في المهرجان المتوسطي للفيلم القصير بطنجة: رصد للتحولات الاجتماعية والسياسية والنفسية

حجم الخط
0

عبد السلام دخانتوج الفيلم التركي ‘الدراجة’ إنتاج وسينارية وإخراج سرحات كراسلان تشخيص بران سلمان، محمد أونال، موسى كراكوز بالجائزة الكبرى للدورة التاسعة للمهرجان المتوسطي للفيلم القصير، الذي نظم من ثالث إلى ثامن تشرين الثاني/أكتوبر 2011. بسينما الروكسي بطنجة وعادت جائزة لجنة التحكيم لفيلم ‘الطريق على الجنة’ لهدى بنمامينة من المغرب، أما جائزة الإخراج فكانت من نصيب فيلم ‘نقيض’ لجورج كريكوراكيس من البوسنة و الهرسك، في حين حصل فيلم ‘بلباس رسمي’ لإيرين زووي ألاميدا من إسبانيا على جائزة السيناريون وخصصت هذه الدورة جائزة جديدة حملت إسم جائزة الشباب منحت لفيلم’مسارات غير مرئية’ ل لوك والبوط من إيطاليا. ومنحت لجنة التحكيم تنويهات خاصة لكل من ‘هل سترحل؟’ لكريستينا مولينو من إسبانيا، و’وداعا أنستيس’ لديميتريس كانيلوبولوس من اليونان، والممثل محمد الخلفي في دوره في فيلم’أمواج الزمن’ لعلي بنجلون من المغرب، والممثلة سندس بلحسن في دورها في فيلم’ موجة’ لمحمد بنعطية من تونس.

البداية: الذاكرة 14اختار المركز السينمائي المغربي الشريط القصير’الذاكرة 14′ للفنان والشاعر والمخرج أحمد البوعناني الذي يقدم صورة عامة عن الوضع الذي عاشه المغرب خلال مرحلة الاستعمار عندما كان المغاربة متحدين في المطالبة بالحرية والاستقلال. منطلقا لأشغال المهرجان المتوسطي للفيلم القصير بسينما الروكسي في دورته التاسعة التي اتسمت بمشاركة خمسة أفلام مغربية مشاركة في المسابقة الرسمية لهذه التظاهرة السينمائية، أشرفت على انتقائها لجنة ترأسها المخرج علي الصافي، وذلك بعد مشاهدة 61 عملا. ويتعلق الأمر بأفلام ‘الطريق إلى الجنة’ لهدى بنيامينة و’مختار’ لحليمة ورديغي و’أمواج الزمن’ لعلي بنجلون و’القرقوبي’ لجايس زينون و’أوندرويد’ لهشام العسري. وضمت لجنة الانتقاء، بالإضافة إلى رئيسها، النقاد أحمد بوغابة ومولاي ادريس الجعايدي ومحمد بلفقيه ومحمد الخيتر. ويشارك في هذه الدورة كل من إسبانيا، فرنسا، اليونان وتركيا بخمسة أفلام ومصر بأربعة، بينما تشارك الجزائر بفيلمين قصيرين، ‘غدا الجزائر’ لأمين سيدي بومدين و’رجل أمام المرآة’ لزكريا سعيداني، وتشارك إيطاليا، البرتغال، تونس بثلاثة أفلام أما الباقي فيشاركون بفيلم واحد. ويترأس لجنة تحكيم الدورة التاسعة الناقد السينمائي المغربي محمد باكريم، فيما تضم عضوية لجنة الدورة التاسعة للمهرجان كلا من المخرجة الجزائرية يمينة بشير شويخ، الصحفية والناقدة السينمائية اللبنانية فيكي حبيب، الممثلة المغربية السعدية لديب، المنتج الفرنسي إيمانويل بريفو، المخرج الإيفواري كيتا توريه والمخرج المغربي جمال بلمجدوب. وشارك في المسابقة الرسمية للمهرجان 20 دولة متوسطية بـ 55 فيلما قصيرا ذكر بلاغ للمركز السينمائي انه تم إنتاجها بين 2010-2011. مسارات المهرجانبدا واضحا مند اليوم الأول لهذه التظاهرة السينمائية التي تزامنت مع عرض الأهرامات في أثينا للمخرج اليوناني يولاندا ماركوبولو، وكاراكوز للجزائري عبد النور زحزاح، الموكب لإسباني مارينا سيريسكي، وبياع الورد لفلسطيني إيهاب جاد الله، وشمال الأطلسي للبرتغالي برناردو ناسيمينتو، ورحلة بلا عودة أخر محطة مطار فرانكفورت للتركيي كوكلو يامان، و ديان وبلينكتون للفرنسي أرنو ديباليير، وإعادة التصنيع لبرانكو إسطفانسيتش من تركيا، وكازوس بيلي ليوركوس زوس من اليونانن وكان ممكنا ان اكون عاهرة لبابا قاسمي من فرنسا، وأمواج الزمن لعلي بنجلون من المغرب، ومقاتلون صغار لأيفانا لالوفيتش من البوسنة والهرسك، و5 جنيه لمحمد أديب من مصر، و المنزل على التلة لحمدي ميلي إيلماز من تركيا، والسباق الكبير لكوطي كاماتشو من إسبانيا… مدى التناسفية الفيلمية لهذه الأشرطة التي تتمتع بطاقات ميلودرامية، واستيهامات نابعة من قوة الصور وقدرتها على الحوار، فضلا عن التقنية العالية للتأطير الفيلمي الذي استطاع تجسيد روئ يتداخل فيها السياسي والفكري والإجتماعي. وقد لقي فيلم ‘شمال الأطلسي’ (2010) لبرناردو ناسيمينتو من البرتغال اهتماما من قبل النقاد والمتتبعين لفرادة الموضوع وجماليات التصوير وقال ناسيمينتو إن قصة الفيلم، التي تحكي عن تلقي مراقب للملاحة الجوية بجزر الآزور إشارة من طائرة تعاني مشاكل تقنية فوق الأطلسي، وكيف سيتحول الاتصال الذي تم بينهما إلى صداقة لن تستمر طويلا لكون الطائرة ستفقد في البحر، تتكرر مرارا في أماكن أخرى وبصيغ متعددة. ونفس الترحاب لقيه فيلم’رحلة بلا عودة- آخر محطة مطار فرانكفورت’ (2010) للمخرج التركي كوكلو يامان، لقصته وعدد الممثلين المشاركين فيه، وللحكي السينمائي الرائع الذي قدم في 25 دقيقة كيف سيسجل السوداني عامر عجيب، الذي أراد الإبلاغ عن سرقة سترته، مهاجرا سريا بألمانيا التي كان يحيى بها لاجئا سياسيا. ويعد شريط’أمواج الزمن’ (2011)، إعلانا عن بداية الحضور المغربي في أشغال هذه المنافسة وهو أول عمل لعلي بنجلون ابن المخرج المغربي حسن بنجلون ويحكي فيه، في 19 دقيقة، عن لقاء سعيد العجوز المنعزل بشاطئ مهجور بالمهدي الشاب الغامض، ودعوة العجوز للشاب إلى بيته، وكيف رفضت الزوجة الرسامة والباحثة عن الإلهام الترحيب بغريب في بيتها. وهو شريط تألق فيه الفنان المقتدر محمد الخلفي واستطاع ان يرصد تداخل النفسي وبالخيالي ن وتساوق الحكاية والرسم والموسيقى بشكل متميز.

وعرفت أشغال هذا الملتقى السينمائي عرض فيلم ‘انفلونزا’ لرياض مقدسي من سوريان و’يدكم الصغيرة’ لسارة هريبار من كرواتيان و’ رجل أمام المراة’ لزكرياء سعيداني من الجزائر، و ‘مختار’ لحليمة ورديغي من المغرب، و’موجة ‘لمحمد بن عطية من تونس، و’ مي هاتجي ‘لدونيس ميتين من تركيا، و ‘السندرة’ لمحمد شوقي من مصر، 2 2/1′ لإيلي كمال’ من لبنان، و ‘أنا كل ما أردت الحصول عليه ‘لداني كوملين من صربيا، و’نار أورفيوس’ لجون سان جيرمان من فرنسا، و’بلباس رسمي ‘لأيرين زووي ألاميدا من إسبانيا، و ‘أثر’ لسيمجي كوكبايراك من تركيا، و 13/2/1 لهاريس فافييديس من اليونان. وعرفت قاعة سينما الروكسي المفعة بثقل الصور ورائحة الحياة عرض الشريط القصير’ أغنية لحورية البحر’ لسافاس سطافرو من قبرص وهو فيلم يسرد قصة يتداخل فيها الحلم بالحزن لامرأة تحاول الإنتحار لكن أغنيتها لحورية البحر تغير مجرى الحياة فتجلب لها شابا. وفيلم ‘نقيض’ لجورج كريكوراكيس من البوسنة والهرسك الحافل بجماليات الأبيض والأسود يجسد تيمة الخوف في أقصى درجاتها لأب يحاول أن يحمي ابنه ونفسه.

أما فيلم القرقوبي لجايس زينون من المغرب، فيقدم تجربة شاب مدمن على ما يعرف بمخدر القرقوبي يجد نفسه في الأخير أمام مصير مجهول، وميزة هذا الفيلم لا تكمن في درامية المحكي الفيلمي ولكنها تكمن في الطريقة الجمالية التي سعى من خلالها المخرج على تقدير صوره للمشاهد، فضلا على القوة الدلالية لموضوع الإدمان وما يترتب عنه من اختلالات اجتماعية. وقريبا من هذه التيمة قدم المخرج إيرفين كوتوري من ألبانيا شريطه الموسوم ب: ‘ماء متحجر’ ويسرد هذا الفيلم حكاية شاب يبلغ من العمر 18 سنة رغم أنه يعيش مع أبيه إلى أن انطوائيته جعلته في عزلة عن العالم، وتدخل امرأة حياة والده الذي لم يعمر طويلا ن فيجد الشاب الإنطوائي نفسه امام واقع جديد وتحديات تحتم عليه الانخراط في الحياة الجديدة وفك العزلة. وقدم المخرج كينيث سيكلونا تجربة مغايرة عبر شريطه المعنون ب ‘تلاطم المطر’ تجربة صبي عاجز عن تجاوز بيئته القاتمة في ميناء قديم. وحمل فيلم عز الدين سعيد تجربة صوفية لشاب مصاب بحيرة حول مرتبطة بضريح مولانا الذي لا يعرف سبب تسميته ولا هويته صاحبه. فتبدأ رحلة البحث عن السبب. و’منقد’ هو عنوان الشريط الإيطالي لبرينو و فابريزيو أورسو الحافل بجماليات الصورة السينمائية الممزوجة بألم ألفيو وماريا في تأسيس أسرة وسط الإهمال وانعدام الأمن الاجتماعي في قلب جزيرة صقيلية. وبجوار هذه الأفلام يؤسس شريط ‘تحت العقاب ‘لبيير ماري جيزكوبل من البرتغال مساحة من التلقي لتجربة نفسية مؤلمة لصامويل الذي عانى لسنوات من الحراسة والعقاب تستمر معه حتى بعد وفاة والديه. الفيلم الإيطالي مسارات غير مرئية يعاكس السياقات السالفة الذكر ويرسم لنفسه مكانا في ذاكرة المتلقي عبر قوة الحكاية لرجل في الخمسينات من عمره يبحث عن فاتنته التي يتذكرها وهي في ريعان شبابها في محطة القطار والحانة والقرى ن ولعل هذا الأمر هو ما يفسر حضور صوت الراوي العليم الذي كان ينوب عن صوت الصورة وهذه المراة التي يقدمه في كل مرة ومكان بإسم مختلف لاوجود لها لان مسعى الرجل الحقيقي هو خلق سعادة للناس الذين يفضلون الحكايات التي تنتهي بنهاية جميلة.

وتحضر المرأة مرة أخرى من خلال شريط هودا بنيامينة من المغرب المعنون ب: ‘الطريق على الجنة’ ويقدم حكاية امرأة تعاني مع طفلها وطفلتها مأساة بضواحي فرنسا. حياة الطفلين الذي يحرمان من متابعة دراستهما بشكل قانوني، وحياة الأم التي لاتنفك تسأل عن الأب المتواجد ببريطاني والذي تركها تتسول في الشوارع وتمتهن الرقص من أجل ضمان استمرارية الحياة لطفليها واجمع المال للالتحاق بالزوج الهارب، لكن الأم تحرم من مسكنها العشوائي بالضواحي، وتحرم من طفليها بعد أن ثم القبض عليهما من طرف الشرطة رفقة المصالح الإجتماعية. والبعد الإجتماعي يحضر هو الأخر في شريط’ الأشياء التي لم نقم بها معا’ لمارتين تورك من سلوفينيا وهو شريط راهن على الكثافة الدلالية للسرد الفيلمي المقدم بالأبيض والأسود والمقتصر على جملتين فقط تاركا لتقابل الصور فرصة لتشييد حوار من أجل الإحتفاء بعيد الميلاد رغبة في انطلاقة جديدة. الفيلم اليوناني وداعا انستيس خالف الأشرطة السابقة لكون يقدم تجربة شخصين يسعيان على بيع حماريملكانه في البادية، وهنا يتداخل الشعور النفسي بجماليات الريف اليوناني. ويتساءل المشاهد بسينما الروكسي من هي البيضاء المقصودة في فيلم مريم ريفاي التونسية التي سبق لها وقدمت شريطها الأول في 2005 بطنجة. ليلى بطلة الفيلم تستحضر جانبا من طفولتها وتتذكر الاغتصاب الذي تعرضت له فتقرر كسر طوق الصمت والبوح لامها عن ماتعرضت له من معاناة.

إن المتخيل السينمائي لدول البحر الابيض المتوسط انطلاقا من هذه التجارب السينمائية يتشارك في سمات متعددة منها العزلة والظواهر اجتماعية مثل الإقصاء والإغتصاب، فضلا عن حضور المكان المفتوح بشكل قوي في جل الأعمال السينمائي القصيرة المقدمة في الدورة التاسعة لمهرجان الفيلم المتوسطي القصير بطنجة شريط ‘الدراجة’ التركييتسم شريط الدراجة التركي المتوج بالجائزة الكبرى للدورة التاسعة للمهرجان المتوسطي للفيلم القصير بطنجة بسمات جمالية متعددة، ولعل أهمها احتفاءه بجماليات الصورة باعتبارها لغة سينماية قادرة على منح الشريط دلالات قوية، وهذا ما يفسر انعدام السيناريو كشكل لغوي مساهم في تأسيس المعنى الفيلمي والاعتماد على حوارية الصور والألوان والرؤية انطلاقا من تبدل المواقع والزوايا. وإذا كان السرد الفيلمي بسيطا في بناءه وفي إطارات الزوم السيمائي فإنه عميق في تشكيله الدائري الذي جعل منه عملا مدهشا. قصة الشريط تبدأ بحصول الطفل رفقة والده على دراجة بين القمامات، دراجة نتقصها عجلة يهبها له رجل مسن. الطفل الذي استقبل الهدية بفرح كبير انتبه إلى وضعية هذا المسن من جراء فقدانه لحداء يقيه ألم البرد، ففضل أن يهديه حداء أبيه، يتألم الطفل مرة أخرى لوضعية والده فيقرر بيع دراجته وشراء حداء جديد لوالده. هذه الدائرة السينمائية المفعمة بطاقة درامية تتساوق مع الألوان القاتمة للشريط في دلالة واضحة على قتامة الحياة لأناس كتب لهم أن يتذوقوا مرارة العيش في الهامش.

أسئلة معلقةتساءل المتتبعون لأشغال هذا المهرجان عن مدى انتماء شريط ‘الطريق على الجنة’ لهدى بنيامينة التي قدمت سابقا فيلما’ قمامتي العملاقة’ من المغرب لجنس الشريط القصير لأن مدته 39 دقيقة جعلت منه شريطا متوسطا، وربما يعكس مشروع فيلم طويل لم يكتمل، وهو شريط يصور مأساة ليلى التي تعيش رفقة طفليها سارة وبلال بالضواحي الفرنسية في مسكن يتقاسمانه مع رجل شاذ. فيلم الاستحالة: استحالة التحاق الزوجة بالزوج قادر بإنجلترا، واستحالة متابعة الطفلين لدراستهما بشكل قانوني، واستحالة العمل بكرامة، واستحالة السكن. وأمام الأداء المتميز لماجدولين الإدريسي فان لقطات طويلة مثل أداء الرجل الشاذ لأغنية بالحانة ولقطة الرقص، جعلت هذا الشريط مرتبطا بسائلة محرجة حول استحقاقه لهذه الجائزة.

أمام قوة الأفلام اليونانية وقدرتها على رصد الإختلالات الاقتصادية والنفسية والتحولات الإجتماعية، لم تتمكن المشاركة اليونانية من الوصول على منصة التتويج والوفاء لذاكرة السينما اليونانية الحافلة بالعطاء مثل تحفة الراحل مايكل كاكويانيس صاحب’ زوربا اليوناني’ أداء انطوني كوين في 1964، وترشح هذا الفيلم لثلاث جوائز أوسكار.

إضافة على أسماء وازنة في تاريخ السينما العالمية مثل ثيوانجيلومبولوس، و كوستا غافراس.

عرفت الدورة التاسعة لمهرجان الفيلم القصير المتوسطي غياب بعض المخرجين عن تقديم أفلامهم أو مناقشتها في الجلسات الصباحية التي تعكس مرة أخرى ندرة الوعي النقدي السينمائي. مرة أخرى يجدد المخرج المغربي نبيل لحلو احتجاجه على الجهات الوصية التي حرمته من تمويل يمكنه إنجاز م اتبقى من فيلمه الجديد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية