‘في الهواء الطلق’ لفواز قادري: ترجمة الخسارات الروحية

حجم الخط
0

تهاني فجر’منذ عرفنا وجهة الزلزال/ وكانت أسناننا حليبيّة/ وأيادينا من عشب وصبّار/ وأحلامنا/ أعلى من سماء نراها/ أعلى من دعاء النوق/ معراجنا السرّي إلى الناس/ لهفة الصباح إلى العصافير/ خبز تنور أشقر/ زيت زعتر أليف’.في ديوانه الصادر حديثاً لدى ‘دار الغاوون’، الذي يحمل عنوان ‘في الهواء الطّلق’، جعل الشاعر السوري فواز قادري قصيدته آذاناً مصغية لمعاناته، وكان يمكن له هو ومعاناته أن يكونا منصتين للشعر وحضوره كما قال كيرواك: ‘كن راضخاً لكل شيء متفتحاً مصغياً’.لقد اعتمد قادري في كتابه على لغة نوستالجية تستدعي الماضي بكل تفاصيله وتداعياته فنجح، رغم غنائيته التي يستبسل للتمسّك بها، أن يجعل من قصائده ترجمة حقيقية لخساراته الروحية، لذا نجد أن تجربة قادري تظل دائماً وفيّة ومخلصة لكل هزائمه ومراثيه وفواجعه، وهو يحاول في هذا الديوان أن يجعل من نقمته نقطة انطلاق نحو الضّد، بمعنى أنّه يحاول الانطلاق من اليأس إلى الأمل ومن الماضي نحو المستقبل وهكذا.’لقد أحزنتني أيها المتوسط القاسي/ أفرغت دمعي كلّه على راحتيك/ دمع كل تلك السنوات الراحلة/ عشر ابتسامات شيعتها وقهقهات/ لم يردّدها فضاؤك الأخرس’. على الرغم من الروح البكائية والحزن العصي على الاحتمال الذي يعتمل داخل الشاعر، هذا الحزن الذي فضح فردانية المعاناة التي أظهرت حرباً داخلية في أعماقه الإنسانية، إلاّ أن حوارية بين ذات الشاعر والموجودات من حوله من أشخاص وطبيعة وجمادات استنطقها ونجح في جعلها تتحرك في نصّه بشكل انسيابي: ‘يا أبيض/ ما حالك؟/ والنّوارس التي تنتظر/ على حرقة مراكب الغرباء’.كما أنّ هناك ثمّة عدم تصالح (قل: عدم تواطؤ) مع فكرة الموت رغم وجوده في سياقه، إلا أنّه يرفض أن يكون محور الموت أو أحد ممارسيه، الأمر الذي أخضع لغته لمتطلبات النّص وتوجّهاته: ‘من دوّن إسمي/ في لائحة الموتى/ من’؟لقد استطاع فوّاز قادري أنسنة الأشياء واستنطاقها في كتابه، فتعامل مع أدواته الشعرية بشكل مكّنه من خلق خطّ متوازٍ بين الشكل والمعنى الشعري، فاستطاع أن ينطلق من حس إنساني كون قصيدته متخمة بالأصل بمعاناته الإنسانية… وكما نعلم ففرصة بقاء تجربة شعرية ما من عدمها ترتبط بإيمان شاعرها العميق بهدفه ورسالته، وعلى هذا الضوء تستمر تجربة وتذهب أخرى.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية