في المرحلة الراهنة: فرص حقيقية لاعادة تفكيك وبناء السودان؟

حجم الخط
0

في المرحلة الراهنة: فرص حقيقية لاعادة تفكيك وبناء السودان؟

ابوبكر عبد الله ادمفي المرحلة الراهنة: فرص حقيقية لاعادة تفكيك وبناء السودان؟ المرحلة الراهنة تتسم بالدقة وتعقد التحديات التي تواجه السودان كنتاج لتراكمات فشل النخب والفواعل السياسية مضافا اليها مفعلات اضافية افرزتها تحولات البني السياسية والاجتماعية والاقتصادية وطنيا ومحليا ودوليا. ان الصفقات السياسية التي ادت لاتفاقيات نيفاشا وابوجا وغيرهما بدات تتهددها مطامع تقسيم السلطة والثروة بين الحلفاء والزبناء السياسيين. فالبلاد بسبب سيادة العقلية الاقصائية والاستعلائية للنخب الحاكمة مهددة بتدخل دولي ومهددات فعلية لتركيبته السياسية واندماجه الوطني سياسيا واجتماعيا. وهذه المهددات هي تجليات اولية للمقاربة السياسية الخاطئة لحل اختلالات مسار السودان السياسي وتعبير عن اختلال تركيبته الاجتماعية والاقتصادية علي الاقل طوال القرن المنصرم من عمر البلاد.1 ـ تشوهات النخب وفشل مشروع التغيير السياسيكل محاولات التحديث السياسي التي بدات بوادرها في الحقبة الاستعمارية وما قبلها انتهت الي توطيد مخالب التقليد والتخلف. فالثورة المهدية التي نجحت في استيعاب التركيبة الاجتماعية السودانية وتحويلها الي فعل ثوري في ثمانينات القرن التاسع عشر انتهت الي حزب طائفي انبني عليها واستثمر راسمالها الرمزي لتقويض مرتكزاتها الايديولوجية وتعميق ازمة التطور السياسي السوداني.محاولات التحديث السياسي لثورة 1924 واللواء الابيض بعمقها الجماهيري ونزعتها التوحيدية حاصرتها مخالب الاستعمار وقوي التخلف من جهة… وغياب شروط التغيير الموضوعية من جهة ثانية… لتؤرخ لفشل اول محاولة جادة لخلخلة البني التقليدية وبناء كيان سياسي علي ارضية المواطنة والمساواة. ونفس المصير كان للثورات الفكرية التي حاولت تفجيرها مجموعات الفجر والنهضة منذ ثلاثينات القرن المنصرم .كما انتهت تجربة الخريجين وبواكير النخب السياسية المثقفة في اربعينات القرن الماضي الي حزب مثقفين وطني اتحادي سرعان ما تسربل في طائفية اخري احكمت مع سابقتها قيود التقليدية والحداثوية لتكريس ازمة البلاد.اما محاولات القوي العمالية وقوي اليسار السوداني فقد عجزت ـ بسبب ضعفها الذاتي او/ وبنياتها الايديولوجية والفكرية من احداث تغيير سياسي او اجتماعي علي مستوي تحديات البلاد.المحصلة النهائية هي تراكم الاخطاء السياسية ..تفاقم المظالم الاجتماعية … تزايد التوزيع اللامتكافئ للثروات والقيم.. تصاعد المهددات الداخلية والخارجية وتعقد التطور اللولبي للمسار السياسي السوداني طوال نصف القرن المنصرم علي الاقل.واصبحت الساحة السياسة تهيمن عليها الآن نخب قروية تستخدم نسيجا متداخلا من علائق قبلية ودينية وشبه اقطاعية في المجال السياسي.. نخب قبلية عشائرية تشغل رصيدها الوراثي وميكنزماتها الباترمونيالية لفرملة التحول الديمقراطي والتحديث السياسي…. ونخب طائفية تستثمر راسمالها الرمزي التقليدي لتفريغ اي مشروع لتغيير جذري من محتواه وتعبئته بعبوات تقليدية تفسر تناقضات المؤطرات السياسية السودانية وبؤس ممارساتها علي مستوي ادائها الذاتي وانعكاسات دورها وطنيا. هذه الانواع الثلاثة من النخب تتسم بالحداثوية بمعني انها تقليدية من زاوية محتواها الفكري والايديولوجي ولكنها في نفس الان تسَيج نفسها بترسانات من ميكنزمات حديثة افرزها تطور الحقل السياسي بهدف السيطرة عليه وتعطيله من اجل تنفيذ مشروعها المتناقض مع طبيعة المرحلة الراهنة وضروراتها.تتعايش مع هذه النخب الحداثوية نخب اخري تقليدانية.. بمعني انها نخب افرزتها عمليتا الحداثة والتحديث السياسي والاقتصادي في السودان وهي بذلك اكتسبت مضامين فكرية وايديولوجية حديثة غير ان تركيبتها النفسية والاجتماعية ما زالت مشبعة بولاءات وقيم تقليدية متعايشة مع حداثة اصبحت سربالا خارجيا يستر عقلية تقليدية تنكشف من خلال ممارساتها السياسية وتردداتها الفكرية.. وما يجعل الامر اكثر تعقيدا هو مقدرات القوي الحداثوية علي استقطاب واحتواء قوي المثقفين باستخدام راسمالها الرمزي تارة والمادي تارة ثانية بالاضافة لجاذبية الجاهز من الرعايا والاتباع ونجاحها في عقد صفقات سياسية انتهازية علي الاقل منذ أواخر الثلاثينات وحتي يومنا هذا. ان هذه الثنائية ـ التقليدانية والحداثوية ـ التي لازمت النخب السياسية منذ مراحل تكوينها الاولي افرزت ازمة المسار السياسي السوداني وعقدت عملية تطوره وجعلت اي عملية لتحقيق تغيير جذري غير ممكنة موضوعيا ما لم يتم تجاوز هذه البني المشوهة ثوريا بصياغة بني وأطر سياسية بديلة… لها رؤي منسجمة وفكر حداثي قادر علي فهم حقيقة التركيبة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية…، ونابع عنها…. وتعمل من اجل الدفع بالتطور السياسي السوداني في اتجاه التقدم والمساواة السياسية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية.2ـ ازمة توزيع القيم والموارد فهم التركيبة السودانية لا يتوقف عند النظر نقدا الي تشوهات النخب السودانية ومؤطراتها السياسية التي فشلت في معالجة اختلالات المجال السوداني ولكن لا بد ايضا من معاينة مسببات هذه الاختلالات في سياقاتها التاريخية والاجتماعية ومحدداتها الخارجية.فالتوزيع الجائر للموارد والقيم في السودان يجد تفسيراته جزئيا في اختلاف انماط الانتاج وانماط تشكل البني الثقافية والاجتماعية تاريخيا ومدي تاثير ذلك علي تراتبية القيم المادية والرمزية مما ادي الي احتكار المجال السياسي من طرف قوي اجتماعية وثقافية محددة تتموضع في اطار جغرافي قابل للتعيين.تقوم فرضيتي علي ان سيادة انماط الانتاج التقليدية والطبيعية في الجنوب والغرب والشرق واجزاء من الشمال لها دور تفعيلي ان لم نقل حاسم في تهميشها مقارنة بالوسط المهيمن الذي عرف انماط انتاجية اكثر حداثة علي الاقل منذ الاستعمار الانكليزي بمشروعاته التي تمركزت فيه. ان اختلاف انماط الانتاج لا يساهم فقط في معاينة مسببات التفاوت الاقتصادي واشكالات التنمية غير المتوازنة بين ارجاء السودان المختلفة بل انه يساهم ايضا في تفسير سيادة الوعي التقليدي في هذه الهوامش مما جعل تجييش ابنائها كرعايا واتباع للقوي التقليدية ممكنا بدرجة اكبر من الوسط واجزاء من الشمال حيث ميلاد فئات اقتصادية وسياسية تتوزع بين قوي التغيير رغم تشوهاتها وبرجوازيات تجارية وزراعية رغم افتقارها للوعي البرجوازي في سياقه الغربي. من زاوية النظر هذه تبقي التنمية المتوازنة ليست ضرورة اقتصادية واجتماعية فحسب بل هي ضرورة سياسية ايضا لانها تعمل علي تجفيف منابع الاستغلال في الارجاء المهمشة بتحديث البنيات الاقتصادية والاستغلال الناتج عن سيادة علاقات الانتاج التقليدية علي مستوي الهوامش وفي علاقتها بالمراكز المهيمنة اقتصاديا في وسط البلاد وخارجها.تتشابك هذه البني الاقتصادية المتخلفة في الارجاء المهمشة مع انماط ثقافية اصبحت ـ بفعل عوامل تاريخية معينة ـ علي هوامش الثقافة العربية المهيمنة في وسط البلاد وشماله. وقولنا بهيمنة الثقافة العربية ليس حكما قيميا كما قد يتبدي للبعض بل هو توصيف لواقع سوسيوثقافي افرزته معطيات تاريخية محددة. فالهيمنة كما نراها مناقضة للسيطرة القائمة علي القوة.المهم ان درجة التعريب العالية في شمال ووسط السودان اكسبت سكان هذه المناطق هوية ثقافية عروبوية ذات طابع تقليدي اصبحت مهيمنة علي ثقافات الارجاء المهمشة لعدة عوامل اهمها مركزية الثقافة العربية ومقدرتها للتفاعل ايجابا مع ثقافات معظم الهوامش بحكم اسلامهم الذي يتماهي مع العروبة تماهي الجسد بالروح، وكذلك بسسب التوظيف الايديولوجي المكثف للعروبة من طرف القبائل الشمالية وربط شجـــــرة انسابـــهم باسرة النبــــي (صلي الله عليه وسلم) بما لذلك من شحنات ايديولوجية عالية ساهمت في خلق تراتبية اجتماعية مبنية علي وهم النسب لال البيت. هذا التوظيف الايديولوجي يبين سمو عروبة الشمال والوسط علي عروبة قبائل دارفور وكردفان والشرق التي تشاركها الانتماء العروبوي حتي في مفهومه التقليدي.فالقبائل العربية في غرب السودان والتي دخلت اليه عبر بوابته الغربية لم تربط عروبتها بالنسب النبوي او تحاول استثمارها سياسيا ولذلك اصبحت علي هوامش العروبة التقليدية في السودان ومفعولا بها في المجال السياسي باستخدام النخب الحاكمة للدين تارة والعروبة تارة اخري. اما القبائل المسلمة غير العربية او الاقل استعرابا فقد رضخت عن رضا للايديولوجيا المهيمنة ثقافيا… ولان العروبة والنسب النبوي الموظف بواسطة القبائل المهيمنة يشكلان جوهر عقيدتهم تم موضعتهم في تراتبية اجتماعية ادني. حتي هذه اللحظة لم تكن الثقافة العربية نتاج صياغات الطبقة الحاكمة لاحكام سلطتها بل هي بنيات لها دورها المستقل في تنميط التراتبية الاجتماعية بحكم قبولها الطوعي. ولكن النخب الحاكمة بحكم تشوهاتها التركيبية والنفسية وانتماءاتها الجغرافية والثقافية تمكنت من توظيف هذا المعطي التاريخي والموضوعي في احكام سيطرتها علي السلطة خلال اكثر من مائة عام ووصل هذا التوظيف اعلي مراحله مع نظام الجبهة الراهن. وما جعل الامر اكثر تعقيدا وسلبية فشل قوي الثورة العربية في صياغة رؤية للهوية والمسألة الثقافية ترتكز علي مركزية الثقافة العربية وقدرتها علي الانفتاح علي الثقافات الاخري تفاعلا وذلك ربما لعيوب في تكوينها الذاتي وعجزها في فهم الواقع الاجتماعي وسياق تركيبتها المعقدة وعلاقاته بمحيطه الثقافي الاوسع عربيا وافريقيا.والمحصلة النهائية هي سيادة العروبة التقليدية في الشمال والوسط الاكثر تطورا كقيم اضافية لتطورها الاقتصادي ليصبح هذا الجزء من البلاد علي قمة التراتبية الاقتصادية والاجتماعية في السودان. ان التباين في البنيات الاقتصادية بين الوسط واجزاء من الشمال وباقي السودان بجانب التوظيف الايديولوجي للعروبة بمفهومها التقليدي القائم علي النسب النبوي والسلالة ساهم بقدر ما في توفير الارضية لعدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية. غيـــر ان تشوهات النخب السياسية التي حكمت البلاد خلال نصف القرن المنصرم لم تفشل فقط في وضع وتطبيق سياسة اقتصادية متوازنة بل ايضا كرست ازمة هوية البلاد بفشلها في فهم التركيبة الاجتماعية واحيائها للولاءات القبلية والطائفية تارة واستثمارها للولاءات الدينية تارة اخري في لعبة الاقصاء والاحتواء التي ادمنتها. وعليه نقول باننا لم نر في السودان ما اطلق عليهم مدرسة اهل النظر والفعل ـ لا في احادية نظرهم او تعدديته ـ كما ظن مخطئا منصور خالد في رؤيته لـ ظواهر السياسة السودانية . (انظر السودان: النخبة وادمان الفشل ص 79) رغم دقة توصيفه لادمان نخبنا للفشل بسبب التهميش الذي يحدثه تعايش ولاءات متناقضة.3 ـ مهام وحدود الفعل الثوري لحركات الغرب بسبب هذه الظلامات التاريخية وعجز النخب السياسية الحاكمة والمعارضة كانت ثورات الهوامش التي هددت وجود الكيان السوداني وفتحته لمهددات التدخل الخارجي منذ اواسط خمسينات القرن المنصرم وحتي يومنا هذا. كانت الشرارة الاولي من الجنوب الذي عاني من استعلاء العروبة التقليدية والتنمية غير المتوازنة وعقلية النخب التقليدانية والحداثوية الحاكمة. ثم توالت الثورات عاصفة. ولكن السؤال كيف يمكن لهذه الثوارت تصحيح اخطاء الماضي؟ كيف يمكنها احداث التغيير الاجتماعي والتحديث السياسي والتنمية المتوازنة؟ في تقديري الحل هو في فعل ثوري وسياسي ومدني تتشابك فيه ارادات قوي التغيير بوسائلها المختلفة لتقويض بني السلطة القائمة واعادة تركيبها بكيفية تستجيب لمطالب الشعب السوداني. فعل ثوري يقوم بتفكيك الولاءات التقليدية من قبلية وطائفية ودينية ويساهم في تركيب البنية الاجتماعية والسياسية علي اساس ولاء وطني شامل. فعل ثوري يتجاوز العقلية التصالحية المرتكزة علي امكانية احداث تحول ديمقراطي لنظام انتهازي فاقد للشرعية السياسة في وجوده والمشروعية القانونية في ممارساته. فعل ثوري قادر علي معاينة ومعالجة تظلمات الاطراف المهمشة جغرافيا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا. ولا يتم ذلك الا بفهم التركيبة السوسيوسياسية والاقتصادية للسودان وهويته.هذا الفعل الثوري قد تكون شروطه اكثر تحققا في الوسط الاكثر تطورا غير ان ثورات الارياف والهوامش في الغرب والشرق قد تكون المحرك الاساسي له. لقد ساهم الجنوب في اشتعال شرارة الثوره في تشرين الاول (اكتوبر) 1964 غير ان قوة الولاءات التقليدية وقدرة الاحزاب التقليدية علي المناورة ساهمتا في فشل المشروع الثوري في التغيير الجذري بعد شهور قليلة من تحقيق هدفها الاوَلي في التغيير السياسي. الآن تبقي امام ثورات الهوامش الاخري ـ بعد اتفاقية نيفاشا ـ مهمة خلخلة البني التقليدية للسلطة الحاكمة من خلال تقوية الاتجاهات التغييرية بالوسط والاطراف ببناء تحالف موضوعي معها.حتي بعد اتفاقية ابوجا ما زال للغرب دور في تحدي شرعية النظام الراهن واخلاقيته. فحركات مثل حركة تحرير السودان الكبري وحركة الخلاص وغيرهما ما زالوا يطعنون في شرعية النظام القائم بكل مكوناته ويعملون من اجل تغييره لا تقويمه. بمعني ان التحدي القادم من الغرب يجب التعامل معه بجدية حتي بعد اتفاقية ابوجا واتفاقية ابو القاسم امام الاخيرة لاسباب عسكرية وسياسية داخليا ودوليا. في تقديري ـ وبغض النظر عن تداعيات التحالفات الاقليمية والدولية لحركات التمرد ـ ان اي مقاربة اقليمية او انعزالية لحركات التغييرالعنفي او السياسي في الغرب مآلها الفشل ليس فقط بسبب قوة الولاءات العشائرية والقبلية المتشابكة مع ولاءات طائفية تشكل عوائق للتحديث السياسي والدمقرطة في الغرب وغيره، بل ايضا بحكم تداخل التركيبة الاجتماعية بشكل مكثف بين غرب السودان والوسط بسبب الهجرات وروابط ثقافية واقتصادية وتاريخية متعددة. ان ضرورة انفتاح ثورات وحركات الغرب علي القوي الثورية والديمقراطية الاخري تدعم مواقفها الثورية اثناء مرحلة الثورة وكذلك بعد مشاركتها في السلطة في حالة نجاح المفاوضات الراهنة. لان مشروع التنمية المتوازنة وتقويض البني التقليدية والعدالة الاجتماعية التي تسعي حركات التمرد لتحقيقها هي مهام تاريخية تحتاج لتحالف القوي التي لها مصلحة في التغيير وتضافرها لان القوي التقليدية كما يحدثنا تاريخنا الحديث لها قدرة عالية علي التحالف فيما بينها عند مواجهتها بمهددات حقيقية لمصالحها. ان المحددات الداخلية والخارجية بما فيها من محاذير تفتح فرصا حقيقية للعمل علي تفكيك واعادة تركيب بنيان سودان اليوم اذا ما نجحت القيادات الثورية وقواها في تطوير استعداداتها وامكاناتها الثورية وتوحيد قواها الذاتية والانفتاح الايجابي علي حلفائها الموضوعيين.ہ قانوني سوداني مقيم بلندن 8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية