للمرة الأولى ينصفنا التاريخ، للمرة الأولى يجتمع العرب على فرحة موحدة. لقد استطاع الفريق المغربي بفوزة على الفريق الإسباني منح عالمنا العربي بهجة عارمة أعادت لنا الآمال والأضواء. إنها السعادة التي لطالما انتظرناها وقد قدمها لنا «أسود الأطلس» بشجاعة وحرفية ساحرة. لعبوا بعزيمة وكانوا مدعاة لفخرنا. كانت قلوبنا تقفز مع كل حركة يقومون بها على ستاد المدينة التعليمية في الدوحة.
هكذا اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بالصلوات والدعاء قبل بداية المباراة. وحين جاءت اللحظة المنتظرة بكينا من شدة السعادة، صغارا وكبارا، صحافييون ومشاهير ومسؤولون. لم يبق عربي لم يشارك فرحته مع المغرب. في لحظة النصر لم يعد المغرب للمغاربة وحدهم بل أصبح للعرب في كل أنحاء العالم وكأن لحظة فوز الفريق كانت لحظة ولادة لشعلة من المحبة تجمع العالم العربي كله من المحيط إلى الخليج.
لقد رفع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني علم المغرب وصفق فرحا بتأهل المنتخب المغربي. أما الشيخ محمد بن راشد حاكم دبي فقد كتب على حسابه الرسمي في تويتر:
«المستحيل ليس مغربيا ولا عربيا … أسود ورجال المغرب بكم نفخر ونفاخر العالم».
وفي أوج لحظات الفرح لم ينس اللاعبون رفع علم فلسطين خلال احتفالهم بالتأهل التاريخي وصعود المنتخب إلى ربع نهائي كأس العالم، فلسطين التي كانت طوال المونديال أجمل الحاضرين، وكأنهم أرادوا بذلك أن يؤكدوا للعالم كله رفض الشعوب العربية للتطبيع جملة وتفصيلا.
وفي غزة، كان هناك عرس جماهري للاحتفال بالنصر الذي حققه المغرب. رقص وهتافات وغناء وغبطة أنست المدينة نزيفها وبنّجت الآلام. جماهير فلسطينية غفيرة رفعت اسم المغرب واحتفلت بالإنجاز التاريخي وكأنه إنجازها… روح عربية واحدة وقلب واحد. وقد علق أبناء غزةعلى فوز المغرب وكان أبرزها تعليق لامرأة فلسطينية كتبت على انستغرام:
«أول مرة في حياتي أشجع المغرب ليس من أجلي ولا من أجل المغرب. اليوم شجعت المغرب من أجل غزة، من أجل ابتسامة أطفال المخيمات، من اجل فرحة الشعوب العربية والإسلامية كلها … نعم هي كرة لكنها وحدتنا».
كما أنجز تأهل منتخب المغرب التاريخي إلى ربع نهائي كأس العالم 2022، فرحة استثنائية في الجزائر، سواء عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو في المقاهي والشوارع والطرقات. هذا الإنجاز التاريخي كسر المناوشات الإعلامية بين البلدين. ويأمل كثيرون أن يتخطى ذلك إلى المستوى السياسي. وقد نقلت الفيديوهات والصور الأهازيج والهتافات في الشوارع الجزائرية، وتحولت مقاهي الجزائر بعد إعلان نهاية مباراة المنتخب المغربي ضد نظيره الإسباني بالفوز بركلات الترجيح، إلى ساحة من الفرح والبهجة بمجرد إطلاق الحكم الأرجنتيني فيرناندو راباليني صافرة نهاية المباراة.
كما أظهرت شاشات التلفزيون أعدادا من الجزائريين يرتدون قميص «الخُضر» إلى جانب الجماهير المغاربية، فوق مدرجات ملعب المدينة التعليمية في الدوحة ويهتفون بصوت واحد «الجزائر والمغرب خاوة خاوة… ما في عداوة». وكتب اللاعب الدولي الجزائري إسماعيل بن ناصر: «ألف مبارك للإخوة. المغرب العربي فخور بكم». وإلى جانب كلماته صورة للعلم الجزائري والتونسي والمغربي. وقالت قناة «سكاي نيوز عربية» إن الممثل الجزائري محمد خساني نشر مقطع فيديو على صفحته لحظة فوز المنتخب المغربي، حيث بدت الفرحة غير عادية في أرجاء المقهى الذي شاهد فيه المباراة في مدينة وهران شمال غربي الجزائر. أما الإعلامي الرياضي حفيظ دراجي فقد كتب على صفحته في فيسبوك: المنتخب المغربي يفعلها، ويبلغ ربع نهائي كأس العالم بجدارة بعد مجهود بطولي كبير على مدى 120 دقيقة لعب، صمد فيها «الأسود» أمام الإسبان، وصنع فيها الحارس البارع ياسين بونو الفارق في ركلات الترجيح. ألف مبروك للمغرب وجماهيره الرائعة.
عودنا الجمهور الجزائري على أن يحضر في مناسبات كثيرة، متعاليا على السياسة ودهاليزها وحساسياتها، يفرحون للمغرب كما يفرحون للجزائر، يرفعون أعلام فلسطين والمغرب كما يرفعون علم الجزائر.
الفريق المغربي حكاية محبة
ومن أجواء الاحتفالات إلى طقوس وقصص مفعمة بالمحبة يعيشها الفريق المغربي من بينها تلك العلاقة الوطيدة التي تجمع مدرب المنتخب وليد الركراكي بفريقه. ففي حديث له على موقع «فيفا» أشار إلى أنه يسمح للاعبين بلمس رأسه. قد تكون طريقة تواصل فريدة بين المدرب واللاعبين توحي بالتكاتف والمحبة، أو ربما من باب المزاح والضحك للحفاظ على أجواء مرحة ضمن الفريق. انتشرت صورة الركراكي مع فريقه وهم يضعون أيديهم على رأسه كالنار في الهشيم لما تحمله من تضامن وأخوة.
وقد عرف الفريق المغربي بإيمانه الكبير، فبعد كل فوز يسجد كل اللاعبين في أرض الملعب شاكرين الله عز وجل، رافعين صلواتهم في صورة أخرى تعكس جمالا لا يوصف.
أما الفيديوهات التي حازت على إعجاب رواد التواصل الاجتماعي وانتشرت بصورة واسعة على الصفحات الالكترونية كانت تلك القبلات المقدسة، قبلات من نوع آخر محملة بكل معاني الحب والعرفان والتقدير… لحظات مؤثرة.
فبعد كل مباراة كان يحرص كل من أشرف حكيمي وحكيم زياش على طبعة قبلة على جبيني أميهما. إنها الفرحة التي لا تكتمل إلا بوجودهما في كل المحافل، يحلقان بهما يضمانهما مما أثار إعجاب الملايين من الأشخاص.
انتصار بعد آخر يهدونه لهما وكأنهما يرغبان بتعويضهما عن كل التعب والسهر والتضحيات الذي قامتا به. إنها أجمل لقطات المونديال وأكثرها بقاء في الذاكرة. فوالدة زياش هي كنزه وصديقته وسنده الأكبر، هي من ساعدته على التخلص من الإدمان ودعمت مسيرته الكروية وشجعتها بكل ما أوتيت من قوة إلى أن أصبح نجم النجوم وفخرا للمغرب والعالم العربي. وفي السياق نفسه صرح حكيمي، وفي عدة مناسبات، بأن والده كان بائعا متجولا وقد عانت أمه الكثير في سبيل تربيته وضحت بالكثير من أجل أن يصل إلى حلمه. لذلك يحرص بشدة على إبراز حبه واحترامه لها كلما سنحت الفرصة. إنها صلوات الأمهات ودعواتهن ودعمهن ما جعل لـ «الأسود» قوة لن تهزم.
لكن هل سيصل الفريق المغربي إلى نهائيات كأس العالم؟
لقد توقع كمبيوتر خارق، حسب ما نقلته «سكاي نيوز» عربية، نتائج كأس العالم وأصاب فيها كلها حتى الآن. إنها آلة تعتمد مزيجا من التوقعات والتحليلات. لقد تمكن من معرفة نتائج أول أربع مباريات في دور الـ 16 من المونديال، وتوقع تأهل البرازيل وفرنسا لنهائي كأس العالم وفوز البرازيل باللقب. كم نتمنى أن يكون الكمبيوتر «أخرق» وليس «خارقا»، وأن يكون أصاب صدفة في بعض توقعاته وأخطأ في توقعه الأخير الذي لا يلتقي ودقات قلوب الجماهير العربية العريضة.
«كذبت الكومبيوترات ولو أصابت».
إن المغرب هو من سيأخذ اللقب، ولا أحد سواه، لتتوج فرحة العرب وكي ننسى بها كل الخيبات والانكسارات التي عشناها على مر السنين، ونحلي بعضا من المرارة العالقة في أرواحنا ونغني معا:
فرقتنا واعرة وتاريخها كبير
إن شاء الله مربوحة واللي يصير يصير
يا الميمة ادعي دعوة الخير
يا ربي آمين … أمين
كاتبة لبنانية