملة الصعبة، نتيجة لارتفاع أسعار النفط العالمية، متوقعاً وصول الاحتياطي إلى 90 مليار دولار نهاية العام الحالي.
وأضاف خلف أن الاحتياطي الحالي للبنك المركزي بلغ أكثر من 80 مليار دولار، مشيراً إلى أن احتياطي الذهب وصل إلى أكثر من 131 طنا، حيث زاد مؤخرا بنحو 30 طنا، وهذا أدى إلى ارتفاع تصنيف العراق عالميا، ضمن جدول أكثر الدول في احتياطي الذهب، ليصبح في المرتبة الثلاثين عالميا والرابعة عربيا.
ويبلغ حجم الإنتاج النفطي للعراق حاليا أكثر من 4 ملايين برميل يوميا حسب محددات «أوبك بلس» وتبلغ طاقته التصديرية أكثر من 3 ملايين برميل يوميا.
وازاء تقاعس الحكومة عن الاستفادة من الفائض المالي في إجراءات لتحسين الوضع الاقتصادي المتدهور، فقد وجهت انتقادات لحكومة تصريف الأعمال برئاسة مصطفى الكاظمي.
وقالت الخبيرة الاقتصادية سلام سميسم، إن «الزيادة في أسعار النفط من المفترض أن توجه إلى مجالات يعاني منها الاقتصاد العراقي من نقص التمويل وأهمها سد فجوة العجز في الموازنة العامة، وأن تكون موجهة للأغراض التنموية وتحسين وضعية المواطن لا سيما ملف الصحة خصوصاً مع تفشي الجائحة ووجود ظواهر اختناق المستشفيات كذلك توفير نفقات لسد احتياجات البطاقة التموينية وتحسين نوعيتها».
وأضافت سميسم، أن «هناك مسألة مهمة تتمثل في الرؤية الاقتصادية والاستفادة من هذه الأموال والحذر من ضياعها، بسبب غياب الرقابة والشفافية حيث إنه ليست هناك أي تقارير في ما يخص الحسابات الختامية التي يزود بها ديوان الرقابة المالية فضلاً عن انتظار إقرار البرلمان موازنة 2022».
أما النائب المستقل مصطفى جبار سند، بدوره، قال عبر منشور له على فيسبوك، إن «احتياطي البنك المركزي فيه فائض مالي ممكن استثماره كسندات مالية ومبادرات تنمية وقروض محفزة بالتنسيق مع وزارة المالية» مضيفا أن «الفائض في العملة الثانوية يقدر بـ100 ترليون دينار ممكن استثماره بتنشيط الاقتصاد وبناء صناعة استراتيجية عملاقة تمتص جزءا من البطالة وتطور صناعة بدائل الاستيراد».
فيما انتقد خبراء وسياسيون، حكومة بغداد لقيامها بتسليم حصة إقليم كردستان من الميزانية رغم ان الإقليم لا يلتزم بتسليم عائدات تصدير النفط من مناطقه إلى الحكومة المركزية، وهي من المخالفات الدستورية العديدة للإقليم الذي يستمر بتصدير النفط إلى خارج العراق حتى بعد قرار المحكمة الاتحادية الذي أقر بعدم شرعية قيام كردستان بتصدير النفط.
كما يعد عجز الحكومة عن إيقاف خسارة مليارات الدولارات عبر نافذة بيع الدولار في البنك المركزي لصالح أحزاب السلطة، وعدم الحد من تحكم قوى الفساد بمنافذ الحدود والمشاريع، وغيرها من القضايا المهمة، مؤشرات على هدر موارد العراق.
تحذيرات دولية
وبالرغم من تعاظم موارد النفط، إلا ان الجهات المالية الدولية حذرت من مخاطر وثغرات خطيرة يعاني منها الاقتصاد العراقي.
فقد أشار تقرير المرصد الاقتصادي للعراق الذي أصدره البنك الدولي عام 2022 تحت عنوان: «تسخير عائدات النفط المفاجئة لتحقيق النمو المستدام» إلى أنه بعد الانكماش بنسبة تزيد على 11في المئة في عام 2020 حقق الاقتصاد العراقي نمواً بنسبة 2.8 في المئة في عام 2021 مع تخفيف قيود جائحة كورونا على التنقل، والتوسع القوي في الإنتاج غير النفطي، كما بدأ إجمالي الناتج المحلي النفطي أيضًا في النمو في النصف الثاني من عام 2021 ما دفع ارتفاع عائدات النفط إلى تحقيق فائض في الأرصدة المالية العامة والأرصدة الخارجية الكلية في العراق في عام 2021. ومع ذلك، تستمر أوجه الجمود في المالية العامة، كما تبقى المتأخرات غير المحصلة كبيرة.
وكشف تقرير المرصد الاقتصادي للعراق أن تحديات الأمن الغذائي الحالية في العراق قد اشتدت حدتها في خضم الارتفاع الحالي في أسعار السلع الأساسية عالمياً، في حين يقل مستوى إنتاج الغذاء المحلي عن مستوى الطلب الناجم عن النمو السكاني السريع. وقد أدت موجات الجفاف الشديد وعوامل تغير المناخ الأخرى إلى تفاقم هذا الوضع. وفي حين أن الإعانات والتحويلات المباشرة يمكن أن تساعد في التخفيف من هذه التأثيرات السلبية على المدى القصير، فإن تحقيق الأمن الغذائي يتطلب تنسيق الجهود لتحسين الإنتاج المحلي من الغذاء والمزيد من الكفاءة في إدارة موارد المياه.
وأضاف التقرير «تؤكد الهشاشة المالية والاجتماعية والاقتصادية في العراق على الحاجة إلى تسريع وتيرة الإصلاحات الهيكلية والمالية الكلية المطلوبة بشدة للتخلص من العوائق التي تعترض طريق تنمية القطاع الخاص، وزيادة الاستثمارات في كفاءة المياه وأنظمة الأغذية الزراعية، والتحول نحو مصادر أكثر استدامة للطاقة».
ويؤكد خبراء الاقتصاد ان عدم مصادقة البرلمان على الميزانية التي قدمتها حكومة مصطفى الكاظمي والفشل في تشكيل حكومة جديدة منذ نحو عام، ستسفر عنه مخاطر جدية على الاقتصاد العراقي، خاصة مع وجود العراق الغني صاحب الثروة الطائلة والإدارة الضعيفة الفاشلة، وسط محيط من الدول التي يعاني اقتصادها من صعوبات بالغة، مثل إيران وسوريا والأردن وتركيا، ما يجعل منه هدفا لتلك الدول لتخفيف أزماتها المالية.
ومع تصاعد الدعوات لحكومة العراق، بضرورة استثمار فرصة وجود الفائض المالي الحالي، في إنجاز مشاريع تنموية كبيرة، لتحسين الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، كالبطالة وتعثر المشاريع الاستثمارية، وتدهور البنية التحتية كالكهرباء والماء والطرق والجسور والسكن، والمدن المدمرة، إلا ان تحقيق ذلك يبقى معطلا مع تأخر إقرار الموازنة العامة لعام 2022 واستمرار الصراع على تشكيل حكومة جديدة تحت هيمنة أحزاب السلطة.