من آثار تدمير مقبرة اليوسفية
القدس- “القدس العربي”:
لا ينظر المقدسيون لمعركة النضال من أجل الحفاظ على “مقبرة اليوسفية” على أنها معركة تظهر تقديسهم للأموات، فهم يؤمنون أن أرواحهم ذهبت إلى باريها فيما بقي الجسد على قطعة صغيرة من التراب.
العلاقة مركبة بين المقدسيين ومقابرهم، تتجاوز مسألة أن يعتبر الأمر تقديسا لأمواتهم الذين ظهرت بقايا عظامهم فيما حاول شبان ونشطاء جمعها ووضعها على قطع ورقية زرقاء… إنهم يعون تماما أن الدفاع عن قبور الأموات هو في جوهره دفاع عن الأحياء ومساحة المقبرة ذاتها.
وتعد اليوسفية من أشهر المقابر الإسلامية في المدينة وهي تقع على ربوة تمتد من الزاوية الشمالية لباب الأسباط، ومنها إلى ناحية الشرق، وتلتقي حدودها مع الشارع الذي يحمل اسم “طريق أريحا” ومنه جنوبا إلى أن يتقاطع مع الشارع الصاعد إلى باب الأسباط.
يقف رئيس لجنة المقابر في مدينة القدس الحاج مصطفى أبو زهرة على منطقة مطلة على القبور التي نهشتها جرافة إسرائيلية قبل أيام، ويمد يده مؤشرا على القبور التي تم انتهاك حرمتها وتجريفها واستخراج عظام الأموات منها قبل أيام عندما عملت جرافة تابعة لبلدية الاحتلال في المدنية على تدمير ونهش مجموعة من القبور فيها.
ويمكن بوضوح رؤية محاولات وجهود مواطنين في تحديد معالم الكثير من القبور التي أزالتها جرافة البلدية التي اعتدت على المكان على “حين غرة”، من خلال استخدام حجارة متوسطة الحجم وصغيرة لإعادة رسم معالم وحدود كل قبر.
يقول أبو زهرة إن المواطن المقدسي الفلسطيني أصبح مطاردا في “منامته الأبدية” عبر سماح محكمة الاحتـلال لسلطة الطبيعة والحدائق نبش وتجريف المقبرة اليوسفية من جديد.
ويضيف أن الاحتلال يريد أن يحول المقبرة إلى استراحة وحديقة توراتية للسياح اليهود الذين يطوفون في المدينة.
ويمكن رؤية أكوام من التراب الأحمر بين أشجار الصنوبر التي تظلل القبور الموزعة بطريقة غير منظمة وعنها يؤكد أبو زهرة أن الهدف من جلب كميات التراب هذه هو فرشها فوق القبور بعد تحطيمها وزراعة “عشب النجيل” عليها.
وجاء قرار إلغاء أمر منع العمل بالمقبرة بعد أن قامت بلدية القدس بالادعاء بإنجاز أعمال تنظيف وزراعة الورود وإقامة حديقة عامة من دون تنفيذ أي أعمال تغير ملامح المقبرة، وبعد تعهد بلدية القدس بعدم المس بالقبور الموجودة في قطعة الأرض بأي شكل من الأشكال، وهو أمر كذبته عظام كثيرة تناثرت على مساحة القبور التي تم تجريفها.
ويستحضر الحاج أبو زهرة مقبرة “مأمن الله” التي تم فرش 70% من مساحتها بالتراب وزراعتها بالعشب “فأصبحت حديقة للاستقلال” معتبرا أن السيناريو ذاته سيحدث في “اليوسفية/ صرح الشهداء” إذا لم نقف في وجه مخططات الاحتلال.
يتابع أبو زهرة: “قبل أيام (الخميس الماضي) عقدت جلسة المحكمة (على مدى أربع ساعات) تفاءلنا خيرا، حيث قدمنا الصور والفيديوهات التي تثبت اقتحام جرافة إسرائيلية للمقبرة ونبش القبور وتحطيمها، كان لدينا الإثباتات على شكل صور الجرافة وصور القبور التي تم جرفها وصور العظام أيضا”.
ويتابع: “في بداية الجلسة تم انكار وجود الجرافة التابعة للجهات الإسرائيلية، لكن البينات كانت واضحة، فيما المحامي دافع باستماتة، وكنا الأقوى وأصحاب الحق، فاستبشرنا خيرا في أن القرار سيكون لصالحنا”.
وحمل أمس الأول (مساء الأحد) أخبارا على عكس توقعات محامي لجنة المقابر الإسلامية في القدس مهند جبارة وأعضاء اللجنة وأهالي القدس حيث منحت البلدية وسلطة الطبيعة حق الدخول للمقبرة والاستمرار بأعمال التجريف للجزء الشمالي من المقبرة.
يؤكد أبو زهرة أن حجج القاضي برد الاستئناف الذي قدم من طرفنا واهية جدا.
ورغم أن أبو زهرة لا يراهن على المعركة القضائية في ظل أن المحاكم الإسرائيلية تعمل ضمن أجندة سياسية بحسب الفلسطينيين إلا أن اللجنة ستستمر في هذه المعركة من خلال تقديم استئناف ثان للمحكمة المركزية على أمل أن يكون في صالح المقدسيين أمواتا وأحياء.
وأمام عدم تعويله على المحاكم الإسرائيلية يشدد أن الصراع اليوم يجب أن يكون صراعا شعبيا ووطنيا واجتماعيا، وليس فقط اشتباكا بالمحاكم الذي لا يمكن التقليل من أهميته، لكنه لوحده لا يكفي ولا يجعلنا نحصل على حقوقنا.
ويختم أبو زهرة حديثه بأن المقبرة أرض وقفية وإسلامية من مئات السنين، “سنبقى مرابطين بها”، إنها ساحة نضال من أجل أحياء مدينة القدس بمقدار ما هي من أجل الأموات.
وتضم المقبرة اليوسفية (وهي واحدة من خمس مقابر في المدنية) على قبور لعائلات فلسطينية عاشت في المدينة.
وفي عام 2014، منع الاحتلال الدفن في جزئها الشمالي وأقدم على إزالة 20 قبرًا تعود إلى جنود أردنيين استشهدوا عام 1967 فيما يعرف بمقبرة الشهداء ونصب الجندي المجهول.
وتحمل أيضا اسم مقبرة “صرح الشهداء” لكون جانب منها يضم رفات جنود أردنيين استشهدوا عام 1967.
وتوقع المحامي جبارة سابقا في تصريحات صحافية أن تصدر محكمة الصلح التابعة للاحتلال في القدس أمرا يمنع بشكل دائم إجراء أعمال تجريف ونبش القبور.
واعتبر جبارة يترافع باسم لجنة رعاية المقابر الأعمال التي تقوم بها بلدية الاحتلال في المقبرة تهدف لمنع المسلمين في القدس من دفن موتاهم وتتنافى مع كافة الاعراف الدينية والقوانين الدولية والتي تمنح احتراما للقبور
جبارة وصف القرار بالخطير والمفاجئ ولا يتعاطى مع حقائق الأمور، و”لا يأخذ بعين الاعتبار قدسية المكان وخطورة نبش القبور وظهور عظام الموتى والمس بمشاعر المسلمين في القدس والعالم”.
وتشير المعلومات أنه في عام 2004 أصدر رئيس بلدية الاحتلال في القدس أوري لوبوليانسكي أمرا إداريا بهدم عدد من القبور ومنع أعمال الصيانة فيها بتاتا.
وبرأي مقدسيين ومواطنين فإن جانبا كبيرا ممن دفنوا في هذه المقبرة كما غيرها يؤمنون بأن دفنهم في هذا المكان جزء من رباطهم ونضالهم في مواجهة الاحتلال.
بدوره اعتبر مستشار ديوان الرئاسة لشؤون القدس أحمد الرويضي قرار محكمة الاحتلال المركزية باستمرار أعمال التجريف في المقبرة اليوسفية، بمثابة تهجير قسري للأحياء والأموات في البلدة القديمة على غرار ما يحدث أسفل المسجد الأقصى المبارك من حفريات وأنفاق تهدد أساسات المسجد الى جانب الاقتحامات اليومية لباحاته.
وقال الرويضي في تصريحات صحافية إنه لا يعول على قرار المحكمة باعتبارها جزءا من أداوت الاحتلال لاستهداف القدس والمسجد الأقصى وغطاء لتنفيذ مخططاته الاستيطانية.
وأكد الرويضي أن العبث بالتاريخ الفلسطيني هو رسالة من الاحتلال لضرب القيم التاريخية والعقيدة الإسلامية،
وأدانت الهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات، قرار “محكمة الصلح الإسرائيلية” بالسماح لبلدية الاحتلال الاستمرار في أعمال الحفر والنبش في قبور المسلمين في أرض ضريح الشهداء المجاور للمقبرة اليوسفية”.
وقالت الهيئة إن هذا القرار “يشكل سابقة خطيرة ويؤكد الوجه البشع للقضاء الإسرائيلي كشريك للمؤسسة الإسرائيلية في الاعتداء على حرمة الموتى من أجل إقامة حدائق عامة تقف وراءها جمعيات استيطانية”.
وأكدت أن هذا القرار يعطي الاحتلال الإسرائيلي مظلة قانونية من أجل الاستمرار في عدوانه على مدينة القدس وتهويد معالمها الدينية والتاريخية وطمس كل الآثار التاريخية والوقفية الإسلامية بما في تلك المقابر.
ومع تزايد حدة الاعتداءات الإسرائيلية على مقابر المقدسيين يستشعر الفلسطينيون استهدافهم من جميع المناحي، فمرة يتم نبش قبورهم وتدميرها والتعامل على أنها غير موجودة حيث تعتبر مقابرهم مساحات انتهاك دائمة لإقامة حدائق وساحات عامة، وفي مقابل ذلك تختطف جثامين الشهداء وتحتجزهم وترفض منح عائلاتهم الحق في دفنهم لتكون الإجراءات الإسرائيلية بمجملها فعلا لا يعترف بإنسانية الفلسطيني ولا بحقوقه المشروعة.
ولا تتوقف عجلة المشاريع الاستيطانية التهويدية للمدينة، فهي تسير على قدم وساق وتشمل جميع نواحي الحياة وهي لا تستثني الأموات أيضا.
5 مقابر
وتضم مدينة القدس خمس مقابر مع المقبرة اليوسفية، وهي على النحو التالي:
مقبرة المجاهدين التي تقع في منتصف شارع صلاح الدين على بعد أمتار من باب الساهرة، وهي تعتبر مقبرة تاريخية تقع عند سور المدينة من الشمال ودفن فيها شهداء الفتح الصلاحي.
ومقبرة باب الرحمة التي تقع عند سور المسجد الأقصى الشرقي، حيث منعت سلطات الاحتلال المقدسيين من دفن موتاهم في الجزء الجنوبي الشرقي منها المحاذي للمصلى المرواني بحجة أن المكان قريب من حجارة الهيكل المزعوم، حيث دفن فيها آخر المقدسيين عام 2006.
أما مقبرة النبي داوود فتقع على قمة جبل صهيون، وتضم مجموعة من المدافن لعائلة الديجاني، ولم تعد تستخدم بعد منع سلطات الاحتلال المقدسيين من الدفن فيها.
ومقبرة مأمن الله التي تعتبر كبرى المقابر وتقع على بعد 2 كيلو متر من باب الخليل إلى الغرب من البلدة القديمة وتبلغ مساحتها 200 دونم لكن سلطات الاحتلال حولت 70% من مساحتها إلى حديقة الاستقلال، كما نبشت القبور فيها وأقامت على جزء منها فندقا ضخما وموقفا للسيارات ومتحف “التسامح” إضافة إلى مدرسة وحمامات عامة، كما أزيل أكثر من 97% من شواهد قبورها.
ويقتصر دفن سكان المدينة لموتاهم هذه الأيام على مقبرة باب الرحمة، ومقبرة المجاهدين واليوسفية أما مقبرتا النبي داوود ومأمن الله فتمت مصادرتهما بالكامل.