أصيلة ـ «القدس العربي»: سعى المشاركون في ندوة «الشعر العربي في مشهد ثقافي متحول»، في يومها الأول، المنعقدة ضمن أنشطة جامعة المعتمد بن عباد الصيفية الرابعة والثلاثين، إلى البحث في موقع الشعر في المشهد الثقافي العربي الراهن، ومناقشة قضاياه وإشكالياته، والنظر في إبدالاته وتحولاته. كما تداول المشاركون في الخصائص الجمالية والفنية للقصيدة العربية الحديثة.
ما الشعر اليوم؟ وما وظيفته في العالم المعاصر الذي يتميز بغلبة الطفرات والثورات والتحولات المتتابعة؟ وما موقعه في ظل هيمنة الصراعات العنيفة؟ وهل بإمكانه الاستمرار ومتابعة مساره، بعد أن أخذ الإنسان المعاصر ينتقل من الثقافة الشفاهية والمكتوبة إلى عصر المنتوجات البصرية والرقمية؟ وما فائدته وقيمته بالنسبة للأجيال الجديدة، خاصة الشبابية منها؟ وهل بمقدوره أن يصنع مشهدية تعبيرية وفنية وجمالية في ظل هذه التحولات الكبرى؟ هذه بعض الأسئلة التي طرحها المشاركون في رابع ندوات جامعة المعتمد بن عباد الصيفية الموسومة بـ»»الشعر العربي في مشهد ثقافي متحول».
الشعر.. كتابة وحياة
اعتبر الشاعر والروائي محمد الأشعري، في أولى مداخلات هذه الندوة، الشعر بنية أساسية في الوجود والهوية العربيين، رغم أنه يعيش وسط بيئة تهيمن عليها السطحية والابتذال. كما قال إن الشعر ارتبط، منذ انبثاقه في التجربة الأدبية العربية، بالنهضة والتقدم ومقاومة الاستعمار ومحاربة التطرف والجهل، موضحا أنه ارتبط بالحرية، بل ارتقى إلى مستوى بناء مجال الحريات الجمالية والفنية والشكلية، إلخ. ولم يجعل الأشعري من الشعر أسلوب كتابة وحسب، بل أسلوب حياة كذلك، وإن كان الشعراء يلتمسون اليوم الكتابة في عالم لم يعد فيه أي معنى للحياة، في ظل ما يشهده العالم العربي اليوم من تقويض لفكرة التقدم التي انبنى عليها المشروع، وما تشهده فلسطين من احتلال، إذ عبر صاحب «سيرة المطر» عن اعتذار الشعراء لقرائهم الموجودين وغير الموجودين، موضحا أنهم في شك وحيرة من أمرهم، حيث قال: «ما أبعدنا عن اليقين الذي كان يجعل روادنا واثقين من المعجزة»، وهم أصحاب كلمات تحفر أخاديد في الصخر.
غير أن المتدخل أكد أن التراكم الشعري العربي اليوم يسمح ببناء رؤية نقدية، رغم أن الشعراء كثيرا ما يجابهون اليوم باستصغار جدوى الشعر وقدرته على مواجه العالم. فالشعر قادر، كما قال الأشعري، على تجديد نفسه وإنتاج رؤية جديدة إلى العالم، حيث يخلص هنا إلى المطالبة بالهامش الذي يسمح للشعراء بالتشويش على اليقينيات والمطلقات، وبالتأمل والمجازفة والتلذذ بالخيال.

وانطلق الشاعر البحريني قاسم حداد، في مداخلته، من التمييز بين نوعين من التحول: أولا، التحول التقني، وهو تحول يجعل التجربة الإبداعية عموما محفوفة بالمخاطر، حيث من الضروري، بالنسبة للمبدعين، التنبيه هنا إلى كيفية جعل الشعر يشتغل بشكل طبيعي. ثانيا، التحول المضموني، ومن خلاله أشار حداد إلى أن كل ما يحيط بالعالم العربي اليوم لا يسمح بالتحول الإيجابي في الثقافة العربية. ولكي يحصل هذا التحول، كما قال صاحب «عزلة الملكات»، يجب أن تتوفر شروط بنيوية تسمح بتحقق العملية الإبداعية، مثل الحرية والديمقراطية. والموقف من الثقافة بشكل عام في البلدان العربية هو موقف نكوصي عند السلطة ومعارضيها. وهذا ما جعل حداد يقول إنه من الصعب، بل من المستحيل، الحديث عن تحول ثقافي جوهري الآن. ويزداد الأمر صعوبة، عندما يتعلق بالشعر، كونه يميل إلى النقد. ومن هنا، فتعطيل العمل الثقافي يحول دون حصول تحول مضموني في الشعر. إذ اعتبر حداد أن التحولات هي منعطفات تنقل المجتمعات من حال إلى حال، ليتساءل هنا: هل نتصور أن يحصل التحول على هذا المستوى في العالم العربي؛ أي من التخلف إلى النهضة، ومن التزمت إلى الانفتاح؟ إن الوضع الحالي، كما قال حداد، يرفض بروز مظاهر الحضارة، لذلك لا يمكن للشعر أن يعبر عن هموم الإنسان والوطن، ويفتح أفق التعبير الإبداعي والفني في العالم العربي، اليوم على الأقل. هكذا، افترض المتدخل أن التحول التقني يشهد على تحول في الحركية الشعرية، لكنه أكد على أن هذا التحول سيقود إلى أفكار زائفة حول مكانة الشعر وأدواره. إذ لا يمكن الحديث عن التحولات الأدبية قبل الحديث عن الحرية، وهو ما يعني أن يحتل الإبداع مكانة الصدارة قبل القرارات السياسية نفسها.
اعتبر بلقاسم أن علاقة الشاعر بالشعر تتأسس من خلال علاقته بذاته وانخراطه في مقاومة ما هو زائل.
ملاحظات نقدية
أبدى الناقد المصري صلاح فضل جملة من الملاحظات حول واقع الشعر العربي المعاصر، حيث اعتبر في مستهل حديثه، أن الشعر لم ينحصر عن الحياة الثقافية العربية، على اعتبار أنه انبثق في مواطن وأقطار كان قد أوشك على أن يندثر فيها. واستشهد على ذلك بالبلدان المغاربية حيث كان صوت الشعر خفت خلال فترة الاستعمار، قبل أن يظهر من جديد بعيد استقلالها. واعتبر فضل، من جهة ثانية، القرن العشرين بمثابة عصر ذهبي ثان للشعر العربي بعد العصر العباسي. لكنه نبه إلى أن بعض التجارب المعاصرة تكاد تتحول إلى معارك أيديولوجية. أضف إلى هذا أنه أضفى على التجارب الشبابية اليوم أهمية بالغة، حيث أشار إلى أن تراكمها جعل اللسان العربي يتحرر من العقدة الفرنكفونية، التي هيمنت عليه مدة طويلة. كما رأى صلاح فضل أن هناك واحات محجوزة للشعر، من بينها مجال الغناء، مذكرا بأن بعض الشعراء، أمثال محمود درويش ونزار قباني، جعلوا منه خبزا يوميا لمئات الشعراء. ومن هنا، يخلص فضل إلى القول إن الشعر لن يغيب من الحقل الأدبي العربي، بل سيصوغ صورته من جديد، وسيساهم في تقوية التجربة الإبداعية والخيالية العربية مستقبلا.
وانطلق الناقد المغربي خالد بلقاسم من اعتبار قوامه أن الاختلاف حول شكل الشعر ينبغي أن لا يكون حدسيا، بل يجب أن ينبني على معرفة عميقة بالقصيدة العربية. فالتحول في الشعر يحتاج، كما قال، كشف غموضه ونوعيته، حيث يمكن الحديث الآن عن مظاهر نمط وجودي قيد التشكل بسبب ما تفرضه العولمة من نتائج. من هنا، اعتبر بلقاسم أن علاقة الشاعر بالشعر تتأسس من خلال علاقته بذاته وانخراطه في مقاومة ما هو زائل. إذ يؤسس الشعراء، حسب قوله، القصيدة على ما يبقى ويدوم؛ في حين، يقوم الزمن الراهن على الآثار التي تزول بسرعة ويجعل الإنسان يستسلم لسلطة الجاهز وهيمنته، خلافا للقصيدة التي تتأسس على الآثار الدائمة والباقية وتجعل الشاعر يقيم علاقة خاصة بين الشاعر وذاته. من هنا، خلص بلقاسم إلى القول إن كل قول لا يستطيع أن يفارق زمنه غير جدير بالانتساب إلى الشعر.
أما صلاح جرار، أستاذ الأدب العربي والأندلسي في جامعة الأردن، فقد اعتبر أن الشعر يملك قدرة على تحريك الناس وتوجيههم وتحريضهم ودعوتهم، إلخ. إذ أشار إلى أن الشعر لا يعبر عن ضمير الشاعر وحده فحسب، بل يتجسد فيه ضمير الأمة كذلك، كما يتميز أثره بكونه يدوم أكثر في الوعي والوجدان والذاكرة والتاريخ. وفي المقابل، يرى جرار أنه لا بد من طرح السؤال والنقاش حول إلزامية الشعر في التغلب على الأزمة، حيث رأى أن هناك من يقول إن الشعر ليس ملزما بالمساهمة في القضاء على المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. غير أنه قال إن الشاعر هو أولى الناس وأقدرهم على الخوض في القضايا العامة، لأنه أقدرهم على فهمها وإدراك العناصر الأساسية للنهضة والتقدم، ولأن الشعر ظل يضج بالثورة والحماسة. إلا أنه اعتبر أن الدور الثوري للشعر أخذ اليوم في التراجع، خاصة بعد أن تدهور الواقع العربي كثيرا. وهنا، دعا المتدخل المبدعين إلى عدم التخلي عن رسالتهم القومية والتصدي لكل ما يهددها بالانقراض، مثلما دعاهم إلى صناعة الوعي، لكن بدون أن يتخلوا عن همومهم وأشواقهم وأحلامهم. فدور الشعر، كما خلص إلى ذلك جرار، ليس في الانفصال عن الواقع ومشاغله، وفي استقالته من وظيفته وحياته اليومية.
المنفى هو نظير الشعر، حسب رأيه، على اعتبار أن الكلمات ستظل تمثل نثرا رديئا إذا لم تهاجر، وإذا لم تعبر عن حالة من حالات النبوة.
الشعر وحال الأوطان
صحيح أن الشعر يعبر عن حال الأوطان، ولكنه يعبر أكثر عن المنفى، هكذا علق الشاعر اللبناني شوقي بزيع، على ما جاء في مداخلة صلاح جرار. ذلك أن المنفى هو نظير الشعر، حسب رأيه، على اعتبار أن الكلمات ستظل تمثل نثرا رديئا إذا لم تهاجر، وإذا لم تعبر عن حالة من حالات النبوة. كما أن الشعر، في نظر بزيع، يتنصل ويتهرب من واقعه المباشر. من جهة ثانية، لاحظ حامل «وردة الندم» أن الرواية والمسرحية لا توجدان اليوم في وسائط التواصل الاجتماعي، خلافا للشعر الذي يكتسح الفضاءات الافتراضية. إذ نبه إلى أنه يمكن العثور على «لقى شعرية» رائعة في الفيسبوك وتويتر وغيرهما. كما أشار إلى أن الشعر ينفلت من قبضة الأيديولوجيات (الماركسية والليبرالية والإسلاموية)، التي تبذل كل جهدها لكي تخضعه لسلطتها، لكنه يتنصل منه على الدوام. إلى جانب هذا قال المتدخل إن الشعر يتعامل مع تحولات الواقع، لا مع لحظاته المتوقفة، حيث أشار إلى أن الشعر الذي يتغنى باللحظة والمناسبة يسقط مع سقوطها. فضلا عن ذلك، قال بزيع إن الشعر الجيد يخدم المقاومة والنهضة والتقدم، بينما الشعر الرديء يخدم العدو ويساهم في الهدم والتقويض. في هذا السياق، ختم الشاعر اللبناني بالقول إن من يرون أن قصيدة النثر تمثل مستقبل الشعرية العربية، يقعون في خطأ جسيم، حيث نبه إلى أن هناك عودة قوية الآن إلى الشعر المقفى.