طلال المَيْهَني لم يأتي خِطابُ الرئيس السوري بجديد. فقد عاد ليؤكدَ أنه يتحدث باسم شريحةٍ من السوريين على حساب شرائح أخرى من السوريين المعارضين لحكمه قام بوصفهم، وباتهامٍ تعميميٍ واستعلائيٍ، بأنهم حفنةٌ من المجرمين، وأنه ماضٍ في استخدام العنف كسبيلٍ لإدارة الكارثة التي تعصف بالوطن. ويدلُّ هذا على إفلاس النظام السوري الذي لا يملك عملياً سوى العنف كأداةٍ وحيدةٍ يتقنها، على الرغم من أن تطور الأحداث يُظْهِرُ بَجَلاءٍ أن العنف لم ولن يأتِ إلا بالمزيد من الضحايا والخراب والتفتيت. ومن ناحيةٍ أخرى يبدو أن الرئيس السوري قد اعترف، بعد 22 شهراً من بدء الحراك، بأن سوريا تعيش كارثةً وأنها ليست ‘بخير’ كما كان يُكَرِّرُ سابقاً. كما ألْمَحَ، ولأول مرةٍ، إلى ما اعتبره خارطةَ طريقٍ لحلٍ يعتمد شكلياً على السياسة، مقترِحاً بعض ‘الإصلاحات’ التي سبق وتم إطلاقها، وواضعاً العملية بِرُمَّتِها تحت إشراف السلطة عِوَضاً عن أن تكون طرفاً كباقي الأطراف. وليس من المُستغرب أن المعارضة بأطرافها في الداخل (كهيئة التنسيق وتيار بناء الدولة) والخارج (كالائتلاف) قد رفضتْ هذه الدعوة لأنها تفتقد المصداقية، وتُوغِل في الإقصاء، ولا تؤسّس ‘لحلٍ جامعٍ’ يخرج البلاد من أزمتها. وقد تعدّدتِ التحليلات للخطاب من قائلٍ بأنه خطابُ قوةٍ يقدم مبادرةً تستحق النظر فيها (وهذه رؤية مؤيدي النظام)، إلى قائلٍ بأنه خطابُ شخصٍ مهزوزٍ وفاقدٍ للثقة أو منفصلٍ عن الواقع. وفي رأيي فالخطاب لا يعدو كونه دفعةً معنويةً لمؤيدي النظام، مع تمريره لدعوة ‘الحل السياسي’ كمحاولةٍ استباقيةٍ للتهيئة لمناخٍ دولي بدأ بالتشكل. وبكل الأحوال لن يكون التوقف عند تحليل الخطاب مُفِيداً خاصةً وأن دعوة الرئيس السوري ليست مؤسسةً، من وجهة نظري، على أي رؤيةٍ استراتيجية. كما أن سوريا تَمُرُّ حالياً في ‘الوقت المُسْتَقْطَع’، حيث تُعيد أطراف الصراع ترتيب مواقعها ومواقفها، لتقوّي من خياراتها التفاوضية في المرحلة القادمة التي قد تَتَمَخَّضُ عن حراكٍ دوليٍ بدأ ينشط حالياً. وبعد أيام تناقلتْ وكالاتُ الأنباء خبراً عن صفقةٍ إيرانيةٍ-تركيةٍ تم بموجبها إطلاق سراح ما يزيد عن 2100 سوري من سجون النظام، مقابل 48 إيرانياً مُحْتَجَزاً من قبل إحدى كتائب الجيش الحر في الشمال السوري. يثير هذا الخبر بضع نقاطٍ مهمةٍ يجب الوقوف عندها:1- غدا المعتقل السوري، في سجون النظام، رهينةً وورقةً يتم التفاوض عليها في صفقات! مع العلم أن معظم المعتقلين موقوفٌ في أقبية المخابرات دون توجيه أي تهمةٍ، ودون العَرْض على القضاء. أما الذين عُرِضوا على القضاء، أو تم توجيه تهمٍ بحقّهم فلا تشملهم هذه الصفقة. ومن الملحوظ أن هناك الآلاف من المعتقلين الذين لم يطلق سراحهم، ونذكر منهم الناشط يحيى الشربجي، والمحامي خليل معتوق، والمعارض عبد العزيز الخيّر، والطبيب محمد عرب، والناشط الحقوقي مازن درويش، وغيرهم كثير.2- إن تحويل الإنسان السوري إلى ورقةٍ أو رهينةٍ يتم اللعب بها في إطار صفقة، ليس سوى إهانة عميقة لسوريا وسيادتها (المغتصبة بشكلٍ مُخْزٍ)، وللسوريين الذين غَدَتْ إنسانيتهم مستباحةً في وطنهم، و’مشروطةً’ بالتهليل لهذه السلطة الفاشلة التي أمْعَنَتْ بهذه الفِعْلة في اغتصاب السيادة (والأمثلة متعددة آخرها الاختراق السافر للطائرات الإسرائيلية للأجواء السيادية السورية).3- من الملاحظ أن خطاب الرئيس السوري قد رفض التفاوض مع من سمّاهم ‘بالجماعات الإرهابية والمُجرمة’ من أجل إيجاد ‘حلٍّ’ للكارثة في سوريا. لكن، على خلاف ذلك، يبدو باب التفاوض مع هذه ‘الجماعات’ ‘مفتوحاً’ إذا تعلّقَ الأمر بإطلاق سراح مواطنين إيرانيين (غير سوريين)!4- وقد أظهر هذا التصرف أن السلطة لا تأبه بأرواح جنود وضباط الجيش النظامي، أو بغيرهم من مقاتلي الجماعات غير الرسمية التابعة لها. فهناك المئات منهم في أيدي الكتائب المعارضة إلا أن النظام آثَرَ، بعد أن رَضَخَ للضغوطات، التخلّي عن سوريين معارضين مقابل 48 إيرانياً لا يحملون الجنسية السورية. ويعكس ذلك تماماً العقلية (أو اللاعقلية) التي تُحْكَمُ بها البلاد، وتُدارُ بها الأزمة التي باتتْ كارثةً جَرّاء السياسات الفاشلة لسلطةٍ فاقدةٍ للأهلية تستخدم السوريين كوقودٍ لحربٍ عَبَثِيةٍ في سبيل بقائها على الكرسي!ولكن يمكننا استخلاص ثلاث إيجابياتٍ في سياق كل ما سبق. الإيجابية الأولى في تحرير بعض المعتقلين السوريين، وعودتهم إلى أهلهم وأحِبَّتهم. وهذا حقٌ لهم في وطنهم، وليس مَنّـاً أو تكرُمةً من أحد (مع التأكيد مرةً أخرى على أن الآلاف من المعتقلين ما يزالون قابعين في السجون). وتكْمُنُ الإيجابية الثانية في تساؤل كثيرٍ من الأخوة الموالين السوريين عن أسباب هذا التصرف المُهين الذي أقْدَمَتْ عليه السلطة، سواءً على مستوى انتهاك السيادة، أو على مستوى التخلّي عن جنود وضباط الجيش النظامي وعدم الاكتراث بمصيرهم. حتى أن منهم من بدأ يستشعر بمرارةٍ أن هذه السلطة قد ورّطتهم في حربٍ بغيضةٍ مع أخوتهم المعارضين السوريين دون أن تأبه بهم وبحالهم.أما الإيجابية الثالثة فهي أن حل المُعْضِلة السورية ممكنٌ عبر التوافق والضغط الدولي (عبر المساعدة في توفير ‘شروط الحل’). فالسلطة السورية استجابتْ، تحت الضغط، إلى صفقةٍ ‘إقليميةٍ’ إيرانية-تركية، فما بالكم بضغطٍ حقيقيٍ روسيٍ-أمريكيٍ على كل الأطراف الفاعلة في الشأن السوري؟ ألا يمكن لذلك أن يؤسس لانفراجٍ حقيقيٍ؟ وتجدر الإشارة هنا إلى أن الموقف الدولي حول سوريا لم يتغير منذ البداية خاصةً على مستوى الممارسة التي بقيتْ سلبيةً على خلاف الفقاعات الإعلامية التي حفل بها الخطاب الدولي. وما طرأ مؤخراً فهو تبدلٌ طفيفٌ في هذا الخطاب الدولي الذي بدأ يستشعر خطورة الاستعصاء في المشهد السوري. مما كشف بشكلٍ جليٍّ بعض القوى السورية التي كانت تبيع الناس أملاً كاذباً، مما قد يساعدها في تَبَنّي مقاربةٍ واقعيةٍ وقابلةٍ للتطبيق لوقف شلال الدم الذي يستبيح البلاد.وتأتي في هذا السياق الدعوة إلى التفاوض التي أطلقها الشيخ معاذ الخطيب مؤخراً، حيث يبدو أنه قد ضاق ذرعاً بحالة التشدد واللامبالاة لدى بعض الأطراف داخل الائتلاف. وتتلاقى دعوة الخطيب مع ما فتئتْ بعض القوى الديمقراطية تدعو إليه خلال العام الماضي خاصة بعد أن ساد العنف في المشهد السوري. ومع أن دعوة الخطيب تفتقر إلى التفاصيل والآليات إلا أنها قد تؤسس لمرحلةٍ جديدةٍ خاصةً مع تعالي الأصوات الداعمة لها من الداخل السوري، وعلى المستوى الدولي. وقد تُشَكِّل هذه المبادرة جزءاً من مبادرةٍ أشمل يعمل عليها السيد الأخضر الإبراهيمي، حيث تسربتْ أنباءٌ عن طرحه بنوداً عمليةً وجديدةً في تقريره الأخير إلى مجلس الأمن. وعلى الأرجح سيأخذ التفاوض، في حال التوافق عليه كـ ‘حل’، صيغةً غير مباشرة وبرعايةٍ وضماناتٍ دولية.هذا مع أن جهود الإبراهيمي تُجَابَه بنوعٍ من الاستهتار واللاجِدّية من كثيرٍ من الأطراف السورية التي تؤمن بحلولٍ عسكرية، أو حلولٍ سحرية، ودون أن تكترث إلى الموت البطيء لملايين السوريين الذين باتوا محاصرين في أتون الصراع العنفي، أو نازحين داخلياً وخارجياً. ويزداد تعقيد الصورة بغياب إرادةٍ عاقلةٍ عند السوريين من أصحاب الصوت العالي (سواء في النظام أو المعارضة)، مما يُرَسِّخُ حالةً من عدم الانفراج، حتى الآن، على مستوى آخر المحادثات بين الروس والأمريكان في جنيف، ويُصَعّب من مهمة الإبراهيمي. وبينما نتابع الأخبار المؤلمة القادمة من سوريا، سيبقى المشهد السياسي على الأرجح جامداً على المستوى العملي، مع شيءٍ من التغير على مستوى الخطاب، على الأقل حتى يستلم جون كيري مهامه كوزيرٍ للخارجية الأمريكية (قد يتلو ذلك لقاء جنيف 2 الذي يكثر الحديث عنه). وفي هذه الأثناء ستستمر الدعوات التي تُوَجّه إلى معاذ الخطيب كي يصمت، أو إلى لإبراهيمي كي يستقيل، دون تقديم أية بدائل، وكأن وجود صوت العقل (الخافت حتى هذه اللحظة) هو السبب في كل ما يجري، وكأن إسكات العقل سيحقق لنا الحل السحري الذي طالَ انتظاره! ‘ كاتب سوريqmdqpt