في اليمن حروب متعددة واللاعبون الخارجيون فتحوا المجال لبلد مقسم حسب جهات الريح

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

  تحاول السعودية إجراء حوارات سرية مع الحوثيين

غالبا ما توصف الحرب الأهلية في اليمن بأنها حروب متعددة داخل حرب واحدة، وهذا وصف ينسحب بالضرورة على كل الحروب الأهلية التي اندلعت في سوريا وليبيا بعد الربيع العربي عام 2011. ويقصد في هذا الوصف الحديث عن كثرة اللاعبين وولاءاتهم المتعددة للقوى الخارجية، إقليمية أو دولية.

ففي اليمن كما في ليبيا وسوريا، لم يعد اليمنيون هم من يقررون مصيرهم بل الدول ذات المصالح والراغبة بالسيطرة على قرار البلاد ومصادرها النفطية والطبيعية. ومن مصلحة دول الخارج أن تستمر الحرب وتأكل الأخضر واليابس وتقضي بالضرورة على أي حس من الاستقرار والاستقلال. وبات حال اليمن مشابها لحال ليبيا، حيث تتسابق الدول على دعم أطراف النزاع فيهما. وفي كل منهما حكومة ضعيفة تملك الشرعية الدولية إلا أن اللاعبين الخارجيين الذي يعترفون بالحكومتين الشرعيتين يلعبون لعبة خطيرة من خلال دعم منافسها أو منافسيها المتعددين، ففي ليبيا حكومة في الشرق وأخرى في الغرب، أما في اليمن فقد صرنا أمام سيناريو فيه ثلاث حكومات: انفصالية في عدن ومنفية في الرياض ومتمردة في صنعاء. بالإضافة لحكومات محلية في مأرب وتعز والمهرة وغيرها من المحافظات التي تلعب فيها ميليشيات تتلقى رواتبها وأسلحتها وتدريبها من الخارج بل وتدار سجونها على يد عسكريين من دول الجوار.

كيانات متعددة

واليمن الذي ظل منقسما بين شمال وجنوب بات مقسما على شكل الجهات الأربع. وكل هذا نتاج للمبادرة الأولى التي أخرجت الرئيس علي عبد الله صالح من السلطة ولكنها تركته يلعب من وراء الستار وإضعاف حكومة نائبه الذي أصبح رئيسا، وهو عبد ربه منصور هادي. وقادت تدخلات صالح في بنية الدولة الهشة إلى ما صار معروفا وهو فتحه مع الموالين له أبواب العاصمة صنعاء لمتمردين خاض ضدهم خمس حروب وانتهى الأمر به في نفس الفراش معهم قبل أن يرتد عليهم، ولم يكن لدى الراقص فوق جحر الثعابين فرصة للنجاة فقتل.

ولم ينه مقتل صالح المسألة اليمنية لأن خطوط الصدع رسمت بشكل كبير، وتلا سيطرة الحوثيين على العاصمة حربا كارثية شنتها السعودية مع حليفتها الإمارات العربية المتحدة مما أكد على صورة اليمن المنقسم على نفسه. وهي ضرورة تقتضيها المصالح السعودية لأن يمنا ضعيفا في الحديقة الخلفية أفضل من يمن قوي مالك لقراره، بخلاف أن العدو المنافس لها وهي إيران باتت حقيقة تدعم المتمردين الحوثيين.

انفصال

 وضمن هذا السياق نفهم ما أقدم عليه المجلس الانتقالي الجنوبي في 26 نيسان/إبريل عندما أعلن عن نهاية اتفاق الرياض الذي وقعه قادته مع هادي في تشرين الثاني/نوفمبر 2019 بعد الأحداث الدموية أو المحاولة الانقلابية في آب/أغسطس على الحكومة اليمنية الشرعية التي تدير البلاد من عدن. وقرر قادة المجلس الانتقالي الجنوبي السيطرة على المقرات الحكومية متهمين حكومة هادي بالتقصير في تقديم الخدمات للمواطنين، مع أن السبب الحقيقي هو رفض الإمارات التي تبنت القوى الانفصالية منذ بداية التدخل العسكري ومولت المجلس الانتقالي عند ظهوره ضمن استراتيجية تهدف للسيطرة على الموانئ اليمنية الإستراتيجية خاصة عدن والمخا وجزيرة سقطرى.

وذكرت صحيفة “نيويورك تايمز”(28/4/2020) أن الإمارات توقفت عن دفع 400-530 دولارا كراتب لكل مقاتل انفصالي في عدن. وعندما رفض السعوديون تعويض النقص غضبوا. واستند التقرير لمسؤول طلب عدم ذكر اسمه حيث أشار إلى أن الإمارات واصلت دفع رواتب المقاتلين في مناطق أخرى من البلاد مثل حضرموت وشبوة حيث تم نشر الوحدات الخاصة لملاحقة الإسلاميين. ويعكس إعلان الانفصاليين نتائج التدخل الخارجي في بلد متعدد الولاءات ويعد من أفقر بلدان المنطقة، فلم يحل التدخل السعودي الذي قصد منه أن يكون نزهة أسبوعين يتم من خلالها قصف المتمردين الحوثيين وإعادة حكومة هادي التي هربت إلى عدن، البلد لأكبر كارثة إنسانية في العالم أورث الشعب اليمني دمارا لبناه التحتية ونشر الجوع والأمراض مثل الكوليرا وجعل غالبية اليمنيين معتمدين على المساعدات الدولية، بل وأدخل السعودية في مستنقع.

تعبوا من الحرب

إلا أن الإمارات تعبت من نشر جنودها هناك وبدأت بسحبهم من الجنوب العام الماضي لاعتبارات تتعلق بالمواجهة مع إيران بعد صيف ساخن تم فيه استهداف ناقلات النفط وضرب المنشآت النفطية السعودية. وبالمقابل بات ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، الرجل الذي أعلن الحرب عام 2015 بصفته وزيرا للدفاع، مقتنعا بما يقوله النقاد أن الحرب لا يمكن الانتصار بها، وتحولت لعبء مالي على الخزينة السعودية، في وقت تعاني فيه أسواق النفط من انهيارات متعددة، بسبب آخر قراراته المتهورة وهي حرب الأسعار مع روسيا لتأمين حصة المملكة من السوق العالمي. وانتهى به الأمر خاسرا رهان الحرب بعد تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب له حسبما كشف تقرير خاص لوكالة أنباء “رويترز”. وتواجه السعودية تخفيضا حادا في الإنتاج حتى عام 2022 وذلك لإنقاذ صناعة النفط الأمريكية التي حاولت الرياض تدميرها مرتين. وليس غريبا أن تأتي الحرب النفطية وسط وباء عالمي أدخل الاقتصاديات الدولية في حال من الركود ولم تعد سلعة النفط مهمة جدا حيث صار سعر البرميل في مجال السالب. وكانت السعودية قد أعلنت عن وقف إطلاق النار من طرف واحد في اليمن لمدة شهر ثم عادت ومددته ليشمل شهر رمضان إلا أن الحوثيين رفضوه. وتحاول السعودية إجراء حوارات سرية معهم لكنها لم تحقق أي تقدم. وللسعودية مبررات أخرى لإنهاء ملف اليمن، منها قمة العشرين التي تستضيفها نهاية هذا العام، خاصة أن الحرب في اليمن وجريمة مقتل جمال خاشقجي في اسطنبول عام 2018 كانا محل غضب داخل الكونغرس الأمريكي الغاضب الآن من السعودية. من هنا فإعلان الانفصاليين وإن كان نتاجا لتعب طرفي التحالف من الحرب، إلا أنه يعرقل جهود الرياض للابتعاد عن ملف شائك صار يسبب لها الصداع ويستنزف قدراتها المالية.

تناحر

 وفي غياب المتصارعين الإقليميين بات اللاعبون المحليون يتصارعون على ما تبقى من اليمن. ولم يكن القتال ليحصل في وقت أسوأ من الحالي، فقد تراجع الدعم الدولي للبلد الذي يعاني من كارثة إنسانية، خاصة أن اللاعبين الإقليميين باتوا يواجهون معركة جديدة لمواجهة فيروس كورونا. ويحاول عمال الإغاثة تقوية النظام الصحي اليمني الذي حطمته الحرب وتحضيره لإمكانية وصول كوفيد-19 الذي لو وصل فسيترك آثارا كارثية على البلاد. وهناك رمزية ساخرة فيما يجري اليوم في عدن وهي أن زعيم المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي يقيم في أبو ظبي أما هادي ففي الرياض. وسيكون الصراع المتجدد بينهما فرصة للحوثيين الذين اندفعوا خلال الأسابيع الماضية باتجاه محافظة مأرب الغنية بالنفط. وحاول محمد بن سلمان إبطاء التقدم من خلال وقف للنار إلا أن القتال استمر حيث اتهم أطراف التحالف بعضهم البعض بارتكاب مخالفات. ويبقى السؤال مفتوحا حول سيطرة الحليفين في الحرب على وكلائهم في اليمن. ويقول بيتر سالزبري من مجموعة الأزمات الدولية إن الإمارات عندما قررت الخروج من اليمن أظهرت أنها لم تعد مستعدة للتغطية على الأمور هناك. ويرى أن المواجهات الأخيرة “هي عن التنافس اليمني-اليمني بدلالات إقليمية غير واضحة”.

لا تستطيع السيطرة

فالسعودية كما تقول مجلة “إيكونوميست” (2/5/2020) لم تفشل في طرد الحوثيين من صنعاء فقط بل ولم تعد قادرة على التحكم بحلفائها داخل اليمن، مما يفتح المجال أمام حروب جديدة بين المتنافسين. وتقول المجلة إن الجنوب ظل مكانا للاضطرابات، حيث أجبرت بريطانيا على الخروج من عدن عام 1967 بعد حكمها أكثر من قرن عندما جعلت الميناء مركزا لتزويد الوقود إلى سفنها العابرة المحيط الهندي إلى الهند. وأصبح اليمن الجنوبي بعد الاستقلال أول دولة عربية شيوعية حتى الوحدة عام 1990 والتي أثارت حفيظة الجنوبيين الذي انتقدوا فساد الشمال وإهمال عدن الذي كان واضحا من الفيضان الأخير الذي قتل فيه 14 شخصا. وربما كانت مظاهر الحنق الشعبي من هادي والتحالف جزءا من قرار المجلس الانتقالي إعلان الحكم الذاتي وحيلة منه للضغط على السعودية التي تواجه مهمة معقدة بعد خروج الإمارات، ففي الوقت الذي لا يحظى فيه الحوثيون من الشمال بدعم في الجنوب الذي يعتبرهم دخلاء ومن طائفة مختلفة، إلا أن المجلس يعاني من مشكلة حقيقية في الجنوب، فلا شعبية له خارج عدن، وقد رفضته المحافظات الكبرى مثل حضرموت. ومن الناحية الرسمية تريد السعودية الحفاظ على وحدة اليمن، لكن بعض المسؤولين السعوديين باتوا يتساءلون وإن بطريقة خاصة عن إمكانية قبول انفصال الجنوب وفي ضوء العداء المحلي للحوثيين. وحتى لو استطاع الانفصاليون تعزيز قوتهم فسيصبح الشمال أكثر فقرا، ففي الجنوب معظم الأراضي الصالحة للزراعة واحتياطي متواضع من النفط، أما الشماليون فلن يحصلوا إلا على مناطق جبلية وحدود طويلة مع السعودية، وهو سبب آخر لكراهية المملكة.

انقلاب؟

ويمكن لنا أن نسأل، هل تحرك الانفصاليون كنتيجة للفراغ الذي خلفه السعوديون والإماراتيون أم أنه جاء بضوء أخضر من أبو ظبي؟ من الصعب الرد بشكل قاطع، مع أنه لا يمكن فصل القرار عن التحركات التي قامت بها الإمارات في السنوات الخمس الماضية. وكما جاء في تقرير لموقع “ميدل إيست آي” (1/5/2020) قارب فيه كاتبه بين انقلاب حفتر الأخير بزعم “التفويض الشعبي” وانقلاب الجنوبيين. ففي ليبيا كما في اليمن حاولت أبو ظبي دعم الطرفين كجزء من تعزيز تأثيرها. وكان حليفيها المجلس الانتقالي يتعرض لضغوط من أجل تطبيق اتفاق الرياض في وقت تكبد فيه حفتر هزائم متكررة في الفترة الماضية، وعليه أصبح الفصيلان بحاجة لتأكيد حضورهما. وهذا مهم لمشروع التسيد الإقليمي الإماراتي، فمنذ عام 2014 رأت الإمارات في حفتر قوة مفيدة لها لكي تكرر جهودها في مصر التي نصبت فيها نظاما مستبدا، ولهذا وضعت أمير الحرب الليبي تحت جناحيها. ودعمت كذلك المجلس الانتقالي الجنوبي منذ إنشائه. وفي الوقت الذي يزعم فيه المجلس تمثيله لمصالح الجنوبيين اليمنيين إلا أنه يعتمد بشكل كامل على دعم الإمارات. وظلت هذه تعمل على تقويض اتفاق الرياض ودعم الميليشيات الانفصالية في معظم الجنوب بما في ذلك جزيرة سقطرى. وتريد الإمارات السيطرة على موانئ الجنوب خاصة عدن وسقطرى لكي تقيم محور تأثير في البحر الأحمر وتعزز من تجارتها البحرية. ولا بد من الإشارة إلى أن الحديث عن خلافات سعودية-إماراتية مبالغ فيه، فالرياض وإن كتمت حنقها من الدور الإماراتي المتزايد في اليمن وليبيا إلا أن التحالف قوي بينهما ويقوم على أجندة الثورة المضادة والاستثمار القوي في العلاقات العسكرية. وفي الملف اليمني تحاول الإمارات تحقيق أهدافها من خلال التحرك بحذر وبراغماتية حتى لا تغضب السعودية أو تؤثر على التحالف. وتعرف أنها بحاجة لدعم الرياض لحشد الدعم الدولي لوكيليها في ليبيا واليمن. ورغم معارضة محافظات في الجنوب لإعلان المجلس الانتقالي وفي عدن أيضا إلا أن المجلس يقوم بحملة علاقات عامة من خلال متحدثين باسمه في محاولة لتقديم نفسه كممثل حقيقي لسكان الجنوب. وبالمقام نفسه قام حفتر بحملة دبلوماسية قدم فيها نفسه كرجل قادر على حل مشاكل ليبيا وبالتالي الحصول على دعم دولي. واستخدم المجلس الانتقالي الجنوبي جماعات الضغط الأمريكية إضافة إلى حملات التضليل الإماراتية وجهود الضغط في الدوائر الأمريكية والأوروبية والترويج لرؤيتها من خلال مراكز البحث ووسائل الإعلام والحصول على دعم للحركات التي تدعمها. وربما نجحت أبو ظبي مع حليفها حفتر من خلال فرضه جزءا من أي عملية تسوية مقبلة لكن تحقيق هدفها في اليمن سيكون صعبا في ضوء معارضة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمبعوث الدولي مارتن غريفيث. وفي النهاية يظل مشروع الانفصال مرتبطا بقدرة المجلس الانتقالي على توسيع سلطته أبعد من عدن.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية