في الكواليس: تفاهمات أعمق وراء “مساعدات غزة”.. والحوثي و”النووي” وراء “أنباء كبيرة”

حجم الخط
0

لم يكن لدى حكومة إسرائيل وقت للتفاخر بالهجوم الجوي الثاني على اليمن في غضون يومين. عشرات الطائرات الحربية حلقت مسافة حوالي 2000 كيلومتر وخلفت وراءها أضراراً كبيرة في مطار صنعاء العاصمة رداً على الصاروخ الذي سقط في أرض مطار بن غوريون الأحد الماضي. ولكن حتى صور الحرائق الكبيرة هناك التي أثارت نشوة خفيفة في بعض القنوات هنا، لم تستمر عناوينها لفترة طويلة. حدث هذا بسبب تصريح ترامب، الذي أعلن بعد بضع ساعات وقف الهجمات الأمريكية ضد الحوثيين.
برر ترامب قرار وقف الحملة الجوية بتكبد اليمن عمليات قصف شديدة، وبهذا “استسلم” الحوثيون. حسب قوله، هم الذين طلبوا وقف الهجمات مقابل وقف إطلاق النار على السفن في البحر الأحمر وخليج عدن. رواية الحوثيين مختلفة، لكن المهم أن القتال توقف، وإسرائيل ليست جزءاً من الاتفاق. وأعلن الحوثيون أنهم سيستمرون في إطلاق الصواريخ والمسيرات نحوها “حتى إدخال المساعدات إلى غزة”. وهذا يعكس تغييراً في موقفهم. الحوثيون استأنفوا إطلاق النار على إسرائيل في نهاية آذار بعد أن خرقت الأخيرة اتفاق وقف إطلاق النار مع حماس واستأنفت القتال في غزة. الآن، ربما يلمحون إلى استعداد لتبني تسوية أخرى، لا تشترط إنهاء مطلقاً للقتال في القطاع.
هذه هي المرة الثانية في غضون شهر، التي يسقط ترامب على نتنياهو بشرى سيئة مع إعطائه إنذاراً لفترة قصيرة. في بداية نيسان، استدعى ترامب نتنياهو بشكل مستعجل إلى البيت الأبيض، حتى يشكل رئيس حكومة متفرجاً وصامتاً على إعلان استئناف المفاوضات مع إيران بشأن مشروعها النووي. المتحدثون بلسان الحكومة يصفون ترامب بأنه صديق حقيقي لإسرائيل، لكن يبدو أنه في كل مرة يتخذ قراراته بناء على اعتبارات أمريكية فقط، وأنه يغير مواقفه بشكل متقلب وبدون أي تنسيق مع نتنياهو.
بيان ترامب الأخير يكشف الصعوبة في اعتماد إسرائيل على دعمه، الذي يبدو مائعاً جداً ويعتمد على ما هو مناسب للرئيس في تلك اللحظة. الحملة الهجومية ضد الحوثيين بدأت بتهديد ترامب بإخضاعهم وتعليمهم درساً لن ينسوه. ولكن عندما لم ينفع ذلك – لأنه يصعب ردع قيادة دولة هي في الأصل من أفقر دول العالم – قرر ببساطة المضي قدماً، في حين يبيع للجمهور الأمريكي (الذي لا يهتم في كل الحالات) كذبة أخرى حول النصر الساحق الذي كان من المفروض أن يتحقق في ساحة بعيدة.
الضرر اليمني يمكن لإسرائيل استيعابه، رغم أن إصابة الصاروخ لمطار بن غوريون أضرت كثيراً برحلات الطيران لشركات أجنبية. ما يجب أن يقلق نتنياهو أكثر هو احتمالية متزايدة لترامب للتوقيع على اتفاق جديد مع إيران في القريب. فقد وعد الرئيس الأمريكي بـ “أنباء كبيرة” في القريب، ربما حتى قبل زيارته لدول الخليج في الأسبوع القادم. ربما سيكرر مناورة مشابهة في القضية الإيرانية. سيعلن عن اتفاق رائع نجح في تحقيقه مع طهران، الذي هو بالفعل لن يكون مختلفاً جداً عن الاتفاق الذي بلورته إدارة أوباما في 2015، وهو نفس الاتفاق الذي دأب ترامب ونتنياهو على التشهير به خلال العقد الماضي.
إذا حدث ذلك، فعلى نتنياهو قبول الاتفاق مع صك الأسنان. ولكن خلافاً للتهديد اليمني، يدور الحديث هنا عن مسألة استراتيجية حاسمة ينشغل فيها رئيس الحكومة منذ ثلاثين سنة تقريباً، وحتى يغير في مواقفه سيحتاج إلى التحدث بشكل أكثر انفتاحاً وتفصيلاً مع الجمهور الإسرائيلي. من جهة أخرى، إذا تم التوقيع على الاتفاق بالفعل، فإن اختيار نتنياهو لعملية عسكرية إسرائيلية ضد المنشآت النووية سيكون مصحوباً بخطر مزدوج: إسرائيل ستجد صعوبة في تعطيل المنشآت التي بعضها متناثر تحت الأرض، بدون مساعدة أمريكية؛ ومثل هذه الخطوة ستؤدي إلى احتكاك شديد مع الإدارة الأمريكية.
رحلة ترامب قد تثمر إنجازات في مجال واحد (صفقات كبيرة مع دول الخليج)، وربما مجالين (أمس لمح باحتمال حدوث تقدم قريب في عقد الصفقة في غزة). تلميحات ترامب قد تستهدف الموضوع الأول، ويظهر أن السعوديين متحمسون لدمج الاتفاقات مع الأمريكيين برفع خطر إيران من جدول الأعمال. ربما تنشأ ديناميكية مثيرة للاهتمام بين ترامب ونتنياهو: بعد أن فاجأه بوقف الهجمات الأمريكية على اليمن، وعلى فرض أن الرئيس يسعى إلى اتفاق مع إيران، فهل يجمد ترامب تطلعات التطبيع بين إسرائيل والسعودية أم سيربط ذلك بوقف إطلاق النار في قطاع غزة؟ من جهة أخرى، هل يسمح ترامب لنتنياهو بفعل ما يريد في غزة كجائزة ترضية عن الضرر الذي لحق بمكانة نتنياهو في قضايا أخرى؟
بدأ جهاز الأمن، الذي يجد صعوبة في تحليل التطورات إزاء سلوك ترامب غير المتوقع، يشعر بأن الأمور بدأت تتحرك. إذا نشرت بيانات في القريب عن اتفاقات إنسانية جديدة في القطاع مثل استئناف تزويد الوقود أو الدفع قدماً باتفاقات مع شركات أمريكية لتوزيع الغذاء على السكان الفلسطينيين، فربما يدل هذا الأمر على تفاهمات أعمق من خلف الكواليس، في الوقت الذي يجند فيه الجيش الإسرائيلي عشرات آلاف جنود الاحتياط ويهدد بتوسيع العملية البرية في القطاع، بعد انتهاء زيارة ترامب للمنطقة.
ليس خاتماً مطاطياً
رئيس الأركان أيال زامير، ألقى أول أمس قنبلة بإصداره تعليماته لقسم القوة البشرية في هيئة الأركان لتعرض عليه وبشكل فوري خطة “لتوسيع وزيادة إصدار أوامر تجنيد للحريديم”، القصد هو إرسال أمر أول لكل شاب بلغ 16.5 سنة، بما في ذلك الحريديم. ومن لا يمتثل يعلن عنه متهرباً من الخدمة. هذه العملية تم تمريرها بـ “الوضع العملياتي وتطور المعركة”، أي النقص في المقاتلين. مصدر رفيع في قسم القوة البشرية قال، أول أمس، في الكنيست، بأن الجيش ينقصه تقريباً 7 آلاف مقاتل.
إن خطوة زامير لن توصل شباب الحريديم إلى الجيش تكون لديهم دافعية للقتال، كما أنها لن تحل مشكلة القوة البشرية في الجيش الإسرائيلي قبل بدء العملية في غزة. ولكن لها تداعيات أخرى؛ أمس ـجرى نقاش لدى المستشارة القانونية للحكومة، غالي بهراف ميارا، حول أزمة قانون التجنيد. وألمح زامير للمستشارة والمحكمة العليا بأنه يدرك خطورة الأزمة، وأنه لا يتساوق مع توقعات الحكومة منه: أن يكون خاتماً مطاطياً بإصبعها في قضية تهز الائتلاف.
هذه رسالة لرجال الاحتياط الذين استدعوا مرة أخرى، والغاضبون بسبب عدم المساواة في تحمل العبء. رئيس الأركان يدرك ضائقتهم ويتماهى معها. ثمة شك بأنه إذا حدث تطور يؤثر على الحرب أو على أزمة التجنيد، فسيزيد زامير الاحتكاك العلني مع الحكومة بشكل يتجاوز الخلاف مع نتنياهو في مسألة أيهما الأسبق: تحرير المخطوفين أم هزيمة حماس؟
عاموس هرئيل
هآرتس 8/5/2025

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية