راضي شحادة
يستطيع المثقف ان يكون خزانا من المعرفة، ولكن اين وكيف ولصالح من يستعملها؟ عند المحكات الصعبة منهم من يكشف جهاراً عن شخصيته الانتهازية التسلّقية النفعية، ومنهم من يثبت فعلاً انه مثقّف حقيقي، ومنهم مَن يعتبر انّ ما يقدّمه في حياته اليومية من انجازات، وفي مجال تخصّصه المعرفي، كافٍ كتعبير عن موقفه، بدون حاجة لاتخاذ موقف متطرف مع او ضد، قد يكلّفه كثيرا وقد يعرّضه للمغامرة والخطر. انه يعتبر سكوته عند المحكات الصعبة شيئا من الابتعاد عن التطرف والبقاء على برّ الأمان، الى حين تمرّ زوبعة المحكّ المصيري والصعب.
عندما تحل ساعة التغيير الثوري الحاسم يجد المبدع قليل الثقافة، المرتبك كغيره من المتفاجئين بالمحكّ الثوري المفاجئ ان شيئا جوهريا يحدث قد يقلب كل الموازين، ويؤسس لفترة جديدة، ويضع علامات استفهام على مرحلة ركود الرماد فوق جمر فترة ما قبل مجيء الثورة. عند المحكات المصيرية الصعبة يضغط الوضع على المبدع الذي يخاف من اتخاذ المواقف الحادة كي يحسم امره سريعا، والاّ يتهادن ويصبر الى ان يُحسم الأمر فيعلن عن موقفه حسب المصلحة التي يتطلبها ذلك الحسم، وفي موقفه هذا نوع من الانتهازية. ان جرأة المثقف المبدع الحقيقي على اتخاذ القرارات عند المحكات الصعبة تشجّع الآخرين على اللحاق به، وهذا ينطبق على كافة افراد الشعب لأنهم يجدون فيه نموذجا حقيقيا صادقا لما يريدون ان يعبّروا عنه لولا خوفهم من العواقب. هؤلاء المثقفون النخبويون المبدعون، وقد يصل ابداعهم الى جميع مجالات الحياة وليس الى مجال الفن فقط، ليسوا اناسا آيديولوجيين، بل هم اناس مفكرون اخلاقيون اذكياء جدا متحررون واسعو الخيال وابداعهم لا يعرف الحدود، وهم قادرون بسهولة وبدون تشنّج ان يستوعبوا جميع الآيديولوجيات القديمة والحالية، بدون ان يجدوا انفسهم ملزمين بالانتماء لأية آيديولوجية منها، لأنهم يعتبرون فكرهم أكثر سموّا وانفتاحا واممية منها، وهم ليسوا حزبيين، بل يعتبرون انفسهم متحررين من قيود الحزبية خوفا من ان تقوقعهم داخل شريحة فكر محدودة القوالب والآيديولوجيات النمطية. هؤلاء يحملون فكرا تعبويا ليس بالضرورة فكرا تحريضيا شعاراتيا، بل يعملون على فلسفة التراكمية البطيئة في النضال وتمرير وعيهم المتدفق بغزارة على مُدَدٍ زمنية متواصلة، ذات نَفَس طويل تؤدي الى التفاعل مع نبض الشعب والمساهمة في تعبئته تدريجيا نحو لحظة الانفجار الثوري العظيم، الذي يشكل المحك التاريخي. هذه المحكّات المصيرية تتجلّى في اماكن حسّاسة عند: الثورة ضد الظلم، الثورة ضد الفساد، المظاهرات، الانتخابات، الاستفتاءات الشعبية، الثورة ضد النظم الاستبدادية، الثورة من أجل دحر الاحتلال، التصريح ببيانات عامة عبر وسائل الميديا الحديثة امام الملايين من البشر.. فعند هذه المحكات الجمعية الصعبة التي تشبه الامتحان يُكرم المرء او يهان.
هؤلاء المبدعون النخبويون الاذكياء القادة الطلائعيون سوف نغفر لهم عدم انخراطهم اليومي مع تحركات الشارع السياسية عبر التواجد الفعلي، ولكنهم عند المحكات الصعبة لا يتوانون في النُزول الى الشارع لينضموا الى الشعب الذي يعدّون انفسهم اسهموا في قسط من توعيته نحو الثورة ونحو مصبّ هذا المحكّ المُعبَّر عنه على شكل انفجار شعبي. وهم يختلفون عن الفنانين والمثقفين الذين يقولون جهارا انهم خلاّقون وليسوا سياسيين، وبالتالي يجدون مبررا قويا للهروب من اتخاذ مواقف جليّة وواضحة. هؤلاء الخلاّقون ‘غير السياسيين’ يدّعون انه ليس من وظيفتهم قيادة حركات سياسية او مظاهراتية بشكل مباشر، وانما يكفي ان يعبّروا عن انفسهم من خلال الابداع والتّفنّن، والفرق بين هؤلاء ممّن ينتهجون الهزيمة نحو الفنّ من اجل الفن، والثوريين المنتهجين فلسفة التعبئة من خلال التدفّق العطائي الوعيي والنَّفَس الطويل، هو انه عند المحك الصعب تحدث عملية الغربلة بسهولة.
هل المبدع الذي يحصل على رصيده المعنوي والمادي والشُّهْرَوي من الجماهير سيقول للجماهير عند المحكات الصعبة انه ليس ملزما باتخاذ قرار معين، لأنّ هذا ليس من مجال تخصصه؟ صحيح اننا نعترف بأن الفن الراقي الذوقي الانساني الثوري التعبوي التحرري لا يؤدي الى ثورات فجائية، لأنه ينتهج فلسفة التَراكُمية التي تؤدي الى انضغاط الخزّان، والنَّفَس الطويل، الا ان ذلك لا يعني اننا نستطيع في فترة ما قبل المحكات الصعبة ان نميّز بين المبدع الأصيل والواعي والتحرري، وبين المبدع الانتهازي والتسلقي. ولم يتورع بعض الفنانين التونسيين من القول بعد ثورة تونس بانه كان عليهم ان يسايروا النظام كي يسلموا من شرّه، والأمر ذاته ينطبق على شريحة من مثقّفي ومبدعي مصر، الذين غربلتهم ثورة مصر المجيدة.
ان المثقف المتذبذب الذي يمتهن عملية الانخرط في العمل الجماهيري الابداعي او السياسي او الثقافي، غالبا ما يشعر بان المحكات الصعبة تربكه وتهزّ كيانه، فلا يستطيع ان يتّخذ قرارا حاسما، فهل يعلن تضامنه مع الثائرين؟ هل يعلن استعداده للتصادم مع النظام الحاكم والمؤسسة؟ هل يبقى صامتا فيثير شبهات مَن حوله ممّن يبحثون عن اجوبة لكل سؤال واستفسار عن كل موقف؟
فيلم ‘مرجان احمد مرجان’ على سبيل المثال، وهو من بطولة الفنان عادل امام، يتطرّق الى تزوير الانتخابات والفساد والفوضى وتسلط رجال الاعمال على كل شيء بما فيه الاعلام، وهو فيلم يلمّح الى الفساد ولكنه لا يعالجه، وقد لفتني حوار جوهري بين رجل الأعمال الديناصوري ‘مرجان’ مع ساعده الأيمن ‘حسن’. حسن: ما دام مْزبّط كويس يبقى خلاص.
مرجان: اللي فوق مش مضمونين يا حسن، البلد على شان تعيش فيها لازم تزبّط نفسك من فوق وتزبّط نفسك من تحت، على شان لو اللي فوق سَابُوك اللي تحت يِلْقَفُوك، ولو اللي تحت سابوك اللي فوق يحْمُوك. انا ح ارشّح نفسي لمجلس الشعب… فِكْر ايه وثقافة ايه؟ انا مشاريعي مملّية البلد، المي اللي تشربوها مني، الحديد، الخبز، الملابس الداخلية بتاعتكو، كلّها منّي.. ان فلسفة عادل امام والقضايا التي طرحها في هذا الفيلم هي ذاتها فلسفة البطل مرجان احمد مرجان، وهي خير دليل على تخبّط الفنان عندما يريد الكعكة ولا يريد ان يأكلها، لأنه لو اكل منها لما بقيت كما هي، فهو يناصر النظام لأنه يدّعي ان النظام يسنده ضد الحركات الأصولية التي قد تستلم السلطة فتشكّل خطرا عليه وعلى بلده، فهو يعمل في الابداع بينما الحركات الاصولية تريد ان تعود بنا الى الخلف الى الف وخمسمئة سنة، وهي تشكل خطرا على المبدعين والتحرريين والليبراليين والعلمانيين والأمميين، وتغلق الأفواه والوجوه بسواتر من الغشاوات والكمامات، بينما هو مع المظلومين والشعب ‘ الغَلْبان’ لأنه يحب الشعب. ولِمَ لا يحبّه فالشعب جمهوره ويشكل الجزء الأكبر من رصيد كعكته؟ وبالتالي فهو يجد نفسه منتفعا من هذه الفلسفة التي يظن انه من خلالها يضمن جمهوره الى جانبه، ويضمن دعم النظام لهذا النوع من ابداعاته، وعندما يأتي المحك الكبير يجد نفسه محروما من رضى جميع الأطراف. وفي الوقت ذاته فالنظام يستغل لعبة ‘بُعبُع’ التطرّف الديني والسلفي كي يقترح نفسه الحاكم الحامي للدولة وللشعب من هذا ‘البعبع’، وبذلك يضمن النظام لنفسه دوام التّربّع على كرسي العرش. عندما كان عادل امام فنان الشعب بلا منازع ويتربّع على عرش فناني العالم العربي سأله احد الصحافيين: ‘لماذا لا تترشح للانتخابات، فالشعب يحبك وستصبح رئيس مصر’، قال: ‘انا زعيم كل الشعب العربي بِفنّي ولست زعيم الشعب المصري فحسب، فاذا كنت زعيما محبوبا لدى جميع العرب فلماذا اصبح رئيسا لقسم منهم، لا بل لقسم من شعب مصر؟ لأن الرئاسة ستقسم مُحبِّيّ واخصامي الى اقسام ايضا’. ترى ماذا جرى لهذا الرئيس عندما تعرّض لمحك ثورة مصر الصعب؟ لقد سقط عن عرشه اسوة بزعيم مصر الرابض على كرسي عرشها منذ ثلاثين سنة.
ليس صدفة ان هذا المحكّ التاريخي المصريّ المصيريّ احدث وسيحدث غربلة للمثقفين او مدّعي الثقافة، ولسائر الفاعلين في الشعب المصري والشعوب العربية، فأفرز مَن أيّد ثورة مصر منذ لحظتها الأولى، وأفرز مَن لا يزال يُتأتئ ولا يتّخذ موقفا حاسما، وأفرز من ورّط نفسه في الدفاع عن مبارك ونظامه وتحدّى الشعب، وأفرز مَن لزم الصمت واختفى كليا عن ساحة اتخاذ المواقف بالأفعال وبالأقوال، ومنهم مَن أحسّ بالخطأ فتاب وانضم الى الشعب، ومنهم مَن أحسّ انه اذا لم ينافق لقرار الشعب فسيقذف الشعب به خارج ساحة ميدان التحرير والحرية، فالشعب لن يصدّقه بل يشكّ بأنّ عودته الى صفوف الشعب هي من قبيل المزيد من التسلّقية والانتهازية. خالد يوسف، احمد فؤاد نجم، خالد الصاوي، خالد نبوي، خالد ابو النجا، عبد العزيز مخيون، علي بدرخان، عمر الشريف، منى زكي، سهير المرشدي، شريهان، تيسير فهمي، توفيق صالح، يسري نصرالله، اسامة فوزي، انس ابو زيد، احمد السّقا، وغيرهم كثيرون وقفوا الى جانب الثورة بدون تردّد منذ انطلاقتها الأولى وحملوا فكرهم التقدمي الواعي الوطني قبل مجيئها.
واما الدكتور جابر عصفور فقد ورّط نفسه في ادقّ لحظات المحك الصعب وقَبِلَ الانضمام الى مؤسسة النظام في عزّ كراهية وغضب ومحاسبة الشعب للنظام، فعاد وتأسّف بأن استقال من منصبه بعد ايام.
وأما المقرّبون من النظام ويأكلون من خبزه ويضربون بسيفه فقد تورّطوا شرّ ورطة في تصريحاتهم النارية الغبية، فأشرف زكي نقيب المهن التمثيلية ومساعد وزير الاعلام المصري صرّح قائلا: ‘اللي يهين الرئيس مبارك نهينه. هؤلاء المتظاهرون عملاء وخونة’، وطالبت الفنانة سماح انور بحرق المتظاهرين في ميدان التحرير، وطالبت الفنانة مي كساب السلطات المصرية ‘باغلاق جميع القنوات العربية و’فيسبوك’ لأنها تسيء لسمعة مصر. هؤلاء المتظاهرون جَهَلة لا يعرفون التاريخ وغير واعين بالشيء الذي يقومون به، وانهم غير مثقّفين ويقومون بتخريب البلد’، بينما كان موقف الفنان محمد صبحي غريبا، والذي طالما ادّعى التقدمية والوطنية، عندما نَعتَ شباب الثورة بـ’شباب طايش’. وغيرهم ممن كانت مواقفهم مع النظام مثل حسن يوسف واحمد بدير وليلى علوي وغادة عبد الرازق وصابرين وعادل امام وعمرو دياب ونيللي عبد الكريم والهام شاهين وشيرين وعمرو مصطفى ويسرى.. وغيرهم، بينما اختفى عن الساحة محمد منير ونور الشريف ورغدة وغيرهم، ومنهم مَن تأسّف وعاد الى صفوف الشعب بعد ان احسّ ان الثورة جارفة.
كان منهم مَن بسّط الأمور وادّعى انّ النظام فاسد، وأنّ الرئيس شريف وأب لجميع المصريين فقد خدم مصر طوال حياته، فحكمها طوال ثلاثين سنة، وله عدّة انجازات، وهو باني مصر. فإذا كان كل هذا يعدّ انجازا، فلماذا وصلت مصر الى الحضيض سياسيا واقتصاديا وفساديا؟ أليس رأس السلطة وهو الرئيس هو المسؤول؟ وهل تفسد السمكة إلا من رأسها؟ ام اننا لا زلنا اسرى لفكرنا القديم بأن نعبد الفرد والفرعون والبطل الأسطوري؟ هل نمارس عقدنا ‘الأوديبية’ و’الأليكترية’ بتعلّقنا بالبطل الفرد المعصوم عن الخطأ؟
في لحظة الانفجار يأتي دور المحكّات الصعبة، فعملية الغربلة الملازمة لها ستشكل خطرا داهما عليه، فهو يجد نفسه تحت ضغط تساؤل الآخرين عن موقفه، هل هو مع، ام انه ضد، او انه يفضّل ان يبقى متأرجحا بين بين؟ انه يشعر بان فترة ما قبل المحك والانفجار ساعدته على نيل مبتغياته الشخصية من شهرة ومال واستقرار نسبي نفسي ومادي، وما قدوم هذا المحك الا خطرا مداهما يجعله يشعر انه ورصيده السابق معرّضَين للخطر.
ان المثقّف والمبدع الذي تستهويه لعبة الشهرة وجني الأموال يجد ضالّته في الميديا الحديثة التي يتحكّم بمعظمها النظام الحاكم المكوّن من النظام السياسي ونظام الشركات الاحتكارية العملاقة التي تتحكّم بمجموعات البشر، فتصبح هي التي تتحكّم بتحرّكات النظام السياسي الحاكم فإنّه، ذلك المبدع والمثقّف، يعاني من عقدة انفصام المصالح، فهو لا يستطيع ان يحصل على انتشار مواده الابداعية بدون هذه الوسائل المغرية من الميديا السريعة، واذا لجأ الى التمسّك بثقافته النخبوية التحررية التقدمية الثورية فسوف يجد نفسه في صدام مستميت مع هذا النظام، قد يؤدّي به الى الانقراض او خسارة المعركة، فيضطرّ الى الاحتماء بفلسفة: ‘ان لا يموت الذئب ولا يفنى الغَنَم’، فما دامت هذه الوسائل توصله الى قلب الشعب، وما دام القائمون على هذه الوسائل من الميديا الساحرة يسمحون له بالظهور في حدود المعقول، بحيث يساهم في تقويتها عن طريق الدعايات التجارية وأغاني التسلية الترفيهية التي لا تستعمل التحريض والشعارات والدعوة المباشرة نحو التحرر ونبذ الفاسدين والظالمين، بحيث تكون حدودها القصص الدرامية التي تدور حول الحب والمشاكل الاجتماعية العادية، او حتى وان تخللتها مشاهد الاغراء الرخيص المقصود من اجل استغلال المستهلك وعيا ومادية، او توجيهها نحو العاب كرة القدم، حتى ان ادت الى انشغال الشعب بها من اجل اثارة العداوات بين افراد ومجموعات الشعب الواحد، ومع الشعوب الأخرى، وبين المتحزّبين للفرق المختلفة، وبهذا يعمون قلوب الشعوب عن رؤية ديناصور الاستبداد الحقيقي الرابض فوق قمة هرم السلطة الحاكمة، فبدل ان يكون الشعب مشاركا في اللعبة على أرض الملعب يكون جالسا على المدرّجات متحمّسا متفرّجا محرّضا ضد نفسه. ان تصريحات وتصرّفات المثقف والمبدع قبل قدوم المحكّ الصعب وخلال حدوثه هي التي تحدّد ان كان موقفه ايجابيا او سلبيا، فاذا كان موقفه سلبيا فأنه لا يستطيع الفكاك من تبعاته حتى وان تأسّف او غيّر توجّهه للأحسن، فدفاعه عن نفسه سوف يأخذ منه جهدا كبيرا وشعورا بالذنب والندم والخسارة، هذا اذا كان لديه شيء من السّمو الأخلاقي والشجاعة المطلوبة لذلك، وحتى وان اراد اعلان تغيير موقفه لصالح المنتصرين الجدد، فلن يصدّقوه لأنهم سيعتبرونه تسلّقيا ونفعيا ومشكوكا في أمره، وانه يتغيّر مع اول هبة نسمة هواء خفيفة، ان لم يكن مع اول هبّة عاصفة.
المحكّات المصيرية التي تحدث في عالمنا العربي وفي فلسطين تعلّمنا الكثيرا لكي نصل الى هذه الحقائق التي نوردها هنا، فما يحدث لنا في فلسطين او في لبنان او في تونس او في مصر او في اليمن، هي محكّات فرضتها تراكمات الخزّان التاريخي المحاط بكل انواع الضغط من احتلال وظلم وفساد وحكّام آلوا على انفسهم ان يعتبروا الأوطان جزءا من رصيدهم المادي والمعنوي الشخصي، فيعتادون على هذه الحقيقة ويعتبرونها أزلية وغير قابلة للتغيير والتبديل، وان لا قوة تزحزحهم عن كراسيهم، فتأتي ساعة وصول الخزّان الى درجة الاختناق والضغط الشديد والكبت، فيحدث الانفجار.
لقد ادخلنا هذا الوضع المستمر لعقود من الاحباط، الى شبه اقتناع بأن نظرية: ‘ان الشعوب اذا هبّت ستنتصر’ اصبحت شعارا ممجوجا، ووصلنا الى الاستنتاج في لحظات احباطنا ويأسنا بالقول، هل توجد شعوب كي نستطيع القول انها ربما ستهبّ؟ هل انقرضت الشعوب؟ هل ولّى زمن الثورات؟
خلال احدى زياراتي الى مصر وجّهت سؤالا للمخرج المصري التقدمي والوطني علي بدرخان: متى سيثور الشعب المصري على هذا الظلم والفساد والذل والجوع؟
فضحك بدرخان وقال لي بحُرقة: نحن الشعب الوحيد في العالم الذي كلما جاع يشد الحزام على بطنه كي يتمرد على معدته بدلا من ان يتمرد على الذي جوّعه حقا. هل شعب مصر هو حقا هكذا ام ان حتمية الضغط ولّدت الانفجار؟ هل ستتغيّر نظرتك عن شعبك يا علي بعد ثورته الجديدة المجيدة المتمدّنة؟ هل تقطّعت الأحزمة من حول البطون بسبب قوّة الشّد فانفجر بركان الثورة الى خارج الجسد كي يلتحم مع سائر الأجساد الثائرة؟
مسرحي وكاتب فلسطيني