في الكتابة مرئية ولامرئية

المصادرة التي أفتتح بها هذا المقال، أن لسلطان الكتابة مظاهر متعددة متنوعة، بعضها اجتماعي، وبعضها كتابي (أدبي). ولعل النص القرآني أن يكون خير مثال نصدر عنه في تحليل هذين البعدين اللذين أدتهما الكتابة في المجتمع العربي القديم. والقرآن يقدم نفسه من حيث هو كتاب أو كتابة مفارقة مصدرها الوحي. ولا نخال أن هناك من يجادل في أثر هذه الكتابة في العرب، أو يهون من سلطانها عليهم، على الرغم من أن الكتابة لم تكن شائعة ذائعة في بيئة هؤلاء العرب القدامى. وموقف الذين ناهضوا، منهم، الدعوة الإسلامية، قد يضمر رفضا لقيم «الكتابة المقدسة» خشية أن تتحكم في عالمهم الخاص أكثر منه للمكتوب في ذاته.
ومن هذا المنظور فإن سلطة القرآن من حيث هو «كتابة» تكمن في قيمة الكتابة الاجتماعية. وهي قيمة لا تتعلق بأفراد يعرفون الكتابة أو لا يعرفونها، وإنما بمجتمعات كتابية أو غير كتابية، مما يسوق إلى القول بحضور تقليد كتابي أو بغيابه.
والأمر موقوف على بحث عميق في مختلف التحولات التاريخية التي أفضت إلى استيعاب أنظمة الكتابة وتطويرها من جهة، وفي أوجه التفاعل بين ثقافة شفهية وثقافة كتابية، من جهة أخرى؛ خاصة أن السجلات الشفهية والسجلات الكتابية، غالبا ما تتجاور وتتحاور في الثقافة الواحدة. وعليه فإن مصطلح «تقليد» يتسع لمظاهر من الموضوعات والأغراض مخصوصة منقولة في سجلات مكتوبة أو شفهية، في ثقافة بعينها هي ثقافة الإسلام العربية. غير أننا قد نجانب الصواب إذا اعتبرنا هذه التقاليد مختلفة، أو هي غير مؤتلفة، فثمة تفاعل قائم بين الشفهي والكتابي، يَبِينُ عنه أكثر من سجل وأكثر من أسلوب، حتى في المجتمعات القديمة، حيث عامة الناس لم تكن تقرأ ولا هي تكتب، لكنها تشارك وإن ضمنا، في سن التقاليد وفي تناقلها. والمجتمع العربي الإسلامي مثال دال على ما نحن فيه، حيث كانت الكتابة والقراءة مقصورتين فيه على الخاصة أو تكادان، حتى في المسائل والنصوص الدينية التي هي من القواسم المشتركة بين الخاصة والعامة. ذلك أن الإسلام من حيث هو ديانة كتابية وسمَ شتى رؤى العالم أو رؤى إدراكه عند سائر المسلمين، لا خاصتهم وحسب، وإنما عامتهم أيضا ممن عرفوا القراءة والكتابة أو لم يعرفوهما. فقد استأثرت مفردات الديانة الكتابية بجوانب من حياتهم الاجتماعية والثقافية. ولم يكن الأمر يتعلق بمحتوى الدين أو بجملة مقاصده وأوامره ونواهيه وحسب، وإنما بالمظهر الكتابي فيه أيضا، فقد كان حضور الكتابة يضفي من نفسه، على الفروض الدينية بنية مخصوصة، وكأنه مصدر الحقيقة المطلقة. ومثال ذلك الآيات القرآنية المرسومة على جدران المساجد أو المنسوجة في زي المحارب أو المحفورة على الخشب أو المعدن. فالكلمة المكتوبة هي الكلمة المنطوقة ذاتها.. والقرآن كالشعر مقروء مسموع أبدا، حتى في فن مثل فن «التوريق» (الأرابيسك) محكوم بهندسة فراغية وبعقلية رياضية دقيقة، فلم يكن كله تجريديا خالصا، وإنما هو يمتلك، مثل أي منتوج ثقافي وجها مجردا من الجسمانية.
فلعل هذا التواشج بين الشفهي والكتابي، وهو من المظاهر اللافتة في ثقافة العرب قبل الإسلام وبعده، أن يكون محكوما بسلطة الكتابة الاجتماعية، خاصة أنه يوسع من مجال التخاطب، في المتخيل العربي والإسلامي، ليشمل البشر والقوى أو الكائنات الغيبية معا. وهو تواشج يؤكده التقليد الذي جرى عليه المسلمون، في حفظ القرآن المكتوب واستظهاره؛ لأنه مثل الشعر، غالبا ما كان يقوم مقام الشاهد أو الدليل في التخاطب الاجتماعي العام. وكأن فهمه أو الاستدلال به ما كان ليتيسر إلا في سياق من استظهاره أي من شفهيته.
إذا استتب لنا القول بأن الكتابة سلطة، وأن هذه السلطة منوطة بقيمة الكتابة الاجتماعية، أدركنا أن البحث في مدى ذيوعها وانتشارها في المجتمع العربي ما قبل الإسلامي أو بعده، هو من الكم الذي لا يعتد به كثيرا. فقد يكون المرء جاهلا بالخط، لكنه ليس جاهلا بالكتابة التي هي بنية وفكر قبل كل شيء، ولعل كتابة القرآن أن تكون خير نموذج لما نحن فيه، فقد كانت تتأدى بواسطة الإملاء على كتبة الوحي. ولا شك في أن إملاء نص كالقرآن محكم في صيغه وتراكيبه، لا يمكن إلا أن يستدعى أداء «مبنيا» ؛ لأن الأمر لا يتعلق بنص يُرتجل وإنما بنص يُملى.

إذا استتب لنا القول بأن الكتابة سلطة، وأن هذه السلطة منوطة بقيمة الكتابة الاجتماعية، أدركنا أن البحث في مدى ذيوعها وانتشارها في المجتمع العربي ما قبل الإسلامي أو بعده، هو من الكم الذي لا يعتد به كثيرا.

والإملاء يفترض أن يكون النص مكتوبا أو محفوظا في الذاكرة، فيؤديه صاحبه تحت رقابة «الأذن الداخلية» وفي حيز «الخطاب الصامت» الذي تسبق عناصره كل عملية خلق لغوي متأنية؛ أو هي تلازمها. ومثل هذا الخطاب يتيح لصاحبه أن يتعهد نصه فيتوقف ويتلبث، ويقلب مقوله على أكثر من وجه، وقد يحذف ما يحذف، ويغير ما يغير من عناصر كانت قد مرت في صمت أثناء التأليف حتى يستتب له النص على الهيئة التي شاء وأراد. فثمة إذن كتابة «لا مرئية» حاملها الذاكرة، سابقة على كتابة مرئية حاملها الخط. ومثل هذا النص «الوحي» كتابي/ حتى إن أعد شفهيا أو ذهنيا في صمت أي قبل أن يمليه صاحبه على الآخرين، وقبل أن تتدبره الكتابة وتثبته في صورة خطية وتقيده في هيئة بصرية. والكتابة بهذا المفهوم تنوب مناب «التفاعل» الشفهي. فهي لا تحد في شيء العلاقة المباشرة بين متكلم ومستمع، وهي أساس الأداء الشفهي. ذلك أن نص الوحي مثل الشعر قول لا يسمع سمعا، بل «يستغرق السمع استغراقا» (وهذه عبارة لجون ستيوارت مل، أوردتها بتصرف بسيط، نقلا عن روبرت شولز في البنيوية في الأدب). وفي هذا ما يدل على أنه نص يمكن أن يحد من حيث هو أداء كتابي، حتى إن جاء بصيغة صوتية غير مخطوطة. فهو نص «يُملى» وكلما كان إملاء كانت كتابة. ووضعية الإملاء تتيح لصاحب النص أن يتعهد نصه المثبت في الذاكرة، حذفا أو زيادة، دونما استئناس بنص مخطوط. وربما وقع في الظن أن وضعية الإملاء تنطوي على عناصر الاتصال «الجاكوبسونية» جميعها من سياق ومرسل ومتقبل، وأن النص ينضوي، من ثمة، إلى الأداء الشفهي، وليس إلى الأداء الكتابي، حيث لا يظهر المرسل ولا يملك المتلقي المتقبل سوى الرسالة وحدها. وهذا في تقديرنا من مدخول الظن، فالنص الديني أو الشعري المُمْلى محكوم بازدواجية مثيرة: ازدواجية السياق وازدواجية المرسل وازدواجية المتقبل.
أما سياقه فسياقان: سياق غائب يرجع إلى «الخطاب الصامت» السابق على لحظة الإملاء حيث يكون المرسل قد تعهد نصهن وثبت الكلمات ومبناها في ذاكرته. وسياق حاضر يرجع إلى مواقيت إملائه ومواقعها. وأما المرسل فمرسلان سواء تعلق الأمر بالشعر، وهو في أساطير العرب أو معتقداتهم الأقدم «قرآن إبليس» بعبارة المعري في رسالة الغفران، أي «وحي» من شيطان الشاعر أو جنيه (ومثاله قول امرئ القيس وهو الجاهلي:»أنا الشاعر المرهوب حولي توابعي// من الجن تروي ما أقول وتعزفُ» أو قول جرير وهو الأموي: «وإني ليلقي علي الشعرَ مكتهلٌ// من الشياطين إبليسٌ من الأباليسِ)؛ أو تعلق بالوحي في معتقدات المسلمين وفي متخيلهم الديني؛ فالرسالة بهذا المعنى، إنما توحي بها ذات متعالية مفارقة (الذات الإلهية في الدين والكائنات اللامرئية في الشعر) إلى متقبل أول (النبي والشاعر). وهذا المتقبل مرسل ثان ينقل الرسالة إلى متقبل ثان لا يحد ولا يصنف، أو هو متحرر من رق الزمان والمكان، لأنه (الإنسان) في كل زمان وفي كل مكان. على أن هذا المتقبل في سياق الإملاء «كاتب» يسجل «الوحي» ويقيده بالخط. فهو مدون أكثر منه مستمعا. وإذا كانت له مشاركة «شفهية» فهي مخالسة لا تعدو استيضاح لفظ أو معنى أو هيئة من هيئات التماس مع القول، أو التعاطف المرتبط بهذا التماس اللغوي نفسه، بخاصة في نص كالقرآن أو كالشعر يتميز بإنشائيته التي تفسح للمتقبل من مجالات الخيال والتصور، مثلما يتميز بإيقاعه اللفظي الذي يستغرق سمع المتقبل استغراقا، لكن دونما أي تدخل منه في أسلوب الرسالة.
إن تقصي مظاهر الكتابة في نص كالقرآن (القرآن/ الوحي والقرآن/ المصحف) وفي الشعر القديم يؤكد ما أثبتناه من أن الجهل بالخط لا يعني ضرورة الجهل بالكتابة؛ بل يعزز رأينا في أن العربية الفصحى، التي تأدى بها الشعر والقرآن وخطب العرب وحكمهم وأمثالهم وأخبارهم، ما قبل الإسلام وبعده، لغة «كتابية» أو»فنية عليا» وليست لغة الاستعمال اليومي، وذلك ما أخذنا بالاعتبار مفهوم الكتابة عند أسلافنا، من حيث هي تجميع وتأليف أي جمع أشياء بعضها إلى بعض ووضع جمل بعضها مع بعض، وربط أحداث بعضها إلى بعض، لإخراج معنى ممتع مفيد أو حسن نافع.

كاتب وشاعر تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية