القاهرة ـ «القدس العربي»: لم يزل كتاب «الاستشراق» لإدوارد سعيد (1935 ــ 2003)، الصادر في عام 1978 يثير الكثير من الجدل ــ رغم صعود نظريات ورؤى مغايرة ــ وقد صدرت ولم تزل مقالات ومراجعات تختبر درجة صحة المقولات التي نادى بها صاحبها في مؤلفه، الذي غيّر وجهة الدراسات النقدية والثقافية في الربع الأخير من القرن الفائت. ومؤخراً صدرت ترجمة عربية لكتاب «في النظرية .. طبقات، أمم، آداب» للناقد الثقافي الهندي إعجاز أحمد. وهو إعادة رسم جديدة لخريطة النظرية الثقافية والأدبية، وأسباب تطورها وتحولاتها خلال العقود الأخيرة، خاصة دراسات ما بعد البنيوية، وتبعات نظرية ما بعد الكولونيالية، ومن هنا جاء التعرّض إلى استشراق إدوارد سعيد، كرؤية انتقادية من مفكر ماركسي، يقدم قراءة مختلفة لأحد المؤلفات الأساسية في حقل الدراسات الثقافية. صدر الكتاب عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ــ سلسلة ترجمان ــ ترجمة ثائر ديب.
المنهج
يبدأ إعجاز أحمد انتقاده لسعيد من خلال (المنهج)، فيرى أنه تعامل بخفة فأصبح يقفز بين مناهج ومدارس فكرية متناقضة، كالاستشهاد بمقولات ميشيل فوكو وأنطونيو غرامشي وإريك أورباخ. فمحال أن يجتمع منهج كل من فوكو وغرامشي، أو فوكو وأورباخ، حيث يرى فوكو مثالاً أن ظهور الغرب الحديث يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعصر الأنوار، بينما يُرجع أورباخ تاريخ الغرب إلى أدب العصر اليوناني. فالأمر متضارب ويعاني من تعميم مفرط، فينتهي إلى غرب يخترع شرقاً رومانسياً، بغض النظر عن قراءة الخطاب الاستشراقي في إطاره التاريخي، طالما أن الاختراع الغربي للشرق يمتد من هوميروس إلى كيسنجر. فقد رأى سعيد أن الحد بين الشرق والغرب واضح منذ زمن «الإلياذة» ومسرحية «الفرس» لإسخيلوس ومسرحية «الباخوسيات» ليوريبيدس، مروراً بدانتي وماركس، وصولاً إلى برنارد لويس. وما ينساه سعيد ـ حسب أحمد ـ أن ما قال به هوميروس أو إسخيلوس لم يكن انعكاساً لـ(غرب) أو (أوروبا) بصفتهما كياناً حضارياً بالمعنى الحديث، لأن خريطة العصور القديمة الحضارية، كما خيالها الجغرافي، مختلفة عن الخريطة والخيال اللذين ابتدعا في أوروبا ما بعد النهضة. هذا التعميم يرد خطاب الكولونيالية ــ وهي ظاهرة حديثة في زمن تاريخي محدد ــ إلى زمن سحيق لا بداية له. وصل سعيد إلى ما وصل إليه وهو يقارن بين نصوص أدبية مختلفة الأزمنة، بدون أن يربط بين هذه النصوص والتحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي أُنتِجَت في ظلها.
يثور التساؤل حول فكرة (الشرق)، فهل كان الشرق خطاباً تخييلياً صرفاً، صاغه العقل الغربي؟ أم يوجد بالفعل (شرق) جرت إساءة فهمه أو اختزاله على يد العلماء الغربيين بطرق تخدم مصلحة سياسية؟
الذات والمرآة
ويرى أحمد وفق وجهة نظره الانتقادية أن ظاهرة (الاستشراق) لم تعد ـ وفق سعيد ـ وليدة شروط تاريخية معينة، أو استجابة لمصلحة وحاجات حيوية ناشئة وصاعدة، بل إفرازاً طبيعياً قديماً ومستمراً لدى (العقل الغربي) الذي يبدو مضطراً بطبيعته لإنتاج، وإعادة إنتاج تصورات مشوهة عن واقع الشعوب الأخرى، محقّرة لمجتمعاتها وثقافاتها، بغية تأكيد ذاته والإعلاء من شأن تفوقه. وهكذا يرى الغرب ذاته المتفوقة في مرآة الشرق المختلف والمتخلف، والحامل لأساطير في العقلية الغربية ـ الخيال الغربي ـ قادرة دوماً على إنتاجها في أشكال وتحولات مستمرة لا تنتهي، بغض النظر عن الوقائع التي ساعدت على هذه النظرة أو الفكرة، التي وصلت إلى ما وصلت إليه، وهو ما يتنافى ومنطق الوقائع التاريخية والاقتصادية.
الأكاديمي والمؤسسي
ميّز سعيد بين الاستشراق الأكاديمي/الثقافي، بوصفه حقلاً معرفياً وتصوراً متكاملاً بنته أوروبا عن الشرق، ومؤسسة الاستشراق كأداة توسّع أوروبي نحو الشرق، فيجعل من الاستشراق الثقافي المصدر الذي نبعت منه مؤسسة الاستشراق، وهو ما يجعل سعيد يرى أن (فكرة قناة السويس) هي نتيجة منطقية لفكر الاستشراق وجهوده، أكثر بكثير من كونها نتيجة طبيعية للتنافس الفرنسي/الإنكليزي على بناء الإمبراطورية والحفاظ عليها عبر الهيمنة على الشرق. ومنه يُذكّر إعجاز أحمد ببدهية أن تواريخ الاستغلال الاقتصادي والقهر السياسي والفتح العسكري، هي التي تلعب الدور الأساس في خلق الشروط التي تمكّن من قيام ما يدعوه سعيد بـ (الخطاب الاستشراقي) وليس العكس.
ماركس الاستعماري وماسينيون المتجاوز
يُشير سعيد إلى علاقة العقل الفردي باللغة المؤسسية الرسمية، التي هي لغة جمعية، فيقول «ليس في وسع أي باحث أن يقاوم ضغوط أمته، أو ضغوط التقليد البحثي الذي يعمل في سياقه». فحتى لو تمكّنت عبقرية فردية، مثل ماسينيون أو ماركس، من الخروج على الثقافة السائدة، التي يراها سعيد على أنها ثقافة الأمة التي تحتل كامل الفضاء الثقافي، بدون أن تتيح مجالاً لوجود ثقافة نقيضة، فإن الفرد لا يلبث أن يعود لينسحق في الأمة التي تظل باقية في استمراريتها كأنها مطلق يتجدد.
ومن هذا المنطق الغريب يبدو التناقض الأغرب، فيرى سعيد أن (ماركس) ـ من خلال مقطع صحافي ناقش من خلاله الحكم البريطاني في الهند ـ أنه تعبير عن اضمحلال ما أبداه ماركس في البداية من تعاطف، وتلاشيه أمام تقدّم لغة الاستشراق، التي تتمكن من القضاء على تجربة إنسانية تلقائية حيوية والحلول محلها.
وهنا يرى إعجاز أحمد أن سعيد يبتسر فكر ماركس، فشجب ماركس للمجتمع ما قبل الاستعماري في الهند ليس أعنف من شجبه ماضي أوروبا الإقطاعي وضروب الحكم المطلق، والبورجوازية الألمانية التي أبدى حيالها أشد الاشمئزاز. وفي شكل انتقائي حوّل سعيد الماركسية إلى مجموعة من الأسماء فارغة المعنى، متغافلاً عن المفاهيم الماركسية الأساسية، كالطبقات الاجتماعية ونمط الإنتاج والقوى المنتجة. ووفق هذا التأويل المغلوط، يجعل سعيد من ماركس مستشرقاً ضمن غيره من المستشرقين!
أما ماسينيون، فيصف سعيد إسهامه في مجال الدراسات الشرقية بأنه الأعظم، رغم عجزه عن ضغوط أمته حسب منطق سعيد نفسه.
ويرى مقاربته للشرق أنها جاءت من خلال «حدس فردي ذي أبعاد روحية»، وبذلك تماهى الرجل مع روح الشرق، وأمكن له أن يتجاوز بنية الفكر الاستشراقي. لكن هل تناسى سعيد رؤية ومواقف ماسينيون من الشرق، بأنه مجرد عالم طقوسي وفولكلوري يبتعد عن العقلانية، كذلك رؤيته للقضية الفلسطينية على أنها نزاع بين إسحق وإسماعيل، إضافة إلى الاستماع والاستعانه بأفكاره من جانب الحكومات الاستعمارية، لكونه خبيراً في الشؤون الإسلامية.
وفي الأخير يثور التساؤل حول فكرة (الشرق)، فهل كان الشرق خطاباً تخييلياً صرفاً، صاغه العقل الغربي؟ أم يوجد بالفعل (شرق) جرت إساءة فهمه أو اختزاله على يد العلماء الغربيين بطرق تخدم مصلحة سياسية؟ إجابة سعيد تأتي هنا كتهويم أكثر منه رداً منطقياً دقيقاً، فيقول «من الواضح تماماً أنه ما كان سيوجد استشراق لولا المستشرقون من جهة أولى، ولولا الشرقيون من جهة أخرى».