نائل بلعاوي(الى ناهد.. اليوم وغداَ) بين مجرى النهر.. والجسر الصغير، على الجهة الشمال من الحديقة، كدت انسى الفارق الحيوي بين النهر.. والجهة الشمال، واسقط في المكيدة.. ارجع عارياَ مني، من الهوس القديم.. من كتاب الوصل، من قصيدة منسية لشاعر مجهول.. ارجع، في اضطراب انثوي البعد.. طفولي الرؤى: ارجع الان انا.
يا انا.. كم مرة مررت بآحجار هذا الجسر، ولم تسمع لهاث من مروا.. لم تلمس بخفة العابر الابدي فتنتها، ولم تعرف: ان الحجارة، ها هنا، مختالة بفكرتها، وان النهر.. هناك.. يعرف لذاته ويتبعها. وان الحديقة: شاردة هي، مثل عاشقة حزينة، على الجهة الشمال. ولم تعرف.. ان الهوى، هو الان هنا: تحت النبات الهجين على الحجارة. قرب مقهى الليل في الجادة الاولى.. خلف ستائر البار الموازي للمحطة.. ها هنا: في الرعشة الاولى، في ارتخاء الشفة السفلى. وفي سقوط الخصلة السوداء من جهة اليمين الى الشمال.
لم تعرف انوثة الاحجار، قبل اليوم، في الجسر الصغيرلم تعرف خصوبة المجرى ولون النهرلم تعرف كيف تسير القصيدة، مثل الفتاة الرشيقة، فوق ارصفة الشوارع… كيف تصير الفتاة/ القصيدة، بين الامس وهذا الصباح، مملكة من الالوان.. وبابا للهوى-2-يطاردها النبات.. رأيته.. كيف يترك سرًهُ الارضي، ويصعد شعرهاكيف يخلع شهوة الصمت المثيرة عن اناه.. عن معنى الحديقة، ويتبع سحرهارأيت النهر.. مجراه الانيقحجارة الجسر الصغيرشباك التذاكر في المحطةعامل المقهى اللطيفسيدة الباص في الجادة الرابعةرآيتهم، للمرة الاولى، آكانوا هنا: خلف شباك التذاكر.. تحت الجسر.. في المجرى البديعفي فوضى الكؤوس وفتنة اللاوقت؟ آكانوا هنا… وكنت انا المسكون بالرغبات واللاشيء، ايضاَ هنا؟
كنت، ولم اكن، المكان اسير حضرتها.. اسير ما تهمس به، سرأ، لصدرها: خذني.. قد اعود الى التوحد في الهواء. قد تطير خطاي الخفيفة، وربما، في الفاصل الذهبي بين زقاق الحبوب وشارع الغرباء، اطير انا، فتتبعني الى نفسي.. الى انحدار البياض البهي من كتفي الشمال الى اعلى الالق. فقد احبك مرة اخرى هناك، واتبعك.-3-من مقهى الى مقهى.. تسير بنا المدينة، لا شيء يربك اي شيء.. لا فرق بين علياء المكان وخفة ظلها.. لا فرق بين الشامة الخضراء، كأنها الوشم، فوق ساعدها اليمين، وهدوء الحديقة.. لا فرق بين الشاي وكأس النبيذ. هي تشرب شايها، بلذة الخبير، وانا افتش عن نبيذ: احمر الاسم والشكل، يميل في الكآس الانيق الى السواد، ويسكر حين ترفعه وتهزه وتتركه، قليلا، كي يتنفس الهواء وعطرها الغريب.
لا فرق بين انوثة الليل على الطرقات، وانوثة هذا القميص الحرير، بين ارتخاء الشفة السفلى، مع رشفة الشاي الاخيرة.. وارتخاء الشفة السفلى، في القبلة الاولى… تناغم الحسي مع نقيضهصعود، ما لا يقال، الى اخر المعنىهبوط السكينة من مكان ما.. من هذا التردد الشبقيمن تناسق شعرها مع لوحة لعاشق مجهول على الجدارلا فرق… هي الان: كل هذا المكان.. هي الان انا في المكان.. وغداَ، حين تمر الامكنة، كل الامكنة المشتهاة، من بين اصابعها.. سآسرق، مرة اخرى، قبلة ربع الساعة الاخيرة، امام الباب… وامدح الليل. -4-احب الليل، ها هنا.. اعرفه، اقول له ويقول لي.. يدلني اذ نسيت على الطريق اليه، وادله، حين يذهب بعيدا في النداء، على بساطة الاشياء من حولنا -: القطارات على الجسور.. عربات المترو الحمراء.. حدائق المدينة، حيث يلتقي باعة الحشيش والشعراء…. ضحايا الرتابة… بائعات اللذة المتخيلة.. سكارى الحانات التي اغلقت مبكراَ ابوابها.. الزوجات الهاربات من برودة الازواج، الباحثات عن فكرة تقلق القلب والنوم.. يلتقي العاشق بفتاة يذكًره صدرها بصدر عشيقته الغائبة، فيهمس لها: استعير حضورك الان، واحبك في هذا الظلام.
ادله علىًيدلني عليه/ على اناي….. من منا الغريب.. من يفتش عن نفسه في الازقة: انا ام انت؟
من يرى وجهه في حجارة الجسر.. في الق النهر.. في الحانة التي لا تنام: انا ام انت؟
من منا سيشرب كأس نبيذه ويحلم، الان، بوجهها…. يشبه الخاطرة.. صورة مدوية البعد في نص جميل؟ : انا وانتسنشرب الان معا ونحتفي بوجهها.. ستقول انت: تضيء ليلي حين تعبره.
واقول انا: تشعل نار الغواية.. تفتن ما حولها، وتعيد ترتيب الامل.
احب هذا الليل… اعرفه ويعرفني… يقول لي عن نفسه، واقول اناهو العابر الابدي.. انا العابر المشغول بحكايا البعد والنسيان، بآصوات تجيء من فضاء مالا احدد، او استطيع، ما تقول… هي لا تقول.. تذكرني بشيء ما وتمضي.
احب الليلاعرف ان ارواح المكان تسير عارية.. تحاور ذاتها في الليلاعرف ان ابواب الهوى ستشرع فجآة وتقودني، وان ظلك، ها هنا، قرب الحديقة.. في البار المطل على المدينة.. فوق احجار الازقة التي تعشقين.. في المطاعم والمقاهي.. تحت الجسر.. امام باب الحديد الذي اوصده الحراس بعد التاسعة، حين نسينا الوقت، وذهبنا في رحلة البحث العظيمة عن ما لا يُفسر، عن علاقة النخيل بالفراش، واسرار الملكة العاشقة في حديقة قصرهاظلك الان هناك.. تحت اشجار الكستناء… بين اصابع الاطفال حين يلتقطون، بدهشة اسرة، ثماره عن الارضظلك فوق مقاعد الخشبفي ابتسامة النادلفي كؤوس الطاولة المجاورةفي الضحكات الخجولة العاليةظلك في الليل.. على العتبات القديمة بين البيت الاخير لموزارت وزوايا الخيولظلك فيً انا.. يلفني.. واتبعهٌ.-5-ما اجمل ان احبك الاناحب ان احبك الان.. ان ارى الحب ينساب مع رهافة القميص، مع الخطواتمع اندفاع الوردة الحمراء/ من مهدها/ الى اناقة اليدين.. كآن الوردة الحمراء تعرف ما تريد.. كآن ورود المدينة تسعى، بلهفة لا تٌردً، الى غدهاكآنك اختصار الورد، حين يذوب في الذكرى، حين يصير الهواء، الفضاء، السماء، ويمعن في التوحد… كآنك الورد.. وانا.. لست اكثر من عابر في الممر الصغير، غير المرئي، بين فكرتين: جموح الورود في حدائق المكان.. وارتفاع سحرها بين الاصابعلست اكثر من عاشق، بلا وصايا او تعاويذ.. وبرغبة واحدة: ان احبك اليومان احبك اليوم والامس.. ان ارى الحب، ابدي النظارة والسحر، على شكل لقاء قبل الظهر في المقهى.. على شكل حديث عابر عن اي شيء.. ان احبه، كما احبه اليوم والغد، واراه.. المسه، مثل غصن الوردة الحمراء فوق الطاولة… فوق اريكة الصالون.. في المطبخ.. في جرعة الماء اللذيذة بعد نوم عميق.. في ابتسامة لا يٌطال سرها.. وفي العراك الخفيف حول مائدة المساء.
احب ان احبك الان.. ما اجمل ان احبك الانوغداَ… حين احبك مرة اخرى واخرى.. حين لن اكون سوى انا.. انا العابر بين فكرتين: فتنة ان احبك اليوم.. ولذة ان احبك غدا.. سأبحث من جديد، عن ورود الامكنة، عن كل شيء يشعل الرغبات.. تلك الدفينة.. ويربك الحواس. سآبحث عني، في اللمسات السريعةفي بقايا الليل على وجهك القريبلاقول: ما اجمل ان احبك في كل وقت.-6-تربكني الانوثة.. كل ما حولي.. هذا الانثوي المريب، البسيط، العميق، الغريب، الغامض المكشوف مثل النهريربكني الحضور الانثوي حين تحضرين.. حين تمدين يدك اليمنى الى الاشياء، وتآخذين باليسرى يدي… هو الشبق الخفيهو الدخول المٌشتهى الى التماثل الكلييربكني حضورك في المكان.. يصعد بي.. ينهال مثل حبات الكستناء.. مثل الليل في فييناعلى جسدي.. فلا ارده، او استطيع.. كيف تٌرد الانوثة.. سحر ما بعد الوجود وقبله؟
كيف تٌرد الحياة الى امسها.. او تعود الوردة الحمراء من حيث اتت؟
كيف اعود انا، الى اناي الثانية، الاخرى، البعيدة، قبل ان يسطو الالق.. هذا الالق، حيث تكونين، على فمي، على الروح الغريبة فيً؟
انا الان.. ها هنا وهناك.. اسير انوثتك العالية.. لست اكثر من اسير، غريب الوجه والظل، في الابدية الشفافة الاخرى.. نلك.. حيث لا شيء الا الانوثة.. سحرهاما لا يٌفسر فيها ومن حولهاانوثة كل شيء.. حيث تعبرين.-7-في الهوى وطقوس الامل.. ذلك التناغم البهي بين القلب ورشاقة الاصابع، ارى من جديد، اسمع وقع الخطى على الطرقاتاصغي، للمرة الاولى، لحوار الماء في المجرى وحجارة الجسر الصغيروارى لالوان السماء، جميعها، تتشكل في البعيد: ازرق منتصف النهار.. ازرق بعد الظهيرة.. بقايا الازرق السحري في اوج السواد، وسقوط الازرق الارجواني على الدروب المقفرة في اعالي الجبال… ارى من جديداسمع مرة اخرى صدى الكلمات.. هناك حيث تشكلت وتكونت، قبل صعود اللهاث الادمي الى متاهة الحروف.. قبل ولادة الكلام، قبل ان اكون انا.
في الهوى.. وجهك الهوىفي الطقوس الاثيرة للامل.. ظلك الاملاعرف الفرق بيني وبيني.. بين فكرة الترحال من ليل الى ليل يواصله، وبين الرجوع المٌشتهى الى قلبي… الى الطفل الذي احببت واشتهيتاعرف ان الهوى / اختصار الكون في لحظة العناق السريع / هو التوحد الكلي في استعارات الحياة.. هذي الحياة: امام الباب.. في المترو.. على الدرجات القليلة لمقهانا المفضل.. في دهشة الحدائق.. في العشاء الايطالي والغداء المشرقي.. في خفة التجوال من جزيرة اليهود في الحي الثاني، الى الضجيج الرفيع، الجميل، في قلب المدينة العتيقهذي الحياة.. قرب انفاسك المتوترة… قرب الرعشة التي تخفينقرب الهوى.. هذا الهوى: وجهك في الصباح وفي المساءقرب الطقوس العظيمة للامل.. هذا الامل. هذا الذي نحيك ثوبه، فكرة فكرة.. قبلة قبلة.. فكرة قبلة… ونعيد ترتيب اوراقه، كلها، معاَ.
فيينا.. ايلول/سبتمبر 2011شاعر من الاردن