بن كاسبيت ‘القيادة السياسية تقرر، القيادة العسكرية تنفذ، أنا فقط أقرر اذا كنا سنهاجم في ايران’، قال أمس بنيامين نتنياهو واحتل على الفور العناوين الرئيسة في مواقع الانترنت. نحن، كالخراف في القطيع، استسلمنا لهذه الأحبولة الاعلامية البائسة بحماسة. الهدف الوحيد لنتنياهو أمس كان تغيير جدول الاعمال الاعلامي. فليتحدثوا عن ايران بدلا من ضريبة القيمة المضافة. هو قوي في ايران (حاليا بالاقوال) وضعيف بعض الشيء في الاجراءات المتشددة وفي ضريبة القيمة المضافة وفي ضريبة الدخل. ولهذا يجب القيام بنقلة سريعة.
هل كان شيء جديد أو مثير للاهتمام في تصريحات نتنياهو؟ تماما لا. فالقيادة السياسية هي التي تقرر، كما يعرف الجميع. لا جدال في ذلك. هكذا هو الحال في الديمقراطيات، ولن يبقى أي رئيس اركان في غرفة المجلس الوزاري حين يأتي موعد التصويت. لم أقرر الهجوم بعد، أضاف نتنياهو. وهنا ايضا لم يكن دقيقا. خلافا للرئيس الامريكي، الذي يعمل ايضا قائدا للجيش ويمكنه ان يُقر الهجوم بنفسه (وإن كان شن الحرب واجب الاقرار من الكونغرس)، ففي اسرائيل الهجوم على ايران (الذي يعني حربا) يجب ان يلقى المصادقة من المجلس الوزاري على الأقل (هناك من يعتقد بأن الحكومة بكامل هيئتها هي التي يجب ان تصادق). وعليه، يا سيد نتنياهو، فان هذا ليس ‘أنا’ هذا ‘نحن’. ولا يزال، واضح انه اذا حسم رئيس الوزراء في الهجوم على ايران، فانه سيجند تأييد المجلس الوزاري. لا جدال في ذلك ايضا. وإلا فلا معنى لأن يبقى في منصبه. وبتعبير آخر: اذا قرر نتنياهو، فستكون له اغلبية. كل ما تبقى هو الانتظار حتى يقرر. كيف نقول هذا برقة، هو ليس آلة قرارات.
والآن ننزل الى تعقيدات هذه القصة: نعم، توجد قطيعة مطلقة بين القيادة السياسية والعسكرية. السياسية تقرر، العسكرية تنفذ. ولا يزال، بعد ان قلنا كل هذا، في العصر الحديث، الذي تتشكل فيه لجنة تحقيق رسمية بعد كل خطوة يوجد فيها أكثر من ثلاثة قتلى، صعب جدا ان نتخيل وضعا يخرج فيه رئيس وزراء الى هجوم في ايران خطوة هائلة، تاريخية ومصيرية ذات قوة وآثار هائلة على اسرائيل، المنطقة والعالم حين يكون كل قادة أذرع الامن يعارضونها. لا يوجد كيان كهذا. من اجل عمل شيء كهذا، على رئيس الوزراء إياه ان يكون مصبوبا من الفولاذ، مع خصيتين من الحجر وبرودة أعصاب فوق انسانية. واذا ما فصّلنا هذا أكثر قليلا، في النهاية، انه رئيس الاركان.
اذا أيد رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية ‘أمان’، ورئيس وحدة العمليات الخارجية ‘الموساد’ عارض، ورئيس جهاز الامن العام ‘الشباك’ أيد، وغيره وغيره، ففي النهاية يصل الامر الى رئيس الاركان. هو قائد الجيش. هو الرجل الذي في وقوفه الى جانب رئيس الوزراء، يصدر الضوء الاخضر للقيادة المهنية وبالعكس. عندما يؤيد رئيس الاركان، يمكن بعد ذلك القول في كل محفل أو هيئة محكمة ان القيادة المهنية أعطت الضوء الاخضر. عندما يعارض رئيس الاركان، فان علما أسود يعلو فوق كل الامر. نعم، يمكن الخروج الى هجوم، هذا قانوني وهذا شرعي، ولكن اذا ما فشل الامر ستكون فضيحة.
وعليه، كيفما نظرنا الى هذا، سنصل الى الفريق بني غانتس، الذي نفى أمس بخجل وبتواضع ما ما نشر عن معارضته، وهو لا يُحسد على ذلك. إذ ان غانتس يعارض، وهكذا ايضا كثيرون آخرون، وكل الامر متعلق بشعرة، وفي نهاية اليوم نعود نحن الى الخانة الاولى: الجميع يرتقب القرار التاريخي لبيبي، ويُخيل لي انه مطلوب هنا صبر كثير جدا، وربما كثير للغاية.
على خلفية الامور يمكن ان نلاحظ ايضا التوتر والدم الفاسد اللذين يبدءان بتسميم البئر المشتركة التي يشرب منها رئيس الوزراء ووزير دفاعه. فهل الحلف التاريخي يتشقق؟ نتنياهو لن يكون أول من يُطعن بالسكين في الظهر من باراك (فليسأل اولمرت)، ولكن في هذه الحالة يُخيل لي ان ظهر باراك مليء بالندوب. بيبي أخذ منه منذ الآن الصلاحيات في المناطق، وأول أمس أعطى لشتاينيتس ضوءا أخضر ‘لتغريمه’، وعدم دعوته الى الوليمة مع ميت رومني ولم يُفاجأ من معارضة وزراء ‘الاستقلال’ للتقليصات. الأمر أعمق مما يُخيل. الخبراء في شؤون باراك والخبراء في شؤون بيبي لم يضيعوا في الاسبوع الماضي المقال (الهاذي، برأيي) لمحرر ‘هآرتس’، ألوف بن، الذي توج باراك بأنه الوحيد الذي يمكنه ان ينتصر على نتنياهو. مجرد هكذا. في منتصف يوم صيف، تراخ. مقال كهذا لا ينبت هكذا على الاشجار. فهو يأتي في أعقاب اطلاعات ومحادثات، وفي مكتب نتنياهو يعرفون كيف يقرأون المقالات ويعرفون كيف يُشخصون المؤامرات عندما يلتقون بها. هكذا بحيث انه يحتمل ان حتى قبل ان يقرر اذا كان سيهاجم ايران، سيتعين على نتنياهو ان يقرر اذا كان سيهاجم باراك، واذا كان كذلك، فماذا سيفعل بعد ذلك مع ايران، فباراك على أي حال يفترض به هو ان يهاجمها نيابة عنه.
معاريف 1/8/2012